معاريف: وهو قبل النهاية

حجم الخط
0

في بداية الأسبوع دُعيت مع بعض من زملائي في تغطية المجال السياسي لحديث طويل مع دبلوماسي غربي كبير. وقد وصف الحديث بأنه لغير النشر. وكان هدفه الأساس إطلاع الصحافيين الإسرائيليين على المزاج السائد في الغرب، لكن ليس هذا فقط، مثلما تبين في اليوم إياه، كان هذا إعدادا لخطوة أوروبية منسقة، رصاصة بدء لحملة ضغط دبلوماسية مكثفة على إسرائيل، لإنهاء الحرب في غزة.

الحرارة في الغرفة المكيفة ارتفعت في غضون دقائق من بدء اللقاء، فقد تميز الدبلوماسي غضبا باسم دولته وغيرها من الدول الغربية. غضب بالطبع بالطريقة الدبلوماسية اللبقة، لكن الرسالة كانت واضحة. فقد جاء ذاك الدبلوماسي الكبير كي يوضح لإسرائيل، أنه من ناحية الدول الأوروبية فإن ساعة وقف الحرب في غزة بدأت تدق بصوت عال، والعد التنازلي بدأ، من مراحل التهديدات المشتركة للعقوبات، وحتى النقطة في الزمن، التي يفرض القرار فيها على إسرائيل إنهاء الحرب بدأ ينتقل إلى مجلس الأمن ـ بلا فيتو أمريكي.

هذا هو السيناريو باختصار، الإسرائيليون واعون لهذا الواقع، حتى لو أصر رئيس الوزراء على أن يبث للجمهور صورة مختلفة. وهذا ما فعله بنيامين نتنياهو هذه المرة أيضا، مساء يوم الأربعاء في المؤتمر الصحافي الذي عقده، بعد أن هجر هذا النوع من التواصل لأكثر من نصف سنة. ومع أن الحافز للمؤتمر الصحافي كانت الحاجة السياسية لتهدئة القاعدة الغاضبة، على قرار استئناف المساعدات الإنسانية لغزة، لكن على الطريق كرر نتنياهو الرسائل إياها التي قيلت في بداية الحرب، وبعد سنة من نشوبها. واليوم أيضا يقترح على كل الضاغطين أن ينسوا إنهاء المعركة، طالما لم تركع حماس، لم تضع سلاحها ولم تغادر إلى دولة ثالثة. لا بد أن حادي البصر، يلاحظون توسيع قائمة الشروط لإنهاء الحرب. فالشروط الآن لم تعد فقط إعادة كل المخطوفين، وتجريدا تاما من السلاح واستسلاما مطلقا من حماس ونفي قيادتها، بل أيضا تنفيذ خطة الهجرة الطوعية لسكان غزة، ولا حاجة لأن يكون المرء خبيرا ضليعا بالتفاصيل كي يفهم أن تحقيق كل الشروط ليست قصة أسابيع ولا حتى أشهر.

في مستوى الفكرة، نتنياهو محق. فقط هكذا تتم المساومات: دون إبداء ذرة ضعف أو استعداد لحل وسط. فإذا ما لاحظت قيادة حماس نبرة تنازل في صوت نتنياهو فإن الثمن من ناحيتهم سيرتفع في لحظة. في مستوى التوافق مع الواقع، رسالة نتنياهو عن الحرب حتى النصر التام، وليس أقل من ذلك، بأي شكل بعيد عن أن يعكس الوضع بالفعل. وهو أيضا يعرف هذا. التهديدات الأوروبية بالعقوبات، في تبريد العلاقات، في تجميد الاتفاقات وفي الاعتراف بدولة فلسطينية ـ ليست خطابا سياسيا فارغا من المحتوى، بل المحطة الأولى في مسار في نهايته يفرض على إسرائيل إنهاء الحرب في غزة إذا لم تبادر هذه إلى سيناريو آخر تطفئ فيه المعارك.

هاتف من البيت الأبيض

رغم الضغوط من أوروبا، فإن إنهاء الحرب لن يحصل صباح غد، كون الرئيس ترامب لا يزال يوجد في مكان آخر، يختلف عن ذاك الذي يوجد فيه زعماء القارة. من جهة أخرى، هو أيضا لا يوجد في المكان الذي كان فيه حتى وقت اخير مضى. خطاب الرئيس الأمريكي تغير، وهذا واضح جدا في تناول ترامب للوضع في غزة، أثناء زيارته إلى الشرق الأوسط وبعدها أيضا حين عاد إلى البيت الأبيض. مع كل الاستخفاف الترامبي الذي يكنه ولا يخفيه تجاه زعماء أوروبا، فإنه لا يمكنه، بل ولا يعتزم تجاهلهم تماما. فالغضب الغربي والعربي على الوضع الإنساني الصعب في القطاع، ومطلب إنهاء الحرب باتا منذ الآن يتسللان إلى البيت الأبيض.

مع أن نتنياهو لا يشوه الواقع حين يدعي “يوجد تنسيق كامل بين إسرائيل والولايات المتحدة” التنسيق بالتأكيد موجود، لكن في هذا التنسيق لا يوجد بالذات توافق في الرأي. كمية الاقتباسات عن مسؤولين أمريكيين، يدعون أن “الطرفين يتمترسان ولهذا لا تعقد صفقة”، تؤشر بوضوح الى أن صبر ترامب بدأ ينفد. الرئيس لا يتخلى عن إسرائيل، لكن بالقدر ذاته ليس مستعدا لأن يتخلى عن تطلعاته وعن خططه الكبرى. كان يسر الرئيس الأمريكي أن يرى حماس تستسلم. وحتى لو لم يكن استسلاما تاما، على الأقل التوجه إلى صفقة جزئية. وقد بدا هذا قريبا جدا، إلى أن تبين أن تقديرات إسرائيل حول تصفية السنوار هي في الواقع سوء تقدير. فتصفيته كانت تستهدف إزالة عائق عن المسار، إلا أنها ولّدت فوضى لدى باقي القيادة. في الشرق الأوسط توجد قاعدة معروفة: الاتفاقات بشكل عام تعقد مع أكثر الأعداء تطرفا، ممن يمكنه أن يتخذ قرارات ضد الرأي العام لديه. أما من تبقى من حماس اليوم فيخافون من الموافقة على أمور لم يوافق عليها محمد السنوار. وعليه فغياب الصفقة وتواصل الحرب على خلفية الوضع الإنساني الصعب في غزة، يؤدي بإسرائيل إلى مسار تجرى فيها مكالمة هاتفية بين نتنياهو وترامب آجلا أم عاجلا. في هذه المكالمة سيقول الرئيس الأمريكي لرئيس الوزراء الإسرائيلي: “بيبي يا صديقي أعطيتك ما يكفي من الوقت لفتح بوابات الجحيم. أعطيتك شرعية لهجرة الغزيين، أعطيتك مظلة سياسية وعسكرية بوفرة، حتى حين كان هذا ليس مريحا، لكن في هذه اللحظة أنا ملزم بأن أقول لها إنه لا يمكنني أن أضيع على هذا كل الولاية. هيا ندخل إلى مراحل النهاية.

نهاية الحرب بالاضطرار وليس بالنصر المطلق ـ ليس سيناريو الأحلام من ناحية نتنياهو. من جهة أخرى يحتمل أن يكون هذا هو الحل المثالي عندما تكون مهمته الأسمى هي تحقيق أقصى المرابح، خوض مفاوضات مع ترامب بتحقيق إنجازات علنية وخفية. من الصعب الافتراض كيف ستنتهي الخطوة عندما تحصل. من السهل التقدير ماذا يكون على الطاولة. بكلمة واحدة ـ إيران. كل ما تبقى سنراه في الزمن الحقيقي.

آنا برسكي

معاريف 23/5/2025

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية