معاقبة الحرية

حجم الخط
0

معاقبة الحرية

حكم البابامعاقبة الحريةما يحدث علي امتداد الوطن العربي منذ اغتيال الصحافيين سمير قصير وجبران تويني ومحاولة اغتيال مي شدياق في لبنان، وقتل الصحافي ضيف الغزال بعد خطفه في ليبيا، والتمثيل بجثة المراسلة التلفزيونية أطوار بهجت واغتيال صحافيين وأصحاب رأي آخرين في العراق، وصولاً إلي ذبح الصحافي السوداني محمد طه محمد أحمد، واحالة الصحافيين المصريين ابراهيم عيسي ووائل الأبراشي ومصطفي بكري إلي القضاء لمحاكمتهم تمهيداً لحبسهم، واعتقال الكاتب السوري ميشيل كيلو وزملائه لمجرد توقيع بيان، يعني أنه لم يعد هناك مكان للرأي الآخر علي الأرض العربية، وأن القوي صاحبة النفوذ علي الأرض سواء كانت سلطات دنيوية حاكمة (يمينية أو يسارية.. ثورية أم رجعية)، أو تنظيمات دينية طامحة للحكم، ورغم اختلافها في الأهداف والغايات والوسائل والمبادئ والشعارات، متفقة علي أمر وحيد هو معاقبة الحرية، وتحويل أي مدافع عنها أو حالم بها أو طامح لها إلي أحد اثنين: ميت أو سجين! فتحت اسم وشعارات الدين والوطن تجري حملة تكفير وتخوين لم يشهدها العالم العربي حتي في أشد عصور ظلامه، ففتاوي التكفير اليوم أصبحت تطلق علي الشبهة، ولم يعد العقاب عليها بالقتل أو الذبح يحتاج إلي إثبات أو دليل أو شهود، أو الشق عن القلب لمعرفة النوايا، ولم تعد مقتصرة علي الذين يجاهرون بالشرك بالله أو بإعلان الردة عن الاسلام، بل أصبحت تطال كل من يبدي رأياً في حادثة تاريخية أو يقدم اجتهاداً في تفصيل فقهي، بما في ذلك رجال الدين أنفسهم، بحيث لم يعد يمر شهر دون أن نسمع بأحدهم يكفّر شيخاً أو مذهباً أو تنظيماً، كما لو كان يصدر لمريديه أمر عمليات بقتله.ومثلها دعاوي خيانة الأوطان لم تعد بحاجة إلي محاكمات وأدلة وإثبات أيضاً، فأي مقال رأي ينتقد سلطة أو حزباً في العالم العربي، قد يفقد كاتبه مواطنيته ويحوله إلي خائن، وأي بيان يدعو إلي الديمقراطية في بلد عربي، قد يودي بموقعيه إلي السجون وتلفق لهم تهم تبدأ بالارتباط بالسفارات الأجنبية ولاتنتهي عند حد العمالة للدول الاستعمارية، بحيث أصبح كل كاتب عربي مجبراً أن يضع ثوابته القومية والوطنية في بداية كل مقال يكتبه حتي لو كان موضوعه فقدان مادة استهلاكية من أسواق بلده، خوفاً من تخوينه، ويعيد التذكير في كل مقطع جديد ينتقل إليه في مقاله علي أنه ضد السياسة الأمريكية ومعاد لاسرائيل ومؤيد للوحدة العربية ومناصر لتحرير فلسطين ومهتم بجلاء القوات الأمريكية عن العراق، ليستطيع أن يتحدث عن فقدان أعواد الثقاب في بلده!وفي ظل هذا التدريب الانكشاري علي تنميط الرأي العربي وقولبته، وإلغاء العقل وتعطيل التفكير صار من المستحيل كتابة أي مقال ينتقد قضايا مثل مشكلة الحريات العامة وحقوق الانسان في سورية، وقضايا التوريث الرئاسي في مصر، والحكم الفردي عبر أكثر نماذجه وضوحاً في ليبيا، وإدارة حكومة حماس للأزمة الفلسطينية الداخلية، وسياسة حزب الله في الداخل اللبناني، من دون أن يوصم كاتبه بالخيانة العظمي، وبخدمة المشاريع الاستعمارية، ويعامل باعتباره عدواً داخلياً يشكل رأس حربة للعدو الخارجي، وكأن هذه الجهات تحتكر الوطنية وقد نزهها الله عن الأخطاء، في حين أن من يبدي رأياً أو يعترض علي سلوك غارق في الخيانة والخطايا.ما أبأس العالم العربي اليوم حين ينظر إلي قادة رأيه ومثقفيه وكتابه وصحفييه كخونة محتملين أو ككفرة مؤجلين، تكفي أي صاحب قوة أو نفوذ علي الأرض العربية (سلطةً أو حزباً أو تنظيماً) كلمة واحدة ليحولهم إلي موتي أو سجناء! 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية