معايير التتويج في الجوائز

حجم الخط
1

هل تخضع الجوائز العالمية والأجنبية عموما لمجموعة من المقاييس التي لا نعرفها، إضافة إلى المقاييس الأدبية في اختياراتها؟ أم أن الأمر يتهيّأ لنا؟ فالقصص نفسها يعاد سردها من طرف الكُتّاب بمختلف جنسياتهم ولغات إبداعهم، وهي قصص الإنسان العادية، في صراعه الدائم مع المفاهيم المعادية للحب والسلام والتآخي.
في كل مرة يُسلّط الضوء من طرف مانحي الجوائز على المكان الأكثر عتمة لإبهار قرّاء العالم. وفي الوقت نفسه يحاول الكُتّابُ الدخول إلى ما يعتقدونه فضاء مجهولا في خبايا المجتمعات المشتعلة بالحروب، والانتكاسات والخيبات والغرائب الخارجة عن المألوف.
نوبل للآداب هذا العام تروي لنا حكاية اللاجئين بشكل مغاير. إيقاع نوبل بالتأكيد ليس إيقاع خبر عابر في نشرات الأخبار، وليس «ترند» نتداوله لفترة وجيزة قبل أن يجرفه «ترند» آخر. إذ يبدو أن العالم نسي سريعا صورة الطفل «إيلان» الذي تقاذفته الأمواج ميتا، ومعه قوافل الهاربين من أوطانهم من الضفّة الجنوبية الزّاخرة بشتى أنواع الإقصاء والتهميش والإذلال للإنسان. الخوض في أرشيفات أكثر الجوائز الأدبية المرغوبة في العالم، يكشف لنا أن المعايير المعتمدة ثابتة ولا تتغير إلاّ قليلا وفق مستجدات الأحداث العالمية. للحصول على فرصة للفوز بجائزة بحجم نوبل، في المقام الأول تحتاج أولا لتكون رجلا، ولا بأس بترشيح اسم نسائي للجعجعة الإعلامية قبل إبعاده، مثلما حدث هذا العام بذكر الفرنسية آني إيرنو، والكندية آن كارسون. ولا داعي لتذكيرنا بأن الأمريكية لويز إليزابيث غليك، فازت بها في العام الماضي، أو البولندية أولغا توكارتشوك في العام الذي قبله، لأن تتويج امرأة بجائزة نوبل أو بغيرها يأتي كحدث استثنائي كل عدة سنوات لغايات يفرضها الرأي العام بشكل غير مباشر. ولا شك في أن فضيحة التحرش التي أدت إلى حجب الجائزة فرضت على أعضاء الأكاديمية مقياسا جديدا لتهدئة النسويات، وأنصار المرأة الذين أصبح صوتهم أقوى من ذي قبل، وألزمتهم منح الجائزة لامرأتين تباعا على مدى سنتين.
ثمة شروط ضمنية أخرى يتفق عليها القاصي والدّاني وهي أن الجائزة تمنح لخريجي الجامعات المهمة، ومن النّادر أن يحصل عليها خريج جامعة محلية غير معروفة، إذ تسطع دائما أسماء جامعات مثل هارفرد، كامبريدج، أوكسفورد، إلخ. ومن المعروف أيضا أن أكثر الأسماء تكرارا لدى وكلاء المراهنات مثل الياباني هاروكي موراكامي أو التشيكي الفرنسي ميلان كونديرا وأدونيس السوري، والألباني إسماعيل كاداري، والمجري بيتر ناداس وغيرهم، يحرمون من الجائزة وكأنّه من غير اللائق أن تكون معروفا عند جمهور القرّاء، لأن المطلوب إحداث مفاجأة بالجائزة وليس تكريس المألوف.
تُخرج لنا الأكاديمية السويدية اسم عبد الرزاق قرنح أو غورنا مثل أرنب الساحر من القبّعة، وعلينا أن نندهش، ونشعر بالغباء والتقصير والجهل، لأنّنا لم نقرأ له، ولم نترجمه للغتنا «الجميلة» على الرّغم من أنّه ذو أصول يمنية من حضرموت، ولد وكبر في زنجبار في تنزانينا، وتألّق اسمه عدة مرات بإدراج رواياته في قوائم طويلة وأخرى قصيرة لجوائز مهمة مثل، البوكر وجائزة «لوس أنجلس تايمز» للكتاب. يصبح الأمر أكثر إهانة لنا لأننا لم نسمع بهذا العربي الافريقي، رغم أنّ نوبل نفسها وهي الجائزة الأبرز والأغلى في العالم، كُرّست لذوي البشرة البيضاء، ولم تلتفت للكتاب ذوي الأصول الافريقية والآسيوية إلا نادرا.

اعتقد الكاتب عبد الرزاق قرنح أن اتصال الأكاديمية السويدية به لإخباره بفوزه «مزحة» فقد تفاجأ مثله مثل غيره، وأخبر ناشره السويدي أنه لم يتخيّل أبدا أنّه سيحقق هذا الفوز. كلنا متفاجئون إذن، لكن ما لا يفاجئنا أن الإعلام العالمي كله قدمه على أنه وصل المملكة المتحدة لاجئا أواخر الستينيات، منجزه الروائي منحصر في عشر روايات، أمّا منجزه الأكاديمي فطويل.

يأتي في الأخير عامل آخر مهم، قبل التطرّق للبِّ الأدب والموضوعات التي تفضلها لجان التحكيم عموما، إنه «النّاشر القوي» الذي يقاتل مع كُتّابه بشراسة، ولا يتركهم في ساحة الوغى الأدبية يقاتلون بسيوفهم الخشبية مثلما يفعل كتابنا في العالم العربي. الناشرون العرب الذين يرون في مؤلفيهم «الدجاجات التي تبيض ذهبا» بقليل من العلف إن أمكن. وهذا موضوع أرهق أهل الكتاب من مؤلفيه وصناعه وإعلامييه، وليسوا بحاجة لعتاب لأن أحدا ممن فرَّ من منظومتهم غاب عن اهتمامهم. أمّا عن لبِّ هذا الأدب فالحب والموت متلازمة الآداب كلها، وفي أغلب الأحيان يفوق الموت الحب بكثير، بل إن الحب يُوظّف كعنصر للتحلية، بعد إغراقنا بسيل من المآسي والمصائب لأبطال عالقين في شباك أنواع من القتلة والظالمين والسفلة والجهلة وعديمي الضمير. تُبنى القصص في أدب الجوائز على الموضوعات القاسية والعنيفة، أمّا نوبل وغيرها من الجوائز المسيلة للعاب الأدباء، فتبني على الأساطير المبتكرة لإيهامنا في كل مرة أن الفائزين أشخاص متفردون بأدوات ومخيلات إبداعية لا مثيل لها. قد أبالغ إذا قلت إن في الرواية العربية أدباء استحقوا نوبل ولا أحد انتبه لهم، وآخرين استحقوا ترجمة تخرجهم من المظالم العربية بحقهم وبحق أفكارهم التحررية المتقدمة، لكن الغاية اليوم للجوائز العالمية بسط مزيد من النفوذ اللغوي والثقافي لبلدانهم. فمثلا تراجع اللغة الفرنسية في عقر البلدان التي اعتبرت فرنكفونية على مدى عشرات السنين، جعل «مطابخ الجوائز» تقدّم الوجبات الخفيفة المنقذة لما يمكن إنقاذه لدى شعوب الشمال الافريقي، وبعض دول افريقيا الناطقة بالفرنسية، التي أصبحت منقسمة في ميولها اللغوية نحو العربية والإنكليزية.
في الحقيقة جوائز مثل غونكور وفيمينا ورينودو والأكاديمية الفرنسية، ما كانت لتمنح لكُتّاب المغرب العربي، لولا التّراجع المخيف لاستخدام الفرنسية بين أبنائه، تداركت هذه الجوائز أخطاءها، وأصبحت بين الحين والآخر تتوّج كاتبة شابة أو كاتبا لتوسيع دائرة المقروئية الفرنسية، وهو التّوجه نفسه الذي انتهجته جائزة البوكر باللغة الإنكليزية وجوائز أخرى.
وفيما يشعر كُتّاب اللغة العربية من كل الجنسيات بالغبن والبؤس، مقارنة مع زملائهم الذين يكتبون باللغات الأجنبية، المتألقين من خلال منظور الجوائز الأدبية، يستعيد سوق الكتاب الأجنبي المساحات التي خسرها، والأمر هنا غير مرتبط بالسطوة اللغوية فقط، بل بالاقتصادية أيضا وهي الغاية طبعا. إعادة توزيع المجالات الثقافية على الخريطة الافريقية العربية ليس مجرّد منح فرص لتغطية إعلامية للأدب والنّقد، وإنّما فتح لمجال ربحي مالي، واستثمار لرأس مال قد يصبح ضخما، وفق الانتشار اللغوي الذي قد يضمنه الأدب كقاعدة تأسيسية للبزنس المقبل.
إننا أمام إشكالية كبيرة حول الصناعات الثقافية، كون المشهد الإعلامي المصاحب لنجاح نظام الجوائز يلعب دورا حاسما في تلقي الجمهور للوصفة السحرية التي تحوّل الكاتب إلى أيقونة أدبية، تتحكم عن بعد بالخيال الجماعي. كما أن تغيٌّر الرسائل الواردة من الجهات المانحة للجوائز مرتبط ارتباطا وثيقا بتطور الوضع البشري، وفق المعطيات الجغرافية والتاريخية والسياسية. جائزة نوبل لا تختلف عن أي جائزة أخرى من هذا النمط، بل إن إصرارها على تقديم تبرير سنوي مصاحب لكل عمل فائز يؤكد هذا التحليل، ويؤيّده، مع ملاحظة أنها تمنح شرعية فوق العادة للأدب، واعترافا دوليا للغات، أمّا ما تبقّى من تأويلات فهي قراءة مشروعة لمعطياتها الثابتة والمتغيّرة. تلعب الجوائز، خاصة جائزة بحجم نوبل، دورا رئيسا في إنتاج الذوق، يفوق دور وسائل الإعلام كلها، بما فيها، وهذا يبين لنا مدى الدور القيّادي الذي تخوضه أكاديمية مانحة لجائزة، في تشكيل جزء مهم من المكوّن الفكري الثقافي المشترك للمجتمعات رغم اختلافها عن بعضها بعضا.
اعتقد الكاتب عبد الرزاق قرنح أن اتصال الأكاديمية السويدية به لإخباره بفوزه «مزحة» فقد تفاجأ مثله مثل غيره، وأخبر ناشره السويدي أنه لم يتخيّل أبدا أنّه سيحقق هذا الفوز. كلنا متفاجئون إذن، لكن ما لا يفاجئنا أن الإعلام العالمي كله قدمه على أنه وصل المملكة المتحدة لاجئا أواخر الستينيات، منجزه الروائي منحصر في عشر روايات، أمّا منجزه الأكاديمي فطويل.
كملاحظة أخيرة في هذا المقال، قرنح حالة مختلفة تماما عن حالة نجيب محفوظ العربي الافريقي هو أيضا، إذا ما أردنا أن نقارن بين معايير التتويج، وهذا باب آخر يمكن لغيري أن يخوض فيه بإسهاب.

شاعرة وإعلامية من البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية