محمد بوعزارة هناك ظاهرة سياسية جديدة باتت محل جدل كبير لدى العديد من الأوساط في مختلف أنحاء الوطن العربي ومن بينها الجزائر، وهي تتعلق بمسألة اختيار وترشيح المناضلين من طرف قيادات مختلف الأحزاب السياسية للانتخابات تشريعية كانت أو محلية )بلدية أو ولائية( ودفعهم ليكونوا ممثلين لشعوبهم في مختلف مجالات التنمية والدفاع عن حقوق مواطنيها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والانسانية. ولعل العنصر المقلق في العملية أن بعض قادة الأحزاب بما فيها الأحزاب الفاعلة صارت تستخدم عنصرين لجلب هؤلاء المترشحين، ففي السابق كان يُلجأ إلى ترشيح المناضلين العقائديين وذوي التجربة والكفاءة والماضي الطويل في النضال، أما اليوم فإن عاملي المال والولاءات والحسابات الضيقة أصبحت هي العناصر الأساسية المشكلة للترشيح.و تطرح هذه الظاهرة أسئلة ملحة عن انعكاساتها السلبية في المستقبل على الممارسة الحزبية والحياة السياسية ككل وكذا الإفرازات التي يمكن تتسبب فيها على مسألة اختيار رجال ونساء المستقبل في جميع الميادين وتأثيرات ذلك على مسارات التنمية الشاملة وعلى التحول الديمقراطي وعلى السلوكات الاجتماعية للفرد والمجتمع وعلى رجل السياسة، حيث أصبح هم البعض هو الوصول إلى هذا المنصب الانتخابي أو ذاك بأية وسيلة وخصوصا عبر التآمر على خيرة الرجال والنساء الذين عركتهم التجارب وخاضوا في جميع المجالات وجلب أناس بواسطة المال الفاسد دون مراعاة أدنى المقاييس لا في الماضي النضالي ولا في التجربة والكفاءة ولا في مراعاة الأخلاق التي تشكل عنصرا أساسيا لجلب الناخب وعدم إحجامه عن العزوف الانتخابي، وهي ظاهرة باتت في توسع وازدياد، بل إنها تحولت إلى مصدر قلق للساهرين على العمليات الانتخابية، لكون أن العزوف يمس بمصداقية الانتخاب كيفما كان شكله.وبرزت مجموعة من الملاحظات تتلخص في أن هناك تذمرا كبيرا يسود العديد من الناخبين من جراء عدم مراعاة أبسط شروح الترشيح وخاصة بشأن عدد من الأسماء المقترحة للترشح وكذا بعض التصرفات اللاأخلاقية ‘التي ترافق العملية سواء من قبل بعض المترشحين أو من طرف المقصيين معا.في نهاية عام 1982 عقد الصحفيون الجزائريون مؤتمرهم الثالث وانتخبوا قيادة جديدة.’كان الحديث وقتها ساخنا بشأن الانعكاسات السلبية لتطبيقات ما عرف بالمادة 120 من القانون الأساسي لجبهة التحرير الوطني التي اشترطت أن تكون المسؤوليات في مختلف المناصب حكرا على مناضلي الجبهة.ورفض الصحافيون أن تطبق عليهم تلك المادة من خلال انتخابهم لقيادتهم في الاتحاد. وفي أعقاب اختتام ذلك المؤتمر الذي ترأست ُشخصيا جلساته ذات النقاش الحاد والساخن خرج الاتحاد بقيادة شبانية في معظمها، ولا أجد حرجا إن قلت ‘الآن إن بعض من أصبحوا أعضاء في أمانة الاتحاد حينها لم يكونوا أهلا لذلك ،و تم إقصاء الجيل المخضرم والقديم من قيادة الاتحاد نتيجة الصندوق وتطبيقا لتلك المادة.و كان من بين خرجوا من أمانة الاتحاد حراث بن جدو الصحفي بالتلفزيون وقتها الذي كان ساخطا على نتيجة الانتخاب وربما أيضا على قيادة الحزب التي تكون قد ساهمت بشكل أو بآخر على التجديد الكلي للاتحاد.و بعد فترة وجيزة أنصفت الدولة الزميل حراث إذ تم تعيينه مديرا للتلفزيون الجزائري، فجاءنا إلى مقر اتحاد ‘الصحفيين الجزائريين وكنا في جلسة عمل حيث راح يتحدث معنا وكأنه يستفزنا بروحه الخفيفة قائلا:’يا الشبان:لتسقط انتخب يُنتخب ولتحي عَين يُعين !!و كانت كلماته تلك تحمل رسالة تعبر عن عدم رضاه على عمليات الترشيح والانتخاب التي كثيرا ما تخذل أسماء كبيرة وقد تأتي بمن لم يكن يستحق هذه الثقة أو تلك، وكانت الرسالة الثانية أنه إذا خذله الصندوق فإن التعيين من قبل مؤسسات الدولة لم يخذله، ذلك أن التعيين له شروطه ومقاييسه التي تسهر عليها مختلف مؤسسات الدولة ورجالاتها والتي من المفروض أن تراعي الدقة في اختيار الأنسب لهذا المنصب أو ذاك، وألا يقع اختيارها على أشخاص متربصين أو فاشلين في دراستهم مثلما لاحظنا ذلك في فترات سابقة وفي مهنتهم وحتى في حياتهم العائلية، وقد يكون بعضهم مشكوكا حتى في مداركه العقلية مثلما راحت بعض وسائل الإعلام في إحدى الدول العربية المشرقية تشكك في الحالة الصحية والعقلية لأحد الرؤساء العرب الذين جلبهم الربيع العربي المستورد. ما أردت قوله أنه إذا وقع انحراف في الحياة الحزبية والسياسية من خلال حسابات السياسة واقتراحات الأحزاب وإفرازات الصندوق لأسماء قد لا تستحق حتى حق الترشيح لملء الفراغ بها أو لتوضع في ذيل قائمة هذا الحزب أو ذاك، فإن مسألة المعايير التي تضعها الدولة في التعيين في أي منصب من مناصب الدولة داخل هذا البلد أو ذاك أو خارجه في مناصب دبلوماسية لا يجب أن تشوبها شائبة في معرفة الرجال والنساء خاصة أن الحديث عادة ما يدور همسا وعلنا عن تجارب سابقة في مختلف البلدان العربية جلبت مسؤولين تولوا مناصب هامة في شتى القطاعات حيث كانت الأحاديث المشككة في كفاءتهم قد جاءت حتى من طرف بعض الكفاءات النزيهة العاملة معهم، وكانت عملية تعيينهم قد وصلت إلى حد الطعن في قدرتهم على التسيير ومحل تساؤلات كبيرة سواء تعلق الأمر بتجربتهم حيث لم يكن لبعضهم سابق معرفة بالقطاعات التي تولوها أو بكفاءتهم ومستواهم أو حتى بطريقة تسييرهم لمختلف القطاعات التي سيروها.ثم إن الدولة بإمكانياتها الضخمة تمتلك إمكانيات هائلة للتقييم، كما أنها تحوز مؤسسات قادرة على أن تذهب للعمق في التحري والبحث والتدقيق في مختلف الملفات، وأن تميز بين ما يصلها من معلومات قد تحمل طابع الانتقام والتقييم اللاموضوعي المبني على حسابات شخصية أو حسابات تصب في مصلحة أشخاص بعينهم، وبين معلومات دقيقة تخضع للمهنية حتى لا تخطيء في حق الرجالات والنساء الذين تمسهم عملية التقييم هذه. ‘إن مسألة تقييم الرجالات والنساء هي من أصعب المسائل وأعقدها، فقد يظلم هؤلاء أو أولئك إطارا ساميا كفؤا لمجرد وشاية كاذبة حتى يُرغم على الاستقالة أو الإقالة والتهميش، وقد يعلي بعضهم شأن شخص تافه لا يحسن إلا فنيات التزلف فيصبح صاحب شأن عظيم عبر المنصب وليس عبر شخصه.ولذلك فإذا سقطت مقاييس التعيينات في التشخيص وفي التقييم السطحي وفي الولاءات للأشخاص مهما كان موقعهم، وإذا سقطت معايير التعيين في تفضيل عامل الثقة العمياء على الكفاءة والخبرة والنزاهة فإن طرق التعيين ستأتي بدون شك عرجاء، إذ قد تجلب رجالات ونساء عديمي الكفاءة وانتهازيين لا هم لهم إلا مصالحهم الخاصة بهدف الوصول إلى مناصب عليا تتعلق بمصائر الناس وتسيير الشأن العام ومال الأمة.وعندها تكون الكثير من الرهانات على الأشخاص مغلوطة من أساسها.من المتعارف عليه في مختلف الدول الديمقراطية أن الأحزاب السياسية ذات التجارب الكبيرة في السياسة وكذا الجامعات العريقة تشكل المشتلة الحقيقية التي تزود مختلف مؤسسات الدول بخيرة الكفاءات ،إذ تدفع ببعض الشخصيات والزعامات الفردية المتميزة للبروز وكذا التمكين للأحزاب من التجذر الشعبي ومن ثمة الوصول إلى الحكم كي تسهر لاحقا على خدمة الدولة والإعداد للبرامج المستقبلية وفق عمليات استشراف علمي في شتى المجالات.ولكن الغريب في الأمر أن العديد من الأحزاب في الدول المتخلفة والمنغلقة والتي تعم فيها الرشوة والفساد وتسود فيها الولاءات صارت مزرعة حقيقية إن لم أقل مرتعا للرداءة والتآمر على الكفاءات ــ التي إن مُكِّنت من شيء ــ فقد تصبح مجرد مكلفة بإعداد’ تقارير الأحزاب، أما المسؤوليات فهي حكر على أناس يكادون يكونون منعدمي التكوين العالي أو المتخصص ،بل إن تخصصهم المميز هو )الفكر التآمري( بكل ما يتميز به من خسة ودناءة وحيل للتموقع المغشوش.فإذا كانت الجامعة تعمد على التكوين الجيد للفرد والمجتمع وقد تكون عاملا مساعدا في إبراز زعماء متميزين، فإن المفترض أن الأحزاب هي المدرسة المؤسسة والمشكلة للدفع بمناضليها البارزين لتبوء أعلى المراتب والتي عادة ما تنتهي بتولي الأمانات العامة أو رئاسة هذا الحزب أو ذاك، ثم يدفع بالكفاءات للترشح لرئاسة الدولة أو الحكومة أو لمختلف الوزارات والمؤسسات الهامة الوطنية والدولية.وإنه إذا كان حال السياسة ومختلف الأحزاب الناشطة سواء في الجزائر أو في غيرها من البلدان العربية يظهر بجلاء بؤس السياسة عندنا فهل يمكن القول إن الأحزاب السياسية عقمت على صنع رجالات ونساء قادرين على صناعة المستقبل لأوطاننا.و لذلك فإن أخوف ما أخافه اليوم وأنا أتأمل في وجوه عدد من المسؤولين الذين قذفت بهم الأقدار والولاءات في أكثر من بلد عربي أن تنحدر معايير التعيين في مختلف مؤسسات وأجهزة الدولة إلى نفس الحسابات والرهانات التي باتت تطبع حال السياسة البائس اليوم في الترشح والانتخاب من طرف بعض الأحزاب الناشطة في الساحة التي أرغمت كثيرا من الكفاءات وهي في قمة العطاء إلى التقاعد المبكر والإقصاء وفتحت الشهية لبعض أصحاب الرداءة والمؤامرة والمال الفاسد من استخدام كل الطرق غير المشروعة للتموقع. وإن من شأن ذلك أن يشكل خطرا كبيرا على تماسك وقوة وديمومة الدولة، مثلما كان الانحراف المسجل في حسابات قادة بعض الأحزاب خطرا على السياسة التي لم تعد للأسف سياسة في كثير من الأحزاب بعد أن شوهها الانتهازيون والمال الفاسد والاختيار السيئ في ترشيح أناس بات همهم الوحيد هو الترشح والترشيح كوسيلة لاحقة للارتشاء والكسب السريع عن طريق الكرسي ولا شيء غير ذلك.’ كاتب جزائري