معتز الإمام: الأوضاع السياسية والاقتصادية وراء إنغلاق الملامح الثقافية السودانية

حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: قلة من التشكيليين السودانيين اختطوا مسارا فنيا عرج بهم وبتجاربهم إلى ما وراء مجموع رصافئهم، وإنْ كان الفنان العامي إبراهيم الصلحي وآخرون من جيل الرواد قد نحتوا فنهم في ذاكرة الفن بأوروبا فإن التشكيلي السوداني الشاب معتز الإمام يمضي في ذات الطريق ببصمة لونية خاصة به لا يتشبه خلالها بأحد، خلاصتها مخزون معرفي ثر وذاكرة سودانية بصرية محتشدة بتقاطعات والتقاءات الأفريقي والعربي وما بينهما من زوايا.
الإمام هو خريج كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالسودان مطلع الألفية غير انه نجح في وضع اسمه كمشروع لوني وفلسفي مختلف.
وحينما رحل بتجربته من الخرطوم إلى القاهرة منتويا رسم تواجد تشكيلي سوداني فاعل في الساحه المصرية بكل ما تحويه تلك النقلة من تحديات، لينجح في رحلته مضيفا لمشروعه مما وجده بالقاهرة وليمنح اتليهات القاهرة نفسها لمسات فنية مختلفة عبر أكثر من ستة معارض خاصة أبرزها ( تلوين ـ موسيقى لونية ـ لمسة سوداء ـ النهر ـ مناخات ـ ثاني أكسيد الكربون، كما شارك الإمام في معارض عالمية عديدة مع فنانين آخرين مثل مشاركته في معسكر أفريقيا الفني الذي أقيم بمتحف كاسوريا بنابولي عام 2009 ـ فن الشمال دوسولدروف ألمانيا 2010 ـ تاشيس أند تاشيس جنوب فرنسا 2010 ـ بجانب رسومات للحياه جاليري المرخية الدوحه قطر 2012، بينالي بكين 2012.
«القدس العربي» التقت الفنان التشكيلي السوداني معتز الإمام في حوار عن مشروعه الفني.
٭ يقولون ان الألوان لغة فهل هي لغة بصرية بالنسبة لك أم مفردات مفاهيم وأفكار؟
٭ الألوان هي أشمل معنى من ان تكون مفردة تشكيلية أوعنصر بناء جمالي فاللون إشاره بصرية ومعرفية ومزاجية معقدة وذات دلالات ثقافية وايديولوجية وروحية ونفسية كبيرة جداً ولها قدرة على حفظ الموروث الجيني والثقافي والتعبير عنه بطلاقة وفصاحة بائنة وهي ذاكرة بصرية مستمرة مهما تقدم بنا العمر تتم صياغتها وإعادة تقديمها كل مره حسب التقدم في التلقي. والتعبير الجمالي اللون عبارة عن صندوق أسود لكل مواقفنا الحياتية وهي ايقونة تربطنا بجذورنا الثقافية والروحية والفنان الواعي بالفعل الابداعي هو من يستطيع الوصول إلى هذا الصندوق الأسود واستخلاص التداعي اللوني كموضوع أساسي في العمل الفني
٭ تجربتك كتشكيلي سوداني متواجد وفاعل مع المشهد التشكيلي المصري.. ماذا أضاف لك؟
٭تواجدي ومشاركتي في الحركة التشكيلية المصرية أضاف لي الكثير جداً فالكل يعلم التاريخ الكبير والموروث الضخم للحركة التشكيلية المصرية والفن التشكيلي عموماً كنشاط مربوط بالمحيط المحلي والعالمي في تبادل الخبرات والمعارف وإدارة النقاشات الفكرية والتقنية فالحركة التشكيلية المصرية أضافت لي الكثير والكثير جداً.
٭ ماهي الخلاصات التي خرجت بها من مشاركاتك الخارجية؟
٭ المشاركات الخارجية في التشكيل هي انفتاحك لرؤية التطور الذي يطرأ على صناعة الصورة وتعتبر المشاركات الخارجية موارد معرفية جديدة وتبادل للثقافات وأساليب التعبير الثقافي، العالم عبارة عن مجتمع واحد، خليط معرفي وثقافي واحد، وان اختلفت جغرافيته شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، فالفنون لا تعترف بهذه المسميات الجغرافية يطربك اللحن ولا تسأل عن مصدره الجغرافي وكذلك تعجبك اللوحة وتتجاوز في تأثيرها الجغرافيا والمسافات وأيضاً من أكبر فوائد المشاركات الخارجية تعريف الآخر بثقافتك والترويج لها وايجاد مكان لها في هذا العالم المتزاحم.
٭ ماهو سقف مشروعك التشكيلي… وأين تجد نفسك الآن من هذا المشروع الآن؟
٭لا سقف للعمل الفني وليس هنالك سقف للفنان إنما هي أحلام وخيالات نطاردها حتى يصبح هذا العالم أجمل ومن ثم تكبر أحلامنا وخيالاتنا لتسبق المُدرك إلى المجهول هكذا الفن منذ بدء الخليقه وإلى الآن، بدأ الفن من داخل الكهف كتعبير عن أحلام وأوهام وتطلعات مجتمع الكهف ونقل الإنسان من الكهف إلى السينما كنقلة كبيرة على مستوى مضمون ومدى وتأثير الصورة، الفن هو الذي حرر الإنسان من أسر الواقع في كل شيء ووضع رجله على فضاءآت الحلم والخيال والوهم وراهن على الأوهام وجعلها حقيقه في يوم من الأيام ومازلنا نراهن على أوهام وأحلام زماننا هذا حتى تصبح حقيقة في زمان ما، مشروعي الفني مفتوح الأثر غير محدد بجغرافيا محددة ولا زمن حدوث ولا كيف ولا كم إنما اختراق تلك العتمة وإضاءتها ومن ثم التحرك إلى مساحات أخرى معتمة، هي محاولة التواجد في أماكن مجهولة وجعلها مناطق معلومة هي اكتشافات متواصلة لا تفتر ولا تقنع ولا ترضي بالمُدرك الجميل دون المجهول الأجمل.
٭ ماهي البصمة المميزة لأعمالك والتي لا تغيب في لوحاتك وإنْ اختلفت الفكرة من لوحة لأخرى؟
٭ما يميز أعمالي هو التحرك الدائم من موضوع إلى آخر ومن منطقة معرفية إلى أخرى ومن أسلوب إلى آخر. أنا أخاف الجمود أخافه جداً أخاف التمسك بنتيجة واحدة والتوقف للاحتفال بها. أخاف الكرنفالات بما تم انجازه لأنه عجز أمام المجهول، عجز عن الاكتشافات الجديدة وتعطيل لقدراتي على التقدم إلى مناطق أخرى مجهولة ولكن اثناء هذا التحرك هنالك دائماً حركة نقد فني ترصد الفنان والعمل الفني بالتحليل وقد يتأخر النقد عن تجربة الفنان وقد يتقدم عليها باستنباط مآلات الفنان والعمل الفني، ولكن الفنان الناجح دوماً هو الذي يكسر التوقعات. وعلى العموم في الزمن القادم متسع لأن يتناول الناس أعمالك بالبحث والنقد والتحليل حتى وإنْ كان بعد وفاة الفنان بفتره زمنية طويلة. الزمن دائماً هو العنصر الرابح كما حدث في أعمال الكثير من رواد الفن العالمي سوى ان كان الفن الفطري أو الأكاديمي الحديث فمازال النقاد يتناولون تلك التجارب بالتحليل وما زالو يوماً بعد يوم يتوصلون لاكتشافات جديدة كدليل على ان الفنان سابق مجتمعه وزمانه كثيراً. الكثير من الفنانين ممن نالوا رضا وتمجيد مجتمعاتهم لهم أثناء حياتهم لا يعرفهم أحد الآن والكثير ممن ماتوا مجهولين قد تم تمجيدهم الآن. الزمن عادل جداً وهو الرابح الوحيد والأكيد في معركتنا معه.
٭ كيف تنظر لراهن الفن التشكيلي السوداني؟
٭ الفن التشكيلي السوداني له تاريخ عريق وقديم في المنطقة وعالمياً إلا انه أصابه بعض الركود في الفتره الحالية والأسباب عديدة جداً ومتشعبة ومعقدة ولكن دائماً هنالك بعض التجارب الجادة والقوية التي تفرض نفسها على الساحة. وهكذا الفنان دائما ما يكسر كل التوقعات. أكبر مشكلة تواجه التشكيل السوداني في الفترة الحالية هي الانغلاق كمعظم مناحي الحياة في السودان وبالرغم من هذا الانفتاح الكبير والضخم في وسائل الاتصالات والمعرفة إلا ان هنالك انغلاقا للملامح الثقافية السودانية له أسبابه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
٭ هل يؤثر أكل العيش على مستوي المنتج الفني للتشكيليين؟
٭أكيد يؤثر في كل فعل إنساني، بل هو يقف في الدرجة الأولى من هرم الاحتياجات الإنسانية، يؤثر في كل ما بعده ولا يمكن تجاوزه هو المفتاح الذي يفتح ما بعده من أبواب فإذا تم بيسر وسهولة سيرتقي بالنشاط الإنساني إلى الدرجة التي تليه.
٭ التشكيل كفلسفة لدى الإمام هل هو مشروع فردي للفنان أم تعبير عن مجموع المجتمع وقضاياه..؟
٭ هذا سؤال قديم ومتجدد ومثار لنقاشات فلسفية معقدة هل يرسم الفنان لنفسه ام لمجتمعه ؟ هل الفن للفن أم الفن للمجتمع ؟ وقد اسهب الكثير من الفلاسفة والمفكرين في تناول النظريتين ما بين مؤيد ومعارض. ولكن وجهة نظري الشخصية (الفن للفن فيما يعلم الفنان، والفن للمجتمع فيما لا يعلم) العمل الفني ينقسم إلى مراحل عديدة منها ما هو غير إرادي كالالهام ووقت حدوث العمل الفني وموضوعه وزمن انجازه وهنالك ما هو إرادي كعرض العمل الفني والتحدث عنه والخطاب المصاحب له ولكل فترة تأثيراتها، لست من أنصار مقولة الفن للفن فقط من غير أي موضوعية أو اثر اجتماعي، وفي نفس الوقت أجد نفسي غير منحاز للفن الموجه الذي يحمل من الفكر ما يثقل العمل الفني نفسه حتى يفسده. يجب ان يتم العمل الفني حسب رؤية الفنان واستيفاء شروطه الابداعية ويتلقاه المجتمع ويستخلص منه ما يفيده ويصحح مساره.
٭ كفنان.. هل تخطط ليومك.. عملك خلال عام مثلا أم تدعه يمضي كيفما اتفق.. ولماذا؟
٭ يختلف الفنانون باختلافات مزاج الإنسان فمنهم من يخطط لمشروعه بشكل دقيق جدا ومنهم من يخطط في الشكل العام دون التفاصيل ومنهم من يعتمد على الإلهام أو الصدفة أو الارادة الإلهية، فكلها مسميات يعتمد عليها الناس في حياتهم العادية. أما انا فاكتفي بالتخطيط العريض من أهمية الانشغال التام بالهم التشكيلي ممارسة ودراسة ومعرفة دون التدخل في التفاصيل الصغيرة من كيفية حدوث التطور والتفرد وما إلى ذلك.
٭ بين المدارس العربية والافريقية والعالمية.. اين تجد نفسك؟
٭ مسألة المدارس الفنية هي من صميم عمل النقد الفني لا يمكن ان تفرض على الناس ان يتقبلوك ضمن مدرسة فنيه محددة ولا يمكن ان ترفض تصنيفا نقديا لاعمالك فالتطور في المعارف التشكيلية الآن كبير جداً وسريع ودقيق وله أساليب أكثر دقةً وأكثر عدلاً وأكثر انفتاحيه وشمولا. أنا موجود في الحركة التشكيلية ومشارك فيها وأعمالي موجودة وهذا ما يهمني.
٭ في ظل التغيرات العربية وشظف العيش والمناخات المعادية للثقافة وحرية التعبير.. هل للفنون مساحة تطور؟
٭ الدور الرئيسي للفن التشكيلي هو مقاومة القبح في كل صوره والقفز فوق الأسوار وإنارة الجوانب المظلمة في العالم فالمعركة الرئيسية دوماً بين الفن والقبح في الصفات والعادات ودوماً هو المنتصر في كل زمان ومكان، قيم الحق والخير والجمال هي الرسالة السامية والمطلب الدائم للإنسان في كل أوقاته وحالاته.

أنورعوض

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية