معتقل المنطقة الخضراء

حجم الخط
0

معتقل المنطقة الخضراء

يحيي اليحياويمعتقل المنطقة الخضراءعندما دخلت القوات الأمريكية بغداد عام 2003، أطلقت العنان لشتي ضروب النهب والسلب والتدمير وحرضت الجماهير الغاضبة علي استهداف كل ما يرمز إلي عهد الديكتاتورية أو يمثلها أو يوحي إليها جوهرا أو بالمظهر.كان كل شيء ببغداد، في صبيحة اليوم إياه، يشي بفوضي عارمة استبيحت في ظلها كبري مرافق الدولة العراقية ومآثر حضارة الرافدين ولم يسلم من أذاها إلا ما قامت علي حمايته قوي الاحتلال وحالت دونه ودون بلوغه من لدن الغوغاء .بالتزامن مع ذلك، اختارت القوي إياها لنفسها، بقلب بغداد، مجالا ترابيا كان من ذي قبل (من قبل الاحتلال أعني) مجالا سياديا بامتياز حيث المجمع الرئاسي الذي من بين ظهرانيه كان الرئيس العراقي يباشر قيادة البلاد ويتدبر شؤون محافظاتها. لم تطلق قوي الاحتلال علي المجال إياه تسمية المنطقة الخضراء جزافا، بل لكونه يضم مساحات شاسعة من الحدائق والبساتين تقدر سعتها الإجمالية بحوالي عشرة كيلومترات مربعة. هي عبارة عن فضاء مستطيل يحده من الشرق نهر دجلة ومن الغرب حديقة الجندي المجهول ومن الجنوب جسر 14 تموز ومن الشمال جسر الجمهورية الذي أقيم تيمنا رمزيا بسقوط النظام الملكي في العام 1958.لم تختر قوات الاحتلال المنطقة الخضراء (يطلق عليها من لدنهم أيضا المنطقة الدولية) اعتبارا فقط لتميز موقعها أو للهيبة الرمزية التي مثلتها زمن الرئيس صدام حسين، بل وبالأساس للإيحاء المادي المباشر بأن مركز المنظومة السياسية التي كانت تجسدها المنطقة من ذي قبل قد تهاوي وولي بدليل السيطرة علي أقوي معاقلها واشدها تحصينا علي الإطلاق.وعلي الرغم من التحصينات الكبري التي كانت، قبل سقوط بغداد، مقامة لحماية المجمع (بحكم التواجد الرسمي لأركان الدولة به)، فإن الاحتلال عمد إلي تشديدها وتقوية الحراسة علي مداخلها برا وجوا ومن الداخل أيضا. فشيد بذلك (من حولها) جدارا إسمنتيا بعلو أربعة أمتار متعذر الاختراق وأقام بداخلها الحواجز المتعرجة وأحاط الكل بشبكة من الأسلاك الشائكة وأجهزة الرقابة الالكترونية وعشرات الدبابات المدججة بالرشاشات الثقيلة وكفل أمر تسييرها لشركة خاصة (كلوبال سترتيجيز غروب) هي ذاتها التي تسير مطار بغداد (مطار صدام الدولي سابقا) .قد تبدو المنطقة الخضراء (علي الأقل للناظر من الخارج) قلعة عسكرية محصنة لا يلجها إلا من توفرت لديه بطاقة ما أو احتمي بترخيص. لكنها أكثر من ذلك بكثير بحكم حساسية المرافق المقامة بجوفها وطبيعة المهام المناطة بها وهي قلب الدولة الجديد بكل الأحوال:ـ فهي تضم سفارتي قوي الاحتلال (السفارة الأمريكية اتخذت لها مرافق القصر الجمهوري إمعانا في الإهانة) وسفارة إسرائيل، ومقار إقامة العديد من السفراء وجنرالات الاحتلال وخبرائهم ومستشاريهم وطواقم إداراتهم ومترجميهم وخدمهم واختصاصيي تسليتهم بنواد للترفيه والتسلية بكل اللغات والألوان.ـ وهي تضم مقار الحكومة التي نصبها الاحتلال (الوزارات الحساسة قبل غيرها) وغرفة البرلمان المنتخب و رئاسة الجمهورية ومقرات العديد من الأحزاب السياسية ومعظم فضائيات العهد الجديد وما سواها.ـ وهي تضم، فضلا عن كل ذلك، فندق الرشيد الشهير و المحكمة الجنائية التي أقامها الاحتلال لمحاكمة الرئيس صدام حسين ونفر من رفاقه علي وقائع منتقاة ودونما مراعاة لحصانته أو لواقع الاحتلال الذي ترزح البلاد تحت وطأته. لا يعرف المرء بالضبط كم هي نسبة الكثافة السكانية بهذه المنطقة (يوجد بها ومن حولها أكثر من عشرة آلاف جندي) ولا جنسية العديد من قاطنيها ولا هوية العديد من الوافدين إليها ليل نهار، ناهيك عن المهمات الموكولة إليهم وهكذا. لكن المؤكد حقا أن قادة الاحتلال المباشر والمتعاونين معهم هم الذين يقررون من داخل هذه المنطقة، في حال ومآل ما يفوق الخمسة والعشرين مليون عراقي.وإذا كان من غير المبالغ فيه القول بأن المنطقة الخضراء إنما هي دولة الاحتلال بامتياز، فإنه من غير المبالغة أيضا القول بأنها نادرا ما لا تتعرض لضربات المقاومة عبر الصواريخ أو بالعبوات الناسفة علي مداخلها أو بالعمليات الفدائية التي يقوم بها عناصرها: ـ فنائب وزير الدفاع الأمريكي (بول وولفويتز) افلت من موت محقق بفندق الرشيد حيث كان مقيما ولم ينفع في استهدافه لا الأسلاك الشائكة ولا كاميرات المراقبة ولا عشرات الجنود المحيطين بالفندق (توفي ضابط أمريكي برتبة عقيد في أعقابها).ـ و حكام العراق الجدد لا يستطيعون التجول بالمنطقة إياها دونما حراسة شخصية مشددة ونادرا ما يتجولون بها دونما التفات ذات اليمين وذات اليسار، بل إن رئيس جمهورية الاحتلال لا يشعر بالأمان والاطمئنان إلا وهو ببلدته بكردستان. ـ وبلوغها من لدن الزوار الكبار الخارجيين (أمريكان وإنكليز وغيرهم) غالبا ما يتم في السر المطبق وتجند له المروحيات عوض ولوج المنطقة من أحد مداخلها البرية المتعددة، بل إن اجتماعات البرلمان غالبا ما تسبقها إجراءات رقابة ومراقبة ندر مثيلها في بلد مفتوح . قد تكون منطقة المجمع الرئاسي خضراء حقا ببساتينها وحدائقها والمياه الجارية من بين أحضانها، وقد تكون مريحة بفضائها الشاسع ومكاتبها الرئاسية الفاخرة، لكنها تأكيدا سجن كبير تعتقل به المقاومة العراقية قادة الاحتلال والعملاء التي رضيت عنهم فأقامت لهم مقار ومساكن من بين ظهرانيها. وعلي هذا الأساس، فإذا كانت قوات الاحتلال وعملاءها يدعون السيطرة علي البلاد عبر سيطرتهم علي المنطقة الخضراء، فإنهم باتوا يدركون أن إقامتهم بالمنطقة إياها إنما هو من إقامة السجين بسجنه… والتحصينات المقامة من حولهم إنما هي أولا وبالمحصلة النهائية من حماية السجناء ليس إلا. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية