معجزات صغيرة في فيشه روم : حين يمتزج الواقع بالخيال فيلدان بلدا سحريا
فاروق يوسفمعجزات صغيرة في فيشه روم : حين يمتزج الواقع بالخيال فيلدان بلدا سحريا يسميه الشيء السحري، ملوحا بوهم لا يخمن مادته. هو بالتأكيد لا يقصد ما نراه مباشرة أمامنا، بل يقصد المغامرة لذاتها، ذلك المنعطف المفاجئ الذي ينتقل بخطواتنا من الواقع الي الخيال، ويضعنا في قلب الحيرة، وهي حيرة استفهام يتردد في الانحياز الي ضرورته، فهو الآخر مصنوع من مادة لينة شبيهة بتلك المادة التي صنعت لحظات النظر الي تلك الواقعة الجمالية، حيث يتخطي هدف العرض الاعمال الفنية، برغم أهمية تلك الأعمال إلي استعراض فكرة ذلك الشيء السحري الذي يحلم به هنريك تيلمان. الوصف هنا ينفع: (فيشه روم)، واحدة من قري الطريق الي الجنوب الأسوجي (السويد) ليس إلا. شارع وحيد تصطف علي جانبيه المحلات التي تقدم الخدمات الاساسية، لذلك لا يحتاج المسافر الي قراءة اللافتة التي تدله الي مركز البلدة الذي قد يخترقه من غير أن يدري. فجأة عرفت أن هناك مركزا للفنون في فيشه روم. فكرة مجنونة فعلا، فالمتعارف عليه أن تقام مراكز الفنون في المدن الكبري لا في البلدات النائية، التي تعاني الوحشة والصمت. ولكن لا مبالغة في الامر، هناك مركز حقيقي للفنون، هو في حجم ذلك المركز الموجود في مدينة كبيرة مثل مالمو. هذه المفارقة الغريبة يفك جزء من لغزها اللقاء بمدير ذلك المركز تيلمان. ذلك الشخص هو مزيج من الفنان والمخترع، المجنون والرائي، ثقته لا تخفي قلقه فيما معرفته تنبئ عن رغبة في البحث. هو في حقيقته خزينة لمشاريع محيرة، ما رأيته صدفة هو جزء من مشروع في طريقه الي التشكل. فتح لنا باب إحدي القاعات فاذا بي أشعر أنني اجوس بقدمي مكانا هو في طور التهيئة، تركه العمال للتو ليعودوا غدا لاكمال أعمالهم. ارض القاعة مرصوفة بالحصي فيما تناثرت هنا وهناك اشلاء أثاث وبقايا معدات وهناك أسلاك تمتد من مكان إلي آخر. ولكن بعد خطوتين أو ثلاث يتبدل الاحساس بالمكان، حيث يشعر المرء أنه قد وقع في الفخ. لا شيء صحيحاً مما حدسه. فكل ما تقع عليه عيناه من أشياء هي أعمال فنية عرضت لتري. يحضر ذلك الاحساس استجابة لانسجام خفي ومتين تستشعره العين بين تلك الاعمال وبين الارض التي صفت عليها. هناك مناخ شعري صنعته مخيلة مأخوذة بالخديعة هو ما يضعنا في قلب مفهوم مبتكر للعرض الفني. 2لو طلبت من تيلمان شرحا لأجابني: لا شيء، كما يفعل الاسوجيون عادة. لذلك اكتفيت بالنظر والتصوير والحيرة، معتبرا المكان هذا منفي سريا آخر للجمال. شجرة يابسة عملاقة تشتبك بالنظر غير أنها لا تخفي بجسدها شيئا، كراس خشبية من غير مقاعد وكرات رصفت بدقة هندسية وعربة فارقتها خيولها والواح زجاجية تهبط من السقف وقد كتبت عليها جمل وافدة من مكان آخر وجدار حجري بني علي عجل، صفت أمامه معدات خشبية تكفي حياة بدائية متقشفة، والواح سوداء تركت هنا وهناك بعفوية لافتة. وفجأة يحل الفراغ. هناك مساحة أخيرة في القاعة تركت عن عمد فارغة، هي السبب الذي يدعونا إلي الالتفات. بسببها عدت إلي الاعمال لاراها هذه المرة بعين مختلفة، لقد اكتسبت مهارة النظر عن طريق الحدس كما يفعل الأعمي في عتمته. فتلك الاعمال الانشائية لا تكشف عن جمالياتها من الوهلة الاولي، دائما هناك ما لم نره منها، ما يظل ملتحفا بخفائه، ما يدعونا الي العودة ثانية. هذه الاعمال ليست منحوتات تري مكتملة، دائما هناك ما يفلت منها من النظر المباشر، أما المعني الكامن فانه يظل أبدا في منأي عن التناول الوصفي المباشر، يحتاج المرء إلي قوة تأويل استثنائية ليتمكن من الفهم، ولكن هل الفهم ضروري في مثل هذه الحالة؟ الدهشة تحقق نتائج جمالية هي أفضل بكثير من تلك النتائج التي ينجزها الفهم. يبدو هذا الاستنتاج منسجما مع موقف، هو في مظهره يكاد يكون عبثيا، غير أنه في حقيقته يعبر عن دعوة مفتوحة للاحتماء بالطبيعة الحية. 3كل الاعمال المعروضة مصنوعة بمواد جلبت بشكل مباشر من الطبيعة، مواد لم تخن أصولها، وليست هناك مادة تتفوق علي الخشب في استدراج الانسان هنا إلي الذكريات الملحة سوي الماء، وما بين الخشب والماء هناك صلة وصل يمثلها القصب. ذلك النبات الذي ينمو علي ضفاف البحيرات بكثافة. هناك عملان، كلاهما صنعا من القصب، الاول وضع داخل القاعة وهو عبارة عن مقاطع قصيرة ربطت ببعضها لتصنع شكلا تجريديا ممتلئا حنانا والثاني احتل مكانه الطبيعي خارج القاعة فكان القصب نابتا علي شكل دائرة مفتوحة فيما يلفت النظر لوح خشبي استند برفق علي القصب كما لو أنه يمارس نوعا من الرياضة الروحية. من شأن العمل الثاني أن لا يلفت النظر لانه وضع الي جوار شجرة أسقط الشتاء كل أوراقها فصار الاثنان يتشابهان، كأنهما حدثان عارضان. وهي صدفة مقصودة، كما اظن. العمل الفني هنا لا ينوي الاعتراض علي الطبيعة بل بالعكس فانه يسعي الي اكتساب شيء من عاداتها في احداث البهجة المفاجئة في الارواح. دائرة القصب المفتوحة تسمح للمتلقي في الدخول اليها أو النظر اليها من الخلف كما فعلت بحثا عن حقيقة ذلك اللوح العابر، مثلي تماما. 4ولكن، لماذا ذهبنا (الرسام عمار داود وأنا) الي فيشه روم، وهي البلدة التي لا يشعر المسافر بضرورة التوقف فيها؟ الحب هو السبب. هناك في رأس تيلمان مشروع معرض عن الحب، بمختلف تجلياته الايروتيكية. ولان تيلمان هذا يصر علي أن للمسلمين مثل سواهم من البشر ثقافة حب، فقد خصص لتلك الثقافة جزءاً واسعا من مساحة العرض. كان داود يفكر بطوق حمامة ابن حزم وبابن عربي، فيما تيلمان يظهر خشية مرتابة من الانشاء التوضيحي، هناك معجزات جمالية يمكن استخراجها من الحب من غير أدني اضطرار الي الافصاح أو الوصف. كلماته تستعيد ذلك الشيء السحري الذي لا يسمي. ربما يفكر بالخيال الخشن الذي كان المخرج الايطالي بازوليني قد صنع بمادته يوما ما معجزة صورية مضادة استلهمها من قصاصات الف ليلة وليلة. مهمة الرسام العراقي ليست يسيرة. ذلك لأنها تقترح كفاحا مزدوجا: فهي من جهة محاولة لاستخلاص مفهوم ثقافي من تجارب العشق العربي وفي المقابل فانها ستواجه بعذريتها وتقواها وعفة صياغاتها مفهوما آخر للحب، يحتل التفكير بتقنيات الجسد الجزء الأكبر منه. سيكون ذلك المعرض إذن ساحة مواجهة بين عالمين مختلفين، طرفاها الروح والجسد. من المؤكد أن تيلمان وهو شخصية اشكالية قد وضع كل هذا في حسابه، حين فكر بدعوة رسام، ذي خلفية ثقافية إسلامية. لكن هل من الضروري أن يستند الرسام علي نص أدبي من أجل أن يستخرج آهات ولوعة وخبرة العشاق المسلمين؟ إن من يفكر باعادة بناء الهيكل لا بد من أن يهدم المعبد، حسب نيتشه، وفي حالتنا فان ولع العرب والمسلمين بالكلمة، كونها بداية الخلق، قد يكون مرجعا لصورة ثابتة، صورة لا تتحرك خارج بعديها، وهو ما لا يكفي لانشاء أثر فني يدعو الي القطيعة. لقد اعتاد الرسامون العرب أن يمدوا أيديهم الي خزانة التراث الأدبي ليلتقطوا من بين لقي بلاغته اللامعة مفردات تستدعي صورها الخيالية، وهي مهنة يغلب عليها الرجاء أكثر من أن تكون مصهرا للخلق. وهو ما ينكره الاسوجي تيلمان به، فهل سيتمكن العربي عمار داود من تقطير لهاث العشاق ليصنع خمرة تطيح برؤوس من ينظرون الي المسلمين، كونهم امة لا تعرف الحب؟ هذا ما يجب أن ننتظره أشهرا. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0