معجزة الزمالك… كيف عاد إلى الحياة بعد نهائي القرن؟

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: حدث في مصر الأسبوع الماضي… بائع في محافظة المنيا يبيع البيض بأسعار مخفضة جدا، وصاحب مخبز في الوادي الجديد يُدعى منصور عباس، رصدته شبكة «الجزيرة» يوزع الخبز مجانا على الأهالي لمدة يوم. وفي الفيوم، قرر طبيب العظام محمود عزت، مد الكشف المجاني في عيادته لنهاية الأسبوع، ومشاهد أخرى من هذا القبيل في مختلف المحافظات، اكتملت بالزحف العظيم على البيت الأبيض الكبير في ميت عقبة، لتوثيق لحظات الاحتفال بالإنجاز التاريخي، بنجاح نادي الزمالك في الاحتفاظ بلقب الدوري المصري للمرة الثانية على التوالي، كثاني مرة يفعلها في الألفية الجديدة والرابعة منذ اعتماد بطولة الدوري المحلي عام 1948.

إنجاز من رحم المعاناة

لتفسير وفهم الفرحة الهستيرية بتتويج الزمالك بلقب الدوري للمرة الرابعة عشرة في تاريخه، علينا العودة إلى الوراء قرابة العامين، تحديدا بعد الهزيمة المؤلمة على يد الغريم الأزلي الأهلي، التي عرفت بمباراة نهائي القرن، التي حسمها نادي القرن بالضربة القاضية في سهرة الـ27 من نوفمبر/ تشرين الثاني 2020. صحيح بعدها بشهور قليلة واصل العدو المحلي طغيانه في القارة السمراء، بإحكام قبضته على كأس دوري الأبطال العاشرة على حساب كايزر تشيفز الجنوب أفريقي، ثم حافظ على الكأس السوبر الأفريقية للمرة الثانية، وبالمثل الميدالية البرونزية في كأس العالم للأندية، لكن في نفس الوقت، كان الزمالك، يسابق الزمن للتعافي من الجرح الغائر والمشاكل النفسية والأزمات المادية، التي أعادته إلى المربع صفر، أو كما كان في الفترة بعد 2005، بتعاقب أكثر من مجلس إدارة معين على غرفة صناعة القرار، وحدث ذلك بعد عزل الرئيس الحالي مرتضى منصور، وجاءت الانفراجة الأولى، بخطف لقب الدوري 2021 في الأمتار الأخيرة، بعد سلسلة من الانتصارات والعروض المميزة تحت قيادة المدرب السابق الفرنسي باتريس كارتيرون، ورغم ذلك، شكك شعب الأهلي في عودة المنافس التقليدي هذا الموسم، وكان الرهان، على عودة اللقب إلى مكانه شبه الدائم، كما جرت العادة في العقود الماضية، أن يعود زعيم الكرة المحلية للهيمنة على لقبه المفضل لنهاية العشرية الحالية على أقل تقدير، على غرار ما حدث بعد ابتعاد الدرع عن «مختار التتش» في بداية التسعينات، ونفس الأمر بعد خسارته 4 مرات في بداية الألفية، ومؤخرا احتكار دام 5 سنوات، بعد ضياعه مرة واحدة في الفترة بين عامي 2005 و2014، لكن ما حدث على أرض الواقع، فاق حتى خيال القائد محمود شيكابالا.

عراّب الرابع عشر

قال شيكا نصا في مقابلة تلفزيونية في سبتمبر/ أيلول الماضي، تزامنا مع فوزه باللقب الثالث عشر: «هايدوسوا علينا بعد فوز الزمالك بالدوري»، معتقدا أن الدولة والرأي العام والشعبية الطاغية للأهلي، ستمنع فريقه من معادلة إنجازه مع الجيل الذهبي في بداية الألفية. وفي حقيقة الأمر، كانت أغلب المؤشرات، تُظهر أن نادي صفوة المجتمع، في طريقه للضياع والعودة مجددا إلى الحلقة الفارغة، وتجلى ذلك في البداية المخيبة لآمال المشجعين، والتي وصلت لحد الهزيمة بفضيحة أمام الأهلي بنتيجة 5-3، بعدما كان متأخرا في أغلب الأوقات بنتيجة 5-1. وما زاد الطين بلة، أنه بعد انتخاب الرئيس الحالي والإطاحة بكارتيرون وقدوم المدرب الأسبق جوسفالدو فيريرا، انحنى الفريق مرتين أمام إنبي وطلائع الجيش، ما جعل فكرة المنافسة على اللقب في حد ذاتها، تبدو دربا من دروب الخيال، في ظل تمتع المنافس بعدد وفير من المباريات المؤجلة بسبب ارتباطاته القارية، وكانت كفيلة بوضعه في الصدارة بفارق ثماني نقاط على الأقل، لكن في وقت قياسي، تبدلت الأوضاع من النقيض إلى النقيض، لا سيما في فترة توابع سقوط الأهلي أمام الوداد المغربي في نهائي دوري الأبطال، بعدها اهتزت الثقة في المدرب بيتو موسيماني، ومعها تراجعت العروض والنتائج، وذلك في الوقت، الذي تمكن فيه فيريرا من إعادة الفريق إلى نغمة الانتصارات، مستفيدا من عثرات المنافس ووصوله إلى مرحلة الانهيار الكروي مع قدوم البرتغالي الآخر سواريش، الذي ساءت معه النتائج والعروض بطريقة صادمة للجميع، ليقلب الذئب السبعيني الطاولة على الفريق الأهلاوي، من الخوف من التأخر بثماني نقاط، إلى توسيع الفارق إلى تسع نقاط، وفي بعض الأحيان وصل لـ12 و15 نقطة، بفضل الاستفاقة المتأخرة، التي أسفرت عن 17 انتصاراً و3 تعادلات وهزيمتين فقط من أصل 22 مباراة تحت قيادة عراّب اللقب الرابع عشر، وبين هذا وذاك، لقن الأهلي في يوليو/ تموز الماضي، درسا في مباراة نهائي كأس مصر، النسخة المؤجلة من العام الماضي.

العلامة الفارقة

يبقى رجل اللقب الرابع عشر داخل المستطيل الأخضر، هو أحمد سيد زيزو، ذاك الموهوب الذي تقمص دور البطل كما ينبغي، ليس فقط لكونه هداف المسابقة بـ19 هدفا، نصفها من علامات الجزاء، بل لتأثيره الكبير في نتائج الفريق في المباريات الفارقة، بصناعة 14 هدفا في 22 مباراة. وقد برز تأثيره أكثر من أي وقت مضى، بعد انسحاب السوبر ستار المغربي أشرف بن شرقي في يوليو/ تموز الماضي، لإصراره على الرحيل وعدم تجديد عقده، وهذا ما جعل زيزو يحظى بنصيب الأسد في احتفالات الجماهير والإعلام الزملكاوي، من دون أن ننسى عبقرية المدرب فيريرا، بتعويض العقوبات المفروضة على النادي، بعدم شراء لاعبين جدد للعام الثاني على التوالي، بالتقاط الجواهر الخام من أكاديمية الشباب، والحديث عن نجم المستقبل سيد عبدالله الشهير بنيمار، ويوسف أسامة نبيه وسيف فاروق جعفر وشباب آخرين من نفس العمر، نجحوا في إعطاء الإضافة والحيوية التي كان يفتقدها الفريق في فترة ما قبل كوارث أبريل/ نيسان الماضي. واكتمل المشروع، بحالة التحسن الجماعي في أداء النجوم القدامى، وعلى رأسهم الحارس الإسماعيلاوي محمد عواد، الذي أنقذ النادي من كمين الحارس محمود أبو جبل، بعد اتفاقه مع النصر السعودي. وحسنا فعل عواد، بتألقه بشكل أقل ما يُقال عنه لافت، لدرجة أن البعض بدأ يتحدث عن منافسة مرتقبة بينه وبين محمد الشناوي على عرين منتخب الفراعنة، بعد الهزة الكبيرة في مستوى قائد الأهلي، ونفس الأمر ينطبق على صخرة الدفاع محمود الونش، وصاحب الرئات الثلاث إمام عاشور، بعد نجاحه الكبير في تعويض خروج المخضرم طارق حامد ومن قبله النجم التونسي فرجاني ساسي.

الجماهير وهدايا القدر

بشهادة العدو قبل المحايد، كان لجمهور الزمالك، دورا مهما في تحريك عجلة الفريق، بدعم يلامس وفاء المشجع الإنكليزي لناديه المغمور، وتجلى ذلك في حضورهم المكثف في مختلف المباريات، سواء داخل العاصمة أو خارجها، باستغلال مثالي لقرار الرابطة، بعودة الجماهير بشكل جزئي، بعد انتزاع موافقة الأمن بحضور 2500 مشجع لكل فريق في المباراة، ولعل من شاهد المباريات الأخيرة الفاصلة على لقب الدوري، لاحظ تأثير الجماهير وحماسها الكبير في المدرجات، وانعكاس ذلك على أداء اللاعبين وشراستهم داخل المستطيل الأخضر. والمفارقة، أن هذه الحدة، كان يقابلها هدايا لا تقدر بثمن من قبل المنافس، الذي دخل في نفق مظلم بعد رحيل موسيماني، وكانت البداية، باستنزاف القوام الرئيسي الذي توج بدوري أبطال أفريقيا عامي 2020 و2021، كما وضح بسقوط لاعب تلو الآخر، أبرزهم حمدي فتحي ومحمد شريف ومحمد مجدي أفشة والشناوي وأسماء أخرى بوزن الثقل والأهمية، انتهى موسمهم مبكرا بداعي إصابات طويلة الأجل، ليستفيق محمود الخطيب ومجلسه المعاون على الكارثة، بهذا الكم الهائل من النقاط المهدرة، والذي وصل لحد التعادل في ثلث مبارياته، أو تعادل في 10 مباريات وانحنى في 3 مناسبات. وفي الأخير، توج باللقب من يستحقه، بعيدا عن الأخطاء التحكيمية، التي توقف عندها كثيرا الجمهور الأهلي، واعتبرها سببا جوهريا في بقاء لقب الدوري في ميت عقبة للعام الثاني على التوالي، وليست المشاكل الفنية ولا القرارات الإدارية غير المدروسة، التي عصفت بالفريق في منتصف الموسم. والآن حان دورك عزيزي القارئ لتخبرنا عن الأسباب المنطقية لإنجاز الزمالك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية