معجّنات درامية!

حجم الخط
0

خيري منصور

مصطلح المعجنات في حياتنا العربية وثقافتنا ليس حكرا على الطحين والحلويات، وكيمياء المعدة، انه في الصميم من السياسة، لأن الديموقراطيات الاكثر رواجا في الاعلام الرسمي هي نوع من المعجنات التي تحاول خداع الناس، فتغمر العلقم بالسكر وتقدم مع كل ما هو عسير الهضم أنزيمات بلاغية جوفاء، بحيث لا تخرج اللعبة عن كونها الصوت المسلح والصدى الأعزل الببغاوي. ومنذ أعوام، تحول شهر رمضان الى سوق لما يسمى الدراما التلفزيونية، بحيث يصبح هذا الشهر بحاجة الى ان يتضاعف عدد ايامه عشر مرات على الأقل كي يتسع لهذه البورصة، وما يهدد حياتنا العربية الآن هو ان العملة الجيدة لم تعد قادرة على طرد العملة الرديئة كما يقال، فالتعويم شمل كل شيء وضاعت الحدود بين النقائض، لكن ليس من خلال اداء ابداعي يحذف هذه الحدود، بل من خلال سوفسطائية جديدة، تجعل الفرد مقياس كل شيء. وقد نسي الاخصائيون في الدراما الرمضانية ان هناك قنوات فضائية تنقل ما يدور في عالمنا وما اكثره على مدار اللحظة، وان لدى الناس ما يشغلهم من الأسئلة حول حريتهم ورغيف خبزهم واقساط مدارس ابنائهم، وثمن الدواء لمرضاهم، فهم ليسوا متفرغين لحبٍ نصفه رومانسي من القرن التاسع عشر ونصفه الاخر اباحي وعدمي من هذا القرن، والمعجنات ‘الدرارمضانية’ ان صح لنا اشتقاق مثل هذا المصطلح هي خادم أمين للإعلانات في واقع حلّ فيه الانسان مكان الكلب في التجربة البافلوفية الشهيرة، فالاجراس لا تكف عن الرّنين قدر تعلقها بالاستهلاك المحموم لكن ما من طعام يقترن بها، وما يسيل طوال الوقت هو اللعاب، وأغرب ما في الأمر ان هناك بشرا لا يزالون يتصورون الناس مجرد ركام آدمي أعمى، يبحثون فقط عن تزجية الوقت، لأنهم كما يتصور هؤلاء متخمون من السعادة والعدالة والحريات.. كيف تحول رمضان الى فاصل اعلاني بين شهور السنة كما هو الحال في الفواصل التقليدية المملة في البرامج التلفزيونية؟ وكيف اختزل بكل ما قيل عنه الى ثلاجة ومايكروويف وسوبر ماركت ومسلسل؟ ويبدو ان هذه المتوالية الدرامارمضانية لن تتوقف، فهي في السنوات الاخيرة أفرطت في الاستخفاف بالتاريخ والوعي والواقع، لأن هناك دراما تاريخية تطبخ في اسابيع، ويكون الاحتكام فيها الى رواية واحدة قد تكون الاكثر عرضة للشك بسبب رواجها الرسمي، وعندما يتعلق الأمر بتاريخنا العربي فان ما يسري في باطنه من تاريخ جوفي ومسكوت عنه هو اضعاف ما يجري على السطح، ولم يستفد سيناريست التاريخ حتى من المحاولات الخلدونية المبكرة الداعية الى تمحيص الوقائع، ومقارنتها من خلال القرائن والمنطق لترجيح ما هو أقرب الى التصديق. ان الطلاق الان قد بلغ بينونته الكبرى بين واقع غاشم ومستنقعات تعجّ بالفيروسات وبين ثقافة متعالية، ليس لأنها تعيش في ابراج عاجية كما كان الناس يقولون في زمن المدّ الواقعي بل لأنها ثقافة معلبة بمواد حافظة تسرطن الوعي، ومعظمها فقد صلاحيته منذ زمن طويل، ولو كلف السيناريست العربي نفسه لقراءة ولو عابرة لتقارير التنمية القومية بمختلف مجالاتها لأدرك ان هذه الانيميا القومية التي نعيشها هي نتاج عقل سياسي قاصر ووعي معرفي أشد قصورا، لكن قلّما يعرف المنهمكون في البورصات سواء كانت سياسية او اعلامية كم هو عدد الاطفال الذين يموتون جوعا في بلدانهم، وكم هو عدد المطرودين من التاريخ الى هوامش محرومة من الخيام، فالأمة بأسرها اوشكت ان تصبح امة من اللاجئين، ويكفي ان نتذكر بأن نصف الشعب العراقي يعيش خارج بلاده مهاجرا او مهجّرا او مرعوبا من المجازر الطائفية بحيث أصبحت بلاد ما بين النهرين بلاد ما بين النارين، نار الاقامة بكل ما تحرقه من اللحم الحيّ ونار الهجرة بكل ما تحرقه من الاعصاب والكرامة الوطنية. ان ما ينفق سنويا على الفانتازيا الرمضانية من مسلسلات ومعجنات واستعراضات سادية يمارسها الموسرون على المعسرين يذكرنا بما انفقه العرب خلال نصف قرن مضى على السّلاح الذي صدأ في أغماده وما استخدم منه كان مكرسا لحروب الاخوة الاعداء فقط. ان الضحية الان قد بلغت ذروة ماسوشيتها واستمرائها للألم، فهي لم تعد تدري ما الذي تفعله وهل هي تقاوم ذابحها ام تعض توأمها الممدد الى جوارها، وقد يلاحظ البعض ان الاعلام العربي الرسمي ينعم خلال هذا الموسم بعطلة طويلة، لأن المعجنات التلفزيونية تنوب عنه في اقصاء الناس عن أنفسهم وتغربهم عن شجونهم، لهذا فالتحالف استراتيجي ودائم بين من يضلل الناس بالكذب ومن يسعى الى تدويخهم بحكايات مُلفّقة، يتبادل فيها التاريخ والواقع الاسقاطات، لكن وفق منهج تلفيقي، يحول السيناريست الى غراب خسر المشيتين معاً! والسيناريست في حياتنا ليس فقط مؤلف او معد المسلسلات التلفزيونية، انه سياسي ايضا واحيانا رجل دين يتستر بالاقنعة، لأن السيناريوهات المتدرجة من السيىء الى الأسوأ فالأكثر سوءاً هي تضاريس راهن لا يعجز الأنف غير المزكوم فيه عن شم رائحة المستقبل لأن القادم من الأيام ليس ورقة يانصيب او قراءة في فنجان، فالمستقبل بتعريفه العلمي هو حاصل جمع ممكنات الراهن، لكن عندما يتحول الراهن الى رهينة، وتنعطب البوصلة بحيث تصبح الجهات كلها جهة واحدة فإن كل ما يقال ويبث على مدار اللحظة هو زفير من مشتقات ثاني او عاشر اكسيد الكربون!

ان ما يحدث الان بفعل هذه المعجنات السامة سواء كانت تتذرع بالدراما او ينتجها الاعلام الداجن ويسوقها فقهاء التخلف وفلاسفة العطل التاريخية هو ‘تشييء’ للانسان بالمعنى الدقيق للكلمة، اي تحويله من كائن آدمي الى مجرد شيء، يشبه قطعة غيار قابلة للاستبدال او مسمارا!

وما كان ينظر اليه في الماضي غير البعيد على انه استثناءات او أعراض جانبية للتخلف اصبح الان يهدد القواعد كلها، فالانجراف قد يتحول الى طبيعة ثانية معكوسة ومضادة عندما يتجاوز حدوده التقليدية، وما نغفله دائما هو مفهوم السياق او المناخ المبثوث والسائد، فالحداثة عندما عوملت بانتقائية واجتزاء اصبحت عوراء، وكذلك الديموقراطية والحريات، لهذا فالتخلف ليس مجرد مشاهد هنا وهناك، او رصدا لما تيسر للعين المجردة من مواقف سلبية. انه سياق له قوانين نمو وتراكم، بحيث تأتي لحظة يصبح فيها عصيّا على التفكيك لأن العقل الذي يفكك يصاب بالجرثومة ذاتها وهذا ما يفسر لنا كيف اصبح وعي التخلف متخلفا ايضا من خلال ندوات وفعاليات موسمية مكرّسة لترميم النرجسية القومية الجريحة!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية