القاهرة ــ «القدس العربي»:«أعترف بأنني لم أنجز كل ما كنت أحلم بإنجازه في الفن والحياة، لكن ما أثق فيه أنني لم أخن فرشاتي وقلمي ومبادئي، بل جعلت منها ركائز لبناء مشروع إبداعي بطله الإنسان. لوحاتي عن السد العالي في الستينيات كانت رموزاً لمواجهة التصحر ولشق شريان الخير، وفي سنوات ما بعد هزيمة 1967 استعرت أشجار الصبار رمزاً للمقاومة، إذ تحيا بقطرات الندى، كما رسمت الخيول الجريحة في انتظار الفارس المخلص. وفي السبعينيات رسمت أشجاراً عملاقة تتحول إلى مسوخ، وبشراً يتحولون إلى أشجار، ورسمت أطفال الشوارع عراة يواجهون قهر المجتمع بألعاب بهلوانية، وفي الثمانينيات رسمت صخور سيناء تتعملق وتتأنسن فتصبح رجالاً تقاوم، وفي التسعينيات رسمت أمواج البحر تُلاطم صخور الشاطئ مُنبئة بمخاض ثوري قادم، ومنذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة ظللت أرسم بيوت الواحات متمردة على الفناء ومستعيرة أنفاس أصحابها الراحلين، فأصبحت معادلاً لما تعرضت له مصر من خراب».
بهذه العبارات يقدم الفنان عز الدين نجيب ( 30 نيسان/أبريل 1940) معرضه الاستعادي بمناسبة بلوغة الـ 75 من العمر، والذي جاء بعنوان (أشجان.. ووعود) والمُقام حالياً على قاعات أتيليه القاهرة الأربعة ــ من 3 حتى 16 ايار/مايو ــ ليقدم الفنان رحلته الإبداعية منذ الستينيات وحتى عامنا الحالي. رحلة طويلة تعدّت النصف قرن، توضح مراحل عز الدين نجيب الفنية، عاكسة تطورات المجتمع المصري، الذي لم ينفصل عنه، حتى في أشد اللحظات قسوة. وتبدو عباراته البليغة التي كتبها بنفسه أفضل تعبيراً عن مشواره الفني.
الإنسان والبيئة
لم تنفصل لوحات عز الدين نجيب عن المصري وحياته ولحظاته الفارقة من انتصارات وهزائم، وهذا ما جعل اللوحات على مدار هذه السنوات تتحاور أفكارها من خلال التناغم أو التنافر مع هذه البيئة، هناك التشخيص والمخلوقات التي يحوّرها لتصبح كائنات متآلفة مع أصحابها، أو تثير حالة من الرعب، أو المفارقة التي لا تحدث إلا من خلال الفن. فالإنسان الذي يستطيع في وقت تشكيل الحجر والوقوف أمامه بقوة روحه، نراه في لحظة أخرى ينوء بهذه الأحجار، التي تبدو عملاقة لتجسد حالة من القسوة التي يواجه بها الشخص الحياة. الأمر ينصرف أيضاً إلى الألوان.. ما بين ألوان دافئة توحي بالحياة، وأخرى من البرودة لما تمثله من حالات التيه، وسط دروب وجدران صماء أو ظلال تعكس مخلوقات خرافية.
المجموع أولاً
العديد من اللوحات تستمد موضوعها من بيوت الفلاحين في القرى، ليصبح البيت بتفاصيله هو بطل اللوحة، إضافة إلى الأزقة الضيقة، والأبواب الواطئة، وانعكاس الشمس على الجدران، ووجوه ساكنيها، رجل يجلس بجوار الباب الموارب، أو امرأة تقف فوق سطح بيت. وإن كانت بعض اللوحات تتميز بلقطات واقعية للريف وأهله ــ خاصة مرحلة الستينيات ــ نجد أن الميل إلى الحِس السريالي الشعبي يصبح هو المسيطر في مرحلة لاحقة، لتبدو الغرائبية والعوالم غير المتآلفة بالمرّة.. كالخيول والحواجز والإنسان شبه العاري، القابض على الهواء. فالتجربة الفنية لم تعتمد الفرد، بل دائماً تحيل إلى المجموع، أحلامهم وآمالهم في مواجهة الواقع. هنالك حالة أخرى من الترميز، توحي بالتشخيص رغم أن أبطالها عبارة عن هُدهُد يتخذ موقف الزعيم أو القائد، بينما المستمعون ما هم إلا مجموعة من الغربان! أو رجال يرتدون أقنعة، بينما تتصدر اللوحة امرأة ترتدي الأبيض وملامحها يبدو عليها الضيق الشديد، لا تواجههم، بل تواجه المُتلقي، حتى يصبح متورطاً ومُشاركاً في الحالة، فاللون الأبيض وحجمها في اللوحة ووضعها في المقدمة، توحي بضرورة تبني موقفها، بخلاف زائفي الوجوه، الذين يبدون كالأقزام في الخلفية، حيث يطلق نجيب على اللوحة اسم.. المحاكمة.
ونختتم بكلمات عز الدين نجيب، الذي يصف من خلالها تجربته قائلاً.. «قد لا يكون معرضي هذا نهاية رحلة الإبداع… فليكن علامة طريق لما قبل النهاية، وها أنا أقدم كشف حسابي.. بقوتي وضعفي، قائلاً: هاكُم كتابيَه».
الفنان عز الدين نجيب… تشكيلي وقاص وناقد فني، تخرّج في كلية الفنون الجميلة عام 1962، اهتم بعالم القرية والريف المصري، إضافة إلى البيئات المصرية المختلفة، كالصحراء والواحات. أقام ما يزيد عن 26 معرضاً فردياً في العديد من المدن المصرية، ومعرضين فرديين في المملكة المتحدة، وعدة معارض فردية وجماعية في كل من روسيا والعديد من العواصم الأوروبية. كما حصل على الكثير من الجوائز منها.. الجائزة الأولى في التصوير الزيتي، الجائزة الأولى لديكور المسرح في الثقافة الجماهيرية، الجائزة الأولى في النقد الفني من المجلس الأعلى للثقافة، ثم جائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 2014. وبجانب الفن هناك المؤلفات الأدبية والنقدية، منها «الصامتون، تجارب في الثقافة والديمقراطية في الريف المصري، فنانون وشهداء، الإبداع والثوة، أنشودة الحجر، وكتاب الكلمة/الريشة/الموقف».
محمد عبد الرحيم