معرض الدار البيضاء للنشر والكتاب: ماذا بعد المقاطعة؟

حجم الخط
0

ياسين عدنانحينما دعا اتحاد كتاب المغرب وبيت الشعر والائتلاف المغربي للثقافة والفنون إلى مقاطعة فعاليات الدورة 17 للمعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء وجدتُ هذا القرار ‘سهلاً’ بعض الشيء. كنتُ أتمنّى لو أبدع المقاطعون أشكالاً أكثر جسارةً تحقّق للكتّاب نوعاً من الحضور الذكي المُمانِع داخل المعرض، وتضمن لهم حقهم الطبيعي في حضور معرضٍ هو معرضُهم أساساً وإحدى الفرص النّادرة للقاء قرّائهم والتواصل المباشر معهم وليس ضيعةً خاصةً بوزير الثقافة. كنت أتمنّى مبادراتٍ مبتكرةً تساهم في خلق دينامية موازية تُحرج وزارة الثقافة وتزايد على انغلاقها وارتباك سياستها بالحضور لا بالغياب. لكن مع ذلك، ولأن الظرف كان يفرض على المرء التموقع ‘مع’ أو ‘ضدّ’ فقد انضبطتُ شخصياً لقرار المقاطعة. فموقفي من هذا الإجهاز المُمنهج على مكاسب الحركة الثقافية الوطنية واضحٌ لا لبس فيه. هكذا اعتذرتُ عن اللقاء المغربي الهولندي الذي دعيتُ إليه في ثاني أيام المعرض رغم أن وزارة الثقافة لم تكن لها علاقةٌ مباشرةٌ بتنظيمه كما لم يكن مُدرَجاً أصلاً في البرنامج الرسمي للمعرض. لكن عقده في إحدى القاعات الرسمية المحتضنة لبرنامج وزارة الثقافة كان كافياً لوضعه في دائرة الشبهة. لذا اتّفقت مع القاصة لطيفة باقا على مقاطعة اللقاء رغم تشبّث رفيقنا في النّدوة الشاعر عبد اللطيف اللعبي بخيار المشاركة. وتبقى الأمسية الوحيدة التي ساهمتُ فيها عملياً هي أمسية (تقاطعات شعرية) التي عرفت مشاركة كلٍّ من عبد الرفيع جواهري ومحمد عنيبة الحمري وفاتحة مرشد وإدريس الملياني ومحمد بوجبيري وغيرهم إضافة إلى شعراء أجانب من بريطانيا وسلوفينيا وإسبانيا وسويسرا، وهي الأمسية التي هرَّبْناها خارج معرض الكتاب إلى مركّب التكوين في التنشيط الثقافي والفني بشارع العنق. طبعاً مشاركة الكتّاب في حفلات التوقيع التي ينظّمها ناشروهم في أروقتهم الخاصة لم تكن موضوع مقاطعة. ويجب أن نتوفّر على احتياطيٍّ هائلٍ من العَتَه لتختلط علينا الأمور إلى هذا الحدّ. فالكاتب عموماً لا يمكنه أن يقاطع ناشره وقرّاءه، خصوصاً حينما يكون هذا الناشر صغيراً ويحتاج إلى آلية التوقيع للرّفع قليلاً من المبيعات، ويكون القارئ نادراً كالماء القليل كما هو الحال في سياقنا المغربي. هكذا تصير فرص اللقاء المباشر التي تتيحها حفلات التوقيع من المناسبات القليلة التي يخرج فيها هذا القارئ عن ‘بخله’ التاريخي لـ ‘يغامر’ باقتناء كتاب، ومثل هذه الفرص يجب أن يُعَضَّ عليها بالنواجذ. عموماً، لقد صارت الدورة 17 من معرض الكتاب اليوم جزءا من الماضي، فهل نغلق الملفّ ويعود كلٌّ إلى بَياتِه الطويل في انتظار الدورة القادمة.. ليعود الوزير إلى أسلوبه البائس في التدبير، ويعود الكتّاب المغاربة ومؤسساتهم إلى إنتاجٍ متسرّعٍ لردود الأفعال؟ إن مقاطعة المعرض هذه السنة ستفقد كل محتوى ما لم تتلُها مبادرات أخرى أكثر جدّية تعرف كيف تبدع خطواتٍ نضاليةً جادّةً من أجل إعادة الاعتبار للكاتب المغربي وتُفهم وزارة الثقافة أن الكتّاب والمبدعين هم شركاء حقيقيون وأن من فرَّط في شراكتهم وضيّق الخناق على حضورهم وقادهم باستفزازه واستعلائه إلى خيار مقاطعة المعرض لا يستحق شرف تسيير الوزارة الوصية على قطاعهم. لكن قبل التفكير في صياغة مبادراتٍ جديدةٍ علينا أن نقيِّم قرار المقاطعة أولاً. وفي هذا الإطار، فإنني أرى أن عبد اللطيف اللعبي الذي لم يقاطع فعاليات المعرض وشارك عملياً في كل الندوات التي أدرج اسمه فيها كان أكثر فعاليةً منّا جميعاً. فهو على الأقل جهر داخل المعرض ومن خلال ندواته الرسمية بمواقف ظلّ الكثير من المقاطعين يتهامسون بها في المقاهي المجاورة. لهذا بالضبط، وعوضاً عن أن يُلاحِق بعض عتاة منظّري المقاطعة بتهم ‘المشاركة’ و’ عدم الانضباط’ لقرار الهيئات الوطنية، أولى بهم أن يتأمّلوا الصدى المدويّ الذي خلّفته المواقف التي عبّر عنها من داخل دينامية المعرض. فقد نختلف في الطرق التي يريد كلٌّ أن يُصرِّف عبرها احتجاجه، لكنّ العبرة بالنتائج. وعلينا الآن أن ننخرط جميعاً في تقييم هذه الدورة وتقييم موقف كلٍّ منّا حيالها بمسؤولية، في انتظار أن يبدع الكتّاب المغاربة شكلاً جديداً للنضال الثقافي، أكثر جرأةً وفعاليةً، يجعلهم جديرين ليس فقط بتاريخهم، بل وبعنفوان اللحظة الاستثنائية التي نعيشها اليوم أيضاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية