معرض الكتاب المساحة الاصفى في بيروت: عقده الـ57 بدأ مزدهراً وانتهى يكافح الهدوء وألكسا

حجم الخط
0

بيروت ـ من زهرة مرعي: هي المنازلة التي خاضها معرض الكتاب مع ‘إلكسا’، العاصفة التي قطعت الجبال والوهاد وصولاً إلى لبنان، فحبست الناس في منازلهم خوفاً، وانعكست على الجمهور، فتخلف عن الحضور إلى البيال.
في نهاية الاسبوع الأول من زمن معرض الكتاب كان الحضور متواضعاً، والهدوء المريب يسود الأروقة. حضرت نساء أنيقات حاملات لباقات ورد كهدايا لكتاب كثر عقدوا حلقات توقيع. وحتى حلقات التوقيع التي كانت تعج بالأصدقاء والمعجبين سابقاً، لم تتجاوز القلة القليلة من المقبلين على الحدث الثقافي الأبرز في العاصمة اللبنانية. في الأعوام القليلة الماضية كان زوار المعرض يملأون ممراته وأكشاكه الشاسعة، ومع ذلك كانت الشكوى المتعارف عليها ‘كثرة زوار وقلة شراء’. في حين أن المعرض هذا العام بات يفتقد الزوار والشراء معاً.
هو المعرض رقم 57 الذي يسجل في ذاكرة بيروت الثقافية المعروف بمعرض الكتاب العربي والدولي باشر فعالياته في السادس من هذا الشهر، ويستمر حتى التاسع عشر منه، ويشترك فيه أكثر من 220 دارنشر لبنانية، و55 داراً عربية، إضافة لست دول عربية وخمس مؤسسات عالمية. كذلك يشارك اتحاد الناشرين العرب، واتحاد الكتاب العرب. والجديد يتمثل بمشاركة اسبانيا من خلال مركزها الثقافي في بيروت، وهي المرة الأولى منذ زمن طويل تشارك فيه دولة أوروبية في معرض الكتاب. معرض يلمس القائمون على تنظيمه وهم النادي الثقافي العربي، بالتعاون مع اتحاد الناشرين اللبنانيين أن تحدياتهم تتفاقم، وعليهم تبديل المواجهة لتأكيد حضور الكتاب في أمة ‘إقرأ’. الاصدارات الجديدة لا تعد، والدليل التواقيع اليومية خلال ايام المعرض والتي كانت تتعدى الخمسة يومياً. رئيسة اللجنة الثقافية في النادي الثقافي العربي الكاتبة نيرمين الخنسا ومسؤولة البرنامج الثقافي للنادي في معرض الكتاب رأت أن النشاط الثقافي، الأدبي والفني ضمن فعاليات المعرض كان مكثفاً ومميزاً. من ضمنه نشاط فني مميز للسفارة الاسبانية التي دعت عازفين اسبانا إلى بيروت حيث ‘أحيوا سهرة مميزة. وهؤلاء الاسبان الجميلون بفنهم انتصروا هم والحضور الذي كان مقبولا جداً على التحذيرات الرسمية المبالغ بها من العاصفة ألكسا’.
ندوة’أمين معلوف هوية عربية بلغة اجنبية’ كان فاتحة الندوات في المعرض. تلتها تحية للأخوين فليفل، الفنانين اللبنانيين اللذين تخطت شهرتهما حدود لبنان إلى كامل الدول العربية من خلال الأناشيد الوطنية والقومية التي لحناها. وفي طليعة تلك الاناشيد ‘نحن الشباب لنا الغد، وبلاد العرب أوطاني من الشام لتطواني’. وفي هذين النشاطين كان الحضور كثيفاً جداً، فهما سبقا التهويلات من ألكسا. من النشاطات الرائدة للنادي الثقافي العربي ضمن فعاليات المعرض، نشاط مع طلاب المدارس الثانوية بالتعاون مع اللجنة الوطنية لليونسكو، والهدف بحسب الخنسا: تحفيز طلاب المدارس على كتابة الشعر كي لا ينقرض هذا النوع من الأدب. هي مباراة بالشعر لها نتائجها التي تعلن على الملأ. ولأن هناك تراجعا في نسبة نشر الشعر لصالح الرواية نقوم بنشاطنا هذا، والذي نهدف لأن يكون دورياً كي لا يقصى الشعر رويداً رويداً إلى مكان مظلم.
هل هي أزمة نشر للشعر؟ أم هي أزمة الشعر بحد ذاته الذي لم يعد يجذب القارئ ربما لموضوع أو جاذبية يفتقدها؟ ‘بحسب الخنسا هو مزاج الناس.’ في أزمة الشعر نفتقد نزار قباني، محمود درويش، ومظفر النواب علّهم يجذبون الناس إلى شعرهم. والخنسا ترى: ‘لكل عصر شعراؤه الذين يخاطبون الاجيال بلغتهم. هناك كم كبير من كتب الشعر المطبوعة، انما الشراء في تراجع هائل. والسبب ليس في عدم وجود شعراء لامعين كما محمود درويش، إنما باعتقادي الجيل الجديد ينتمي للتكنولوجيا، ونبضه أسرع مما نتصور. تغير المزاج حتى في الموسيقى’.
نظم النادي الثقافي العربي ضمن فعاليات المعرض 11 نشاطاً ثقافياً، فيما تخطت نشاطات دور النشر الـ60، أكثرها يقع في باب الندوات. وفي انعكاسات الاحداث العربية العاصفة في أكثر من دولة على المعرض تمثل بحضور خجول جداً لكل من ليبيا وسوريا, كذلك كان حضور دول الخليج العربي خجولاً.
مركز المعارض في بيروت والمعروف بـ’البيال’ بعيد عن حركة النقل المتيسرة في بيروت، ولهذا وضع النادي الثقافي العربي باصات صغيرة تنقل المقبلين على المعرض من الطريق العام إلى الداخل، وبالعكس. فمعرض الكتاب العربي والدولي محكوم بهذا المكان الفسيح الذي لا مثيل له في بيروت.
كيف يقاوم معرض الكتاب التراجع المتواصل في عدد الحضور وعدد المشترين؟ تقول الخنسا: نحاول بداية أن نرفد المعرض بنشاطات شبابية موسيقية بشكل عام. منها عزف على العود. حفل للمعهد الموسيقي الوطني. نشاط في الفن التشكيلي. من خلال النشاطات نسعى لاستقطاب فئة الشباب. أزمة المعرض هذا العام تتمثل بالوضع السياسي والأمن المتردي، وألكسا. أطلقوا نفير الخوف من عواصف لم تأت. وإلى المعرض لم تصل العاصفة ولا الزوار.
هناك ما يباعد بين معرض الكتاب كطقس ثقافي، وبين معرض الكتاب كحالة تفاعلية تجذب الجمهور إليها ليختار الكتاب صديقاً. فكيف اللقاء بين هذه الاتجاهين اللذين يجب أن يتكاملا؟ نحاول الجمع بينهما تقول نيرمين الخنسا. والعبء الاقتصادي يلقي بكاهله على الناس. كذلك ارباكات السياسة والأمن ‘دفشت’ الثقافة إلى آخر سلم الاهتمامات. وتقول الخنسا بإصرار: أكيد نحن نتطلع للأعوام المقبلة، ولن نرض بأن لا يكون معرض الكتاب حالة تفاعلية مع الناس. لن نرضى بتراجع حضور معرض الكتاب ولا بتراجع الكتاب كمورد ثقافي ورقي. لن نسمح للظروف بالانتصار على عميد معارض الكتب في الدول العربية. فنحن بمجرد اقفال معرضنا الحالي، تكون لنا استراحة لأيام، وفي مطلع العام الجديد نبدأ التحضير لمعرض الكتاب الـ58. وبدءاً من شهر أيار نبدأ بوضع خارطة الندوات والمحاضرات التي ستتخلل المعرض. الوعد للمعرض 58 أن فرقاً كبيراً سيظهر عن ما سبقه من معارض.
‘لا ثورة بلا كتاب’ عنوان ارتفع على مدخل دار رياض الريس. وفي الداخل تداخلت الكتب مع ثمرات اليقطين المعروف ببثه للطاقة الإيجابية التي تضاف إلى فوائده الصحية. مدير النشر والتوزيع في دار رياض الريس ناصر فليطي قرأ تراجعاً في حال الكتاب بشكل عام تزامن في المعرض الـ57 مع الحال السياسية، وأخبار الطقس المضخمة من قبل القائمين على شؤون الناس وهم فاشلون دون شك. هرب المسؤولون من واجباتهم بتعطيل الحياة وتخويف الناس من ويلات ألكسا، مع اننا في فصل الشتاء والثلج دائماً يسبق عيد الميلاد.
اذاً معرض الكتاب هذا العام ضحية ألكسا وسوء استعمال السلطة، كما استعمل الاعلام سلاحه بشكل أخاف الناس، وبعيداً عن المهنية، بحسب فليطي. في نتاج العام 2013 لدار رياض الريس 45 كتاباً بين جديد وإعادة إصدار، واكتفت الدار بستة تواقيع فقط. يقول فليطي: التوقيع يتم بالتشاور بيننا وبين الكتاب. منهم بالأصل لا يحتفلون بإصداراتهم. ومنهم من قرأ في الواقع العام ولم يجد التوقيع مناسباً. ومنهم قلة رغبت بهذه الاحتفالية فصارت ستة تواقيع.
الغلبة في الاصدارات الجديدة لدار رياض الريس كانت سياسية. وفي اعادة الطباعة تم التوجه نحو الكتب العربية والعالمية التي صارت جزءاً من ضمير الناس وتراثهم، كما محمود درويش. يقول فليطي: نعيد طباعة الشعر، الادب، الرواية، وكذلك بعض الكتب الفكرية. وبعض العناوين في الكتب السياسية كما ‘اسرار الصندوق الأسود’. الاقبال على كتب محمود درويش ملفت فهو بحسب فليطي ‘استثناء في الموضوع الشعري. هو أبعد من شاعر. نوع شعره، والنثر الذي كتبه، والاقبال عليه ليس اقبالاً على الشعر بشكل عام. لمحمود درويش رمزيته. هو كما نزار قباني الطلب عليه مستدام’.
أن يتراجع الاقبال فهذا لا يعني تراجعاً عن المشاركة من قبل دور النشر. ‘الموضوع لا يخضع للحسابات الربحية البحته. في هذا المشروع كثير من المغامرة، والقليل من الحسابات الواقعية. أن نخضع الكتاب لربحية السوق عندها يفضل أحدنا التوظيف في العقار. للأسف أمة إقرأ لا تقرأ’ يقول فليطي. ويرى الاعلام منشغلاً بالاصطفافات وتلفزيون الواقع، وهو لا يحاول لعب دور تحريضي في الاوساط الاجتماعية للعودة إلى القراءة والثقافة، وتالياً الخروج من موضوع الاستهلاك.
في يوم في عز حركة ألكسا صدف توقيع الشاعرة سهام الشعشاع لكتابها الثاني الذي صدر في طبعته الثانية عن ‘هاشت انطوان’ مع سي .دي الصوت (قراءة لشعرها بصوتها برفقة الموسيقى). تقول سهام شعشاع: في التوقيع الأول في العام الماضي لكتاب ‘إني اختزلتك آدماً’ لم نتمكن من ارفاق السي .دي مع الكتاب لمشاكل لم تحلها شركة روتانا بخصوص حقوق الموسيقى. هذا العام تسلمت السي . دي وأرفقته مع الكتاب بطبعته الثانية.
هل التوقيع لتسويق الشعر كونه غير مطلوب؟ خلاف ذلك ما تراه الشعشاع. ‘التوقيع طقس للكتب. الحمد لله هي الطبعة الثانية لكتابي الثاني. وكتابي الاول كانت له خمس طبعات. والتوقيع يترافق مع كافة امسياتي الشعرية لأن الكتاب مطلوب. ليس لدي خوف من تسويق شعري، والتوقيع هو لقاء مع الاصدقاء والأحباب، ومن أشعر أن حضورهم يمنحني القوة، ومن رغب بأن يصلهم نصي مع الصوت الذي هو شريك حالياً مع اللغة’.
تتحفظ دور النشر على كتب الشعر. في ذلك لسهام الشعشاع رأي: نشعر وكأن الشعر فقد مكانته في وقت كان الشعر هو لسان حال قومه، ووزير اعلامهم بشكل أو بآخر. تراجع الناس عن قراءة الشعر وعن متابعته. للأسف بالنهاية لا يصح إلا الصحيح، الشعر سيستعيد مكانته وهو أقدم فنوننا. نحن أمة شعرية بامتياز، وأقدم ما قام به العرب هو الشعر. آمل أن يستعيد الجمهور علاقته بالشعر. وأن يستعيد الشعر حضوره السابق. هذا تمن مع أن الواضح أننا حالياً في زمن الرواية، والإقبال على الرواية واضح. مع العلم أن الرواية تتكئ على الشعر. إن لم يكن في الرواية لغة شاعرية تخفق في النجاح. الشعر بطل كافة الفنون إنما مكانته تراجعت كثيراً، لكن يتم تقاسمه في فنون أخرى بكل تأكيد.
أن تتراجع فعالية معرض الكتاب فهل هي حالة واقعية؟ نسأل الشعشاع: معرض الكتاب منذ سنوات هو الخاسر الاكبر. ما جمهور دون إقبال على الكتاب، وإما لا جمهور كما هذا العام. محقة دور النشر في احجامها أحياناً عن النشر والطباعة. فمعرض الكتاب مقتصر ربما على الرحلات المدرسية علّ الاجيال المقبلة تتصادق مع الكتاب. لكن الملاحظ في أروقة المعرض أن الشراء محدود للغاية. وهذا محزن. في الوطن العربي عامة النجاح معقود لكل ما له علاقة بالفن والرقص والترفيه. نحن مجتمع لم يعتد القراءة.
يفرد معرض الكتاب مساحة ملفتة لدور النشر التي تنتج كتب الأطفال وهي موجودة في أكثر من مكان. وبعض من يتعاطون كتاب الطفل أضافوا إلى مساحاتهم ألعاباً، ربما بهدف الجذب. إنما بالتأكيد هذا ليس لصالح الطفل ولا كتابه. كتاب الطفل يفترض أن يكون جذاباً دون داعم. في دار قنبز كان حضور لبالغين دون أطفال. كانوا منشغلين بالغناء والتصفيق الحماسي. والسبب بحسب نادين توما التحضير لاستقبال مجموعة من الاطفال في اليوم التالي. في اهتمامات دار قنبز تشرح توما: نحن في اجتهاد لجمع تراثنا الشفهي في كل من لبنان، سوريا، الأردن وفلسطين (بلاد الشام). هذا التراث الشفهي يسمى ‘العديات’، قامت بجمعها نجلا جريصاتي خوري. على التوالي نصدر هذه ‘العديات’ في كتب بما يسمح بغنائها للأطفال، وتترافق مع سي. ديز كذلك. مع قدومك كنا نتدرب على أداء نص ‘في عنا بقرة’ صدرت في كتاب ‘طير يا طير’، رسومات هبة فرّان، موسيقى سيفين عريس، وتجميع ‘العديات’ لنجلا جريصاتي خوري، والناشر هو دار قنبز.
في تسويق كتاب الطفل تجد توما التحدي الاكبر هو مع الأهل. الملل في حياة الطفل مصدره الأهل، ينتقل منهم إلى أطفالهم. لو اعتمد الوالدين الكتاب صديقاً في حياتهما، لصار من صلب حياة العائلة. أن يكون كتاب صديقاً ليس مهمة المدرسة، هو دور الأهل في خلق الكتاب كأداة لتشغيل المخيلة، للحب، للتسلية وللفرح. لو غنى الاهل مع أطفالهم
‘في عنا يويو’ سيغنون ولن ‘يحردوا’. رهاننا في دار قنبز هو على الاهل وليس على المدرسة. أن ننجح في رهان الأهل يمكننا خرق حالة الملل بالتدريج. أن يدخل الكتاب إلى حياة الطفل منذ ولادته وبطريقة ذكية، وأن يكون لدى الأم اعتزاز باللغة العربية وحب لها، فلن تكون لدينا أزمة اللغة العربية التي يتحدث عنها كثيرون.
ليس في هواجس الناشرة نادين توما تحدي الدفق الالكتروني الذي يغري الطفل. انشغالها الأول عدم الاستخفاف بعقل الطفل. أن يستمتع أولاً بصرياً بالكتاب، وتالياً بالمضمون، ثم سماعياً إن ترافق مع سي . دي. لتبقى التكنولوجيا كما هي، وليبقى الكتاب كتاباً، وبخاصة كتاب الطفل، وفي حساباتي أنه لن يموت. في هذا المعرض مررنا في بداياته بأيام نشطة جداً وجميلة، ومن ثم جاءت أيام ‘ألكسية عاصفية’ لم تغادر الناس منازلها وبخاصة الاطفال.
بين ألكسا والواقع السياسي المتردي وقع معرض الكتاب 57 ضحية، وافتقدت تواقيعه للمريدين، وخلت أكثر ندواته من الرواد، فألغي بعضها، وعقد بعضها الآخر بمن حضر ولم يتجاوزوا أصابع اليدين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية