معرض الكتاب في تونس: انحدار بعد انقطاع

حجم الخط
0

تونس ـ من خلود العدولي: منذ دورته الثامنة والعشرين سنة 2010 إختفى معرض الكتاب عن المشهد الثقافي لسنة 2011 وانتظرنا هذه السنة أن يكون هذا الاختفاء سببا في تطور مستوى هذا المعرض وفي تقديمه لصورة جديدة عن المشهد الثقافي التونسي الذي ألفناه راكدا وغير قادر على التجديد والعطاء بسبب بقاء الثقافة دائما وأبدا أداة لتسديد الركلات والأهداف السياسية. بدايتي مع هذه الدورة كانت على شاشة التلفاز أثناء عرض نشرة الأخبار، التي لم يغب فيها ‘راعي الثقافة والساهر على التطور الفكري للشعب’ رئيس الحكومة حمادي الجبالي. كان من خلال الصور يتجول بابتسامته المعروفة بين أروقة المعرض بينما تلاحقه فلاشات الكاميرا وهو بصدد الانتباه لمشيته فوق البساط الأحمر. لك أن تتساءل ما الذي كان سيجري لو افتتح هذا المعرض إرنستو ساباتو أو مو يان الصيني الحاصد لجائزة الأداب هذه السنة. ماذا لو افتتحه كاتب تونسي.. ماذا لو؟ ستكون النتيجة أن جميع الحاضرين لن يعرفوه وسيسير نعم رفقة الكاميرا لكنه لن يحظى بالتفاف جماهيري عتيد كالذي حظي به رئيس الحكومة أثناء سيره على البساط الأحمر. كنت قد تهيأت لدورة إستثنائية منذ هذا المشهد على التلفاز وكل ما رأيته في المعرض لم يكن إلا صدى للمشهد الأول. في بداية الدخول يعترضك شباك التذاكر: تذكر إنه معرض الكتاب ولكي تدخل عليك أن تدفع. هناك قد يبهرك دعم الحكومة الكبير للمعرض من خلال افتتاحه ويصدمك أيضا دعمها المادي الكبير لتتمكن أنت من الدخول إليه. دعم يجعلك أحيانا تضطر لتخبئة طفل من أطفالك الخمسة. بعد شباك التذاكر ومرورا إلى المدخل يمكن لمشهد وحيد أن يلخص لك محتوى هذه الدورة: رجل بلحية وقميص أمامه خليط متنوع من قنينات العطر الشرعي والأدوية الشرعية. معرض يقدم لك منذ خطواتك الأولى طرقا لحل تساقط الشعر، لتجنب مرض الشقيقة، لحل عقدة الزواج، لمحو العين التي يمكن أن تصيبك. جميل أن يقدم هذا المنتوج في باب الدخول بينما لم تكد تستوعب بعد:ما الجديد في هذه الدورة. جميل أن نرمي المخابر الطبية جانبا ونعود لماض من الشعوذة التي لم تجد لها مكانا سوى واجهة معرض يبدو أنه يهتم بالكتاب والثقافة. تدخل إلى الأروقة فتجدها مكتظة بالعائلات والطلبة خاصة الذين يبدو على وجوههم الشوق لإيجاد مادة قيمة تفيدهم في دراستهم وتكوينهم الشخصي. خلال جولتي لم أر سوى دور النشر التونسية والعربية رغم أنني لم اترك مكانا في المعرض إلا وتفحصته جيدا، تيقنت حينها أنه معرض عربي وليس دوليا أو ربما هو بالأحرى معرض خليجي بسبب المساحة الشاسعة للمملكة العربية السعودية ولدولة الكويت وغيرهما. بحكم اختصاصي في اللغة الانكليزية وآدابها كنت أبحث عن دور النشر الإنكليزية، عن رواق بريطانيا أو الولايات المتحدة أو كندا بما أنه معرض دولي لكنني لم أجد أثرا لأي دولة غير عربية. وجدت أروقة مصر، لبنان، دول الخليج، تونس بالطبع لكن الدول الأجنبية غائبة تماما عن المعرض. اقتصرت دور نشر لبنان على الروايات العربية الحائزة على الجوائز وهنا أنقل ما قاله لي ممثل هذه الدار حرفيا: ‘هذه الرواية حازت على جائزة، هذه أيضا، أما هذه فهي قنبلة الموسم والأكثر مبيعا في الدول العربية لكنها جريئة جدا’ سكت قليلا، تململ وجعلني أكتشف وحدي معاني الجرأة خلف الكتاب قرأت ‘عسل، شهوة، أرتعش من النشوة، إنتحار الموت فوق عسل الشفتين وتدور الفخذين’ تركت الكتاب بسرعة مجيبة إياه بإبتسامة صفراء وهربت. فعلا إنها رواياتنا العربية الرائعة لن تحقق المبيعات العالية والجوائز الكرتونية إلا من خلال إساءة شنيعة للجسد والغرائز البشرية. لم تختلف هذه الكتب بالذات عن كتب ‘الفتاوى السبع’ و’الجنة والنار’ و’اللباس الشرعي في الإسلام’ لم تختلف تماما كلاهما عهر ثقافي لا جدال فيه. من أروقة لبنان إلى أروقة مصر التي عجت بمثل هذه العناوين المخيفة ‘عذاب القبر’ ‘منكر ونكير’ ‘تارك الصلاة’ ‘النجاة من العقاب’.. والتي لن تجد حولها إلا عباءات سوداء ومنقبات ولحى طويلة يفزعك طولها وكثافتها. لقد عكست مصر ما تعيشه من تصحر ثقافي وعمق في تكريس الجهل والظلمات. و بذلك كان معرض الكتاب فرصة لعرض فديوهات الشعراوي، بيع كتب الغفران وكتب التشجيع على الانغلاق والتزمت وتأسيس الخلافة الرشيدة. كنت أهرب من رواق لأخر ليستقبلني شيء مخيف ما. كما تأسفت لقلة وجود الترجمات عدا سلسلة نوبل التي ترجمت بعض الأعمال لقلة من أدباء نوبل، هناك ركود مشين لحركة الترجمة ما زلنا نحمل ندوبه المخيفة إلى اليوم. ما أبهجني كذلك هو بيع بعض الكتب المستعملة والتي كلفت كاتبا تونسيا يعيش في كندا ستة ملايين لشحنها لكنه قال لي واثقا: لا يهم أنا أبيع الكتب والموسوعات الانكليزية وكتب الحضارة بأسعار منخفضة لأنني أكتب وأعرف ما يعانيه محبو الكتاب ولأنه لدي مشروع ثقافي في تونس لأن سبب تخلفنا إلى الآن هو تشبثنا بالمراجع الفرنسية فقط وعدم انفتاحنا التام على الإنكليزية ذلك أن الإنكليز يكتبون الكتب أثناء التطبيق لا أثناء التنظير. وجدت من هم مثلي يحاولون رغم كل خيبات الأمل أن يزرعوا الأمل في المشهد الثقافي التونسي ووجدت من يعجبهم اللون الأسود كرمز لهذا الوطن. أن تحتكر السياسة الثقافة فهو عبارة عن مسلسل طويل سيىء الإعادة، أن يصبح الكتاب مجرد تجارة ناجحة من أمثال كتب الثورة المتناثرة هنا وهناك ‘برج الرومي’ ‘ثلاثون سنة من الإستبداد’ وما إلى ذلك فهذا لن يدل إلا على انحدارنا حتى عن المستوى المحتشم الذي كنا فيه. أتذكر أنني كنت أعشق أن أزور الأروقة الأجنبية وأجرب التحدث مع ممثليها عن الكتب، الأن وجدت نفسي أمام احتمالات متقابلة: أن أشاهد الشعراوي وأعود محملة بـ’عذاب القبر’ أم أن أذهب إلى الروايات العربية وأعود محملة بالعسل والفخذين والإرتعاشات الكاذبة والموهومة. إنتظرنا دورة إستثنائية انطلاقا من عدم تنظيم المعرض العام الفارط فتوجت إنتظاراتنا بدورة إستثنائية فعلا من كتب السواد والترهيب وكتب الرعشات والاهتزازات البشعة. إنحدار جديد نتوج به في هذه الدورة ولكنه لن يمنعنا عن الإيمان بتلك الأصوات الصغيرة الواعدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية