التراكمات الرمزية في معرض «حديث الجسد» للتونسية غادة بن عامر

تجربة تشكيلية مائزة في المعرض الفردي «حديث الجسد» للفنانة التشكيلية غادة بن عامر في المعهد العالي للفنون والحرف في قابس، افتتحت فعاليات معرض ينطق بلغة جسدية تعبيرية ذات أبعاد جمالية، ووظائف بنائية ودلالية مغايرة للمعتاد، فقد اشتغلت المبدعة على المنحى التعبيري في مساحات متوسطة وكبيرة، وبكتل وركامات لونية خفيفة ومركزة، مع العناية الفائقة بقيم السطح، وانتقاء الألوان بدقة، وهذا مسلك تأثيري، يحظى بنوع من السيولة الفنية والجمالية، التي تجعل أعمالها لا تنتهي عند حد معين، بل تتعدى حدود الواقع والخيال بالمعايير الفنية الدقيقة، فهي تتجه نحو أجساد دقيقة الصنع اللوني والشكلي.
وبذلك تتبدى في هذا المعرض اجتهادات وابتكارات تمتح مقوماتها من الرؤى الفنية والتصورات الجمالية والنظرة الواقعية التي تقارب بها النسيج الإبداعي في مجمله، ليظهر المعرض المتكامل عامرا بالإيحاءات، والعلامات الرمزية الدالة على سيميولوجية ثقافية وفنية، تستمد كينونتها من الواقع بانزياح عن المعتاد، إذ أن صناعة شخوصات تعبيرية وصياغتها في أشكال وألوان، لإنتاج مادة تعبيرية يمر عبر اقتناص عدد من الأشكال الرمزية والعلاماتية، التي تشكل روابط توليفية في الفضاء، لدحض النماذج الفراغية وتحريك الفضاء بحديث الجسد ولغته الفنية الجديدة، ونسج تشكيل مخالف للمألوف بما تحمله التقنيات العالية للمبدعة من تغيرات، تجعل من التدقيق اللوني الموافق للشكل، بناء فنيا منظما في تواشج عميقة الدلالات، عن طريق التعبير بالمفردات الجسدية التي تعتبر المادة المركزية في هذا المعرض. فاستخداماتها الرمزية وتثبيتها لعناصر الجسد ومتعلقاته بانسجام تام مع خاصية التعدد العلاماتي والرمزي، ينتج مجالا إيحائيا قادرا على تغيير المنحى التعبيري والانزياح به نحو تعددية القراءة.

وبذلك، فالمعرض تتبلور فيه العملية الإبداعية وفق خاصيات جديدة وأسلوب معاصر في التعبير، وتتجسد فيه الأشكال الجسدية المختلفة بموتيفات شكلية دالة على مضامين معينة. ويتحقق فيه التجاور والتنوع، ويفصح عن تراكمات رمزية، وأشكال ودلالات عميقة، تؤثت لفلسفة قيمية تستجيب لصراخ الجسد، حتى يتفاعل مع القارئ والثقافة التشكيلية التفاعلية، بل إنه تفاعل صريح مع التشخيص الجسدي في حضرة اللون والرمز والعلامة بنوع من المرونة التشكيلية، ما يحيل إلى معارف متنوعة، تروم التعبير العميق بالجسد المتحرك الحمال لرسائل مليئة بالدلالات، ما يؤشر إلى الصيغ الجديدة لتحديث الأسلوب وتوجيه الطريقة التعبيرية بكثير من المهارة والتقنيات العالية نحو عوالم تشكيلية أكثر حداثة، وهو مما تتوفر عليه الفنانة غادة بن عامر، وتسمح به تجربتها في الحركة التشكيلية المعاصرة، بل يجعل من هذا المعرض المتفرد إنتاجا تشكيليا جديدا في صفوة التشكيل المعاصر.

كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية