تم إفتتاح معرض للفنان السوداني، المقيم في فرنسا، حسن محمد موسى، في قاعة الفن الافريقي الواقعة في قلب لندن، منذ الأسبوع الثالث في أيلول/سبتمبر. وحسن محمد موسى، الذي شارك في معارض فردية وجماعيّة في فرنسا وبريطانيا والسودان والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، يفضل أن يُوصف بـ”صانع الصور” أكثر مما يوصف بلقب “فنان”.
ويقول البيان الصحافي لقاعة الفن الافريقي في لندن، حول معرض “مؤامرة الدجاج: أعمال رسم وخط”، أن القاعة ستستمر في عرض الأعمال حتى الرابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. ويضم المعرض في صالته في الطابق الأرضي أعمال الرسم، كما يضم في قاعة أخرى أعمال الخط.
ويقول البيان الصحافي للقاعة، الذي يوزع عند مدخل القاعة، إن “أعمال الرسم على القماش وأعمال الخط، بموضوعاتها السياسية والثقافية المعروضة، تُعبّر عن صلة عميقة للفنان (صانع الصور) حسن موسى بالفن الأوروبي (درجة الدكتوراه من جامعة دي مونبلييه)”.
وبالطبع، فإن أعمال المعرض تُظهر خليطاً متنوعاّ لكولاج غنيّ بالألوان لشخصيات توراتية ولأيقونات دينية من عصر النهضة الأوروبي، ومن أعمال انطباعية وواقعية تنتمي للقرن التاسع عشر، ولبعض الفنون المعاصرة.
وينبّه بيان القاعة إلى أن الأعمال تجعل المشاهد ينخرط في التعرّف على الهوية الثقافية الهجين للفنان حسن موسى ولمنظوره الخاص حول صناعة الصورة الأوروبية. وبالنسبة لحسن موسى فإن الممارسة الأوروبيّة تشمل عمليّة الإلتقاط الدؤوب، أو ما يسميه “التقمش”، لأعمال الألوان المائيّة الصينيّة وأعمال خط تنتمي إلى شمال شرق افريقيا والشرق الأوسط.
ويوضّح بيان المعرض إن اسم المعرض “مؤامرة الدجاج”، وهو أيضا اسم إحدى لوحات المعرض، “يمثل صراع الفنانين من جيل الفنان حسن موسى خلال ادراكهم لعمليّة إدماج التنوّع الكبير الذي تذخر به الثقافات الافريقيّة، وتحويله إلى نوع فن افريقي جديد يخضع لاتجاهات السوق. وفي مؤامرة الدجاج (2018) “يتم تصوير الفنانين غير المحظوظين اقتصاديّاً وإخوتهم في الفن كدجاج” منخرط في نشاط الإلتقاط (التقمش) بينما “تتحكم فيه معايير السوق العالميّة والسعي للحصول على الدولار العظيم”.
وينسب الفنان نظريته عن مؤامرة الدجاج إلى جدته، وذلك في بيان أصدره ليصاحب المعرض عن تلك النظرية:
“نظرية جدتي عن مؤامرة الدجاج بسيطة تتلخص في انّه: عندما لا يثق أحد في أحد، يتآمر الجميع على الجميع؛ يضيع الناس في عالم ليبرالي حيث لا يعود بامكانهم السيطرة على حياتهم. فلا يستطيعون الثقة فيما يأكلون ولا يستطيعون الثقة فيما يرون، ولا يستطيعون الثقة فيما يسمعون، ولا يستطيعون الثقة فيما يقرأون”.
ويضع الفنان في بيانه لتلك النظرية أساساً منطقياً يقول فيه أن:
“عقلانية السوق العالمية دفعت المجتمعات المعاصرة إلى وضع يُعتبر فيه قلة من الناس (أولئك الذين يصنعون ما نأكله، ما نراه، ما نسمعه، ما نقرأه، …. ألخ) تتحكم في مصير العالم بأسره. وهكذا فإن نظريات المؤامرة ليست مجرد علامة على عدم الثقة المتبادل بين أفراد المجتمع المعاصر، وإنما هي الأقرب لأن تمثّل نوعاً خاصاً من الروابط التي تحفظ للمجتمع المعاصر تماسكه، تحت شعار: (أنا لا أثق بك، أنت لا تثق بي، كلانا متساويان). ويخرج حسن موسى من ذلك بالاستنتاج التالي وهو أنه “ولسوء الحظ فإن عدم الثقة بالنسبة للأشخاص ذوي الأوضاع الأكثر هشاشة يصير مسلكاً غير ملائم في عالم لا يتحكمون فيه ويصير خيارهم الوحيد هو مؤامرة الدجاج”.
قدّم حسن موسى حديثا في اليوم التالي لافتتاح المعرض حضره حشد من المهتمين/ت بالفن والدارسين والدارسات (بعضهم/ن منحدر من دول افريقيّة، ونفر من جمهور معتادي ومتابعي الفعاليّات الفنيّة التي تقام في صالة الفن الافريقي وغيرها من صالات العرض الفنيّة العديدة في لندن.
ونبّه حسن موسى جمهور الندوة أن فن الافارقة المعاصرين ليس هو ما يسميه الناس بالفن الأفريقي المعاصر. وحاول حسن ان يوضّح رؤيته حول إن “تاريخ الفن الافريقي المعاصر قصير للغاية. وقد ولد مع عولمة الثقافة الافريقية من خلال معارض عالمية كبيرة أقيمت مؤخراً مثل (سحرة الأرض – فرنسا 1989) و (افريقيا – الولايات المتحدة الأمريكية 1991)”.
وقال حسن موسى “شهد الفنانون الافارقة من جيلي، القضاء السريع على ثقافة التنوّع الافريقية على يد الفن الافريقي العالمي الذي تم اختراعه حديثاً. وقد أنتج هذا الوضع ديناميكية فن افريقي عالمي يتجاهل السرديات المحلية للفنانين الافارقة الذين كانوا ناشطين في السابق في مجتمعاتهم المحليّة. ومن الجانب الآخر أنتج ذلك الوضع حركة فنية افريقية معاصرة تشكلت من غالبية الفنانين الشباب، الذين وُلدوا خلال الفترة 1960 – 1970. ولهذا فإني اعتقد أن من المهم بالنسبة لي أن أحكي قصتي المحلية والتي يمكن ان تضيء عملي”.
وعن تجربته وتجربة جيله قال: “في السودان، عندما أنهيت دراستي في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، بدأ الناس يطلقون عليّ لقب فنان، ويضمر مصطلح (فنان) نوعا من المسؤولية الأخلاقية تجاه الوضع الاجتماعي للبلاد. وفي سبعينيات القرن العشرين كنّا صغاراً وكنّا فنانين. ولم يكن يمكننا، إلا بصعوبة، تجنب التساؤل عن فائدة الفن للمجتمع السوداني. لم نكن مهتمين بإنتاج فن تعليمي أو فن دعائي يلبي الاحتياجات السياسية العاجلة المتعدّدة لدولة متخلفة تعاني من حرب أهلية ممتدة في جنوب البلاد. كما كنا، في الوقت نفسه، نوجّه انتقاداتنا صوب الجيل السابق لنا من الفنانين الذين شاركوا في مشروع بناء الهوية الوطنية للطبقة الوسطى. لقد كانت فكرتهم (فناني الجيل السابق علينا)، التي تتمركز حول الهوية، مشبوهة سياسياً لأنها افترضت أن عرب السودان ليسوا أفارقة. وكنا ننتج فنأ في بلد ليس به مؤسسة رعاية للفن باستثناء الدولة، تلك الدولة التي تدرّب الفنانين وتوظفهم، مما جعلنا ندرك البعد السياسي لممارسة الفن في السودان. لقد أثر هذا التاريخ على الطريقة التي أرى بها العالم والطريقة التي أنتج بها فني”.
وتطرّق حسن موسى في حديثه ذاك إلى مراجعاته وإلى لحظته الإبداعية الراهنة، من موقعه الحالي، فقال: “كنت على معرفة طيّبة بتاريخ الفن وبتقنيات الفن، ولكن كان لدي انطباع بأن كل شيء قد أنجز منذ أمد بعيد. تعلمت العودة إلى بدايات كل شيء، وفحص البناء الهائل للتقاليد الأوروبية في صنع الصور طوبة فطوبة (خدعة إثر خدعة) بحثاً عن الثغرة التي أستطيع أن أنفذ من خلالها لإدخال فني في فن العالم. إن ما أسميه (التقاليد الأوروبية في صنع الصور) يتضمن الألوان المائية الصينية بالإضافة إلى الخط العربي لأني أراهما بعيني الأوروبية، وهذه (العين الأوروبية) هي غنيمة الحرب التي أنازع بها العدو في حروب حضارة رأس المال المستمرة.
لقد أصبحت أبذل كل طاقتي في التلوين ليس فقط في التقاليد الأوروبية للرسم، وإنما في فن الرسم الصيني بالفرشاة (التحبير) أيضاً، وفي الترقيع اليومي، وفي الفلسفة وفي الأدب وفي الجغرافيا السياسية الساحرة للاستعمار أيضاً.
ويجمل حسن موسى خلاصة فكرته قائلاً: “واليوم، عندما انظر إلى عملي، لا أعتبر نفسي “فناناً” فمصطلح “فنان” قد يشمل ويتضمن ظواهر متعددة: ناشط سياسي، مثل أيويوي، وشامان حديث مثل جوزيف بويسيس، وفنانة وكاميكاز، مثل مارينا ابراموفيتش فهي أيضاً فنان. أرى نفسي كصانع صور، أقوم بصنع صوري طامحاً في أن أجعل الناس ترى ما أراه. لو أستطيع أن أجعلك ترى ما أراه فإني أكون قد حدّدت أولويات نظرك، فربما أحول بينك وبين رؤية ما لا أريد لك أن تراه. ولكن سريعا ما تعترضك مشكلة جديدة: فالصور بطبيعتها متعددة الوجوه ويمكن أن يتغير مضمونها وفقاً لمن ينظر إليها أو وفقاً لمن يعرضها. هذا هو المكان الذي يصبح فيه فعل المشاهدة مادة من مواد النزاع الطبقى”.
وأثناء جولة حول المعرض، رد حسن على أسئلة تتعلق بعمله على بعض لوحات المعرض، مثل صورة/ لوحة “The good paint” وعلى صورة/ لوحة “L’ar du deminge – The art of mine s clearance” فقال أن العمل “يعتمد على إستخدام مباشر لصورة / لوحة للفنان جان فرانسوا مييه التي تحمل اسم (The gleaners) Les Glaneusus ويترجمها بـ “القماشات” وهن الفلاحات الفقيرات ممن كن يطفن على الزرع بعد الحصاد على أمل التقاط الفتات أو يجمعن سقط الحصاد بأطراف الأصابع. ويقول حسن “أول مرة تنبهت فيها لـ”قماشات” جان فرانسوا مييه كان أثناء تصفّحي لتصاوير فنست فان خوخ قبل أن أعرف شيئاً عن جان فرانسوا مييه”.