معرض «حوار» لـ «رأفت توفيق» … لوحات بروح سيريالية عن حال مصر

حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي» ــ محمد عبد الرحيم: يُقام حالياً بقاعة «الكلمة» بـ «ساقية الصاوي» معرض التصوير الزيتي للفنان «رأفت توفيق»، والذي جاء تحت عنوان «حوار»، ويستعرض من خلاله رؤيته للحالة المصرية منذ اندلاع ثورة 25 يناير، وتداعياتها حتى الآن، في شكل يقترب من التوثيق في بعض الأعمال. فتاريخ الأعمال المُمتد من 2011 وحتى وقت قريب يحاول أن يجمع في لقطات الأوقات العصيبة التي مرّت على الشعب المصري خلال هذه الفترة، سواء من خلال الفعل ــ فعل الثورة ــ وتداعياته من المخاوف التي لم تزل تسيطر على الكثيرين، خاصة وأن النتائج لم تكن كما هو متوقع لها، حالة من الخوف والاضطراب والتهديد النفسي، الذي يبدو في كل ملمح من ملامح العمل الفني.

الواقع بروح سيريالية
في مزج بين مفردات واقعية وعالم سيريالي، يُساعد على تجسيد حالة الخوف بل والرعب المُسيطرة على الجو العام، يقوم الفنان بنسج اللوحة، وذلك من خلال عناصر أخرى فوق واقعية في أماكن يعرفها الجميع في مصر ــ أماكن حقيقية ــ نهر النيل/الأهرام/كوبري قصر النيل/بيوت في منطقة شعبية، هنا نجد (الغراب) الذي يتكرر وجوده في معظم اللوحات، وهو رمز يُنبئ بالشر ــ حسب الرؤية التراثية للغراب في مُخيلة الثقافة الشعبية ــ إضافة إلى انتشار الثعابين والذئاب المُتربصة بالجسد المصري، الذي يبدو مصلوباً ومُقيداً، تخرج أحشاؤه التي تتناوبها هذه الوحوش. حالة رعب مُفزع في جميع مفردات اللوحة، إضافة إلى الألوان الصفراء المُسيطرة على أكثر مساحة اللوحات، وهو لون في العُرف المصري مُقبض، بخلاف اللون الأخضر الذي اعتادته العين المصرية في تراثها، وبعض ماضيها القريب. فحالة مزج الواقعي بما فوقه هي الأكثر قدرة على تجسيد (المُفارقة) عبر التضاد والتباين في عناصر اللوحة، وبالتالي الكشف عن واقعية كبيرة، تظهرها هذه الحالة من التنافر البادي بين رموز اللوحة وتكويناتها. فقوى الشر هنا عبارة عن حيوانات ورموز لها ترجمتها في مفهوم الوعي الشعبي، فالأمر يخرج عن إطار التغريب المُباشر، إلى حالة تباين مُتزنة، لإظهار الواقع أكثر، دون مُفارقته أو الهرب منه لعوالم خيالية.

استلهام التاريخ القديم
بجانب احتشاد العناصر فوق الواقعية في اللوحات، والتي تمثل حالة البطل الضد في الصراع الدرامي في اللوحة، نجد الجانب الأخر يتمثل في مفردات الحضارة المصرية التي تواجه كل هذا، هناك الأهرام والتماثيل والمعابد الفرعونية، التي تمثل أصول الحضارة المصرية، بثباتها ورسوخها، وهي رغم حجمها الكبير في اللوحة، مقارنة بأحجام الرموز الوحشية والمفترسة تظل في حالة تهديد دائم، وربما حالة ثبات التماثيل توحي بأمل في تجاوزها هذه الحالة، لكن في صعوبة بالغة. إضافة إلى اجتماع جميع المظاهر الدينية في إحدى اللوحات … المعبد الفرعوني والكنيسة والجامع، وهو معادل لاستمرار الروح المصرية ورسوخها عبر هذه الحالات والأزمنة المختلفة، وكلها الآن تقف معاً في مواجهة الروح الشرير المُتربص بها. وفي لوحة أخرى تمثل بيتاً شعبياً بسيطاً يبدو الطفل الواقف في الشرفة، ويحمل العلم المصري ملوحاً به ــ كحلم ــ وبهبوطه لأسفل، يظهر نصف جسده وهو في حالة من الترقب والخوف، حتى أنه لا يستطيع تخطي عتبة الباب سوى بقدم واحدة، وما يؤكد ذلك أن الأمر على الأرض الآن لم يكن في صالح الثورة، فرقم البيت الذي يحمل رقم الثورة (25) يكاد يسقط عن الجدار ــ تاريخ اللوحة عام 2014 ــ وهي الحالة العامة ما بين الحلم والواقع الذي يعيشه معظم الشعب المصري الآن، ما بين التلويح بعلم مصر من الشرفة والتردد في خوف من الهبوط إلى الشارع. هذه الحالة جسدها الفنان في لحظة فنية كثيفة الدلالة، وهي لحظة مزمنة لم تزل تعيشها مصر حتى الآن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية