القاهرة ــ «القدس العربي» ــ محمد عبد الرحيم: أقيم مؤخراً على هامش «المهرجان القومي للمسرح المصري» في دورته السابعة، المعرض الثاني لـ « مُصممي سينوغرافيا المسرح المصري»، على قاعة «مسرح الهناجر» بدار الأوبرا المصرية.
والمعرض برعاية «المركز المصري لسينوغرافيي وتقنيي المسرح»، حيث تم استعراض العديد من اللوحات للعروض المسرحية المختلفة، والتي قام خلالها المصمم السينوغرافي برسم الحالة الدرامية للعمل المسرحي من خلال التكوين البصري واللوني، ليشمل جميع عناصر العمل المسرحي، كالديكور والضوء والملابس والاكسسوارات، وهو باختصار رسم الكادر المسرحي بالكامل. فكانت تجربة ثرية لإستعادة رؤية هذه اللوحات المتكاملة للعديد من العروض التي نال بعضها النجاح النقدي والجماهيري الكبير. وقد شارك الكثير من الفنانين بأعمالهم في المعرض، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر … محمود سامي/عمرو الأشرف/خالد العيسوي ومصطفى التهامي/نعيمة عجمي/فادي فوكيه/محمد سعد/صلاح حافظ/محمد جابر وأبو بكر الشريف/ أحمد عبد العزيز/نرمين سعيد/صبحي عبد الجواد/عز حلمي/مروة عودة/مها عبد الرحمن/سكينة محمد علي.
السينوغرافيا
السينوغرافيا هي هندسة الفضاء المسرحي من خلال التوافق بين ما هو سمعي وبصري وحركي، وبالتالي جسد/ الممثل وديكور وإكسسوارات وماكياج وأزياء وتشكيل وصوت وإضاءة. فهي تعمل على تحويل النص الدرامي المجرّد إلى معادل بصري مُتكامل. وهو أمر ينتمي أكثر إلى لغة التشكيل، وعلاقتها بالفضاء المكاني/خشبة المسرح أو الكادر السينمائي. فالاهتمام هنا ينصب على درامية الصورة المسرحية، حتى يتم نقل الشحنة العاطفية الكاملة، التي يحملها النص المكتوب إلى المُتلقي. وللسينوغرافيا أدوات تقنية، تتفاوت درجة استخدامها وفق طبيعة العرض المسرحي، إلا أنه لا يوجد عمل لا يخلو من بعض هذه التقنيات، مثل .. الزخرفة، التأثيث، المونتاج، التقطيع، الكولاج، الإيهام، المكساج، اللون، التبئير البصري، والتشكيل الجسدي للعنصر البشري.
الوظيفة والدلالة
للتقنيات السينوغرافية عدة وظائف، فبخلاف الوظيفة الجمالية والتشكيلية التي تحيا في ظِل الفراغ المسرحي، تأتي الوظيفة الأهم، وهي الوظيفة الدلالية التي تتحكم في اختيار هذه التقنيات، فبينما تنقسم السينوغرافيا إلى تقليدية تحاكي الواقع، هناك أخرى تجريبية تستخدم جميع المفردات ذات الدلالة .. كالأيقونات البصرية، والموروثات الشعبية والتاريخية، والرقص بأنواعه، وما شابه. فالإيحاء بالدلالة هنا هو أهم ما يميز الاستخدام الجيد لتقنيات السينوغرافيا، كالرمز وما يوحي به، وهو يشمل البصري والحركي منه. (راجع د. جميل حمداوي/أنواع السينوغرافيا المسرحية)
الأعمال الفنية في المعرض
تنوعت وتباينت الأعمال الفنية المعروضة بين الكلاسيكية والحداثة، وما بين المستوحى الديني والتاريخي، حسب النص المسرحي الذي تمت معالجته من خلال تقنيات الفنان السينوغرافي. فالتقنيات الأسطورية على سبيل المثال نجدها في العرض المسرحي «عشم إبليس»، الذي رسم سينوغرافيته الفنان «عمرو الأشرف»، ويتمثل في استخدام الإضاءة وألوانه التي توحي بهذا العالم فوق الطبيعي، إضافة إلى ضخامة المنحوتات في الخلفية، واللعب بالتشكيل الضوئي عبر التكنولوجيا الحديثة، التي ترسم ملامح لمخلوقات لا تمت للواقع. على العكس تماماً من العرض المسرحي «ابن عروس» للفنان «محمد سعد»، وهو عرض تراثي ي المقام الأول، والمُسمى باسم شاعر ن الواو الأول في جنوب مصر، حيث تبدو مفردات بيئة الجنوب، الأقرب للبيئة الطبيعية في صعيد مصر، فالديكور وتوزيع الإضاءة والملابس والحركة والموسيقى، مُستمدة بالكامل من بيئة الجنوب المصري، وبالتالي فهي عناصر واقعية تماماً، وتأتي في سياق الحالة الدرامية للعرض المسرحي. يشترك في ذلك ــ من حيث الأسلوب الواقعي ــ العرض المسرحي «ليل الجنوب» للفنان «د.محمود سامي». أما عرض «المحاكمة» الذي قام بتصميم سينوغرافيته كل من الفنانين «محمد جابر وأبو بكر الشريف» تميز بتأصيل الجو الأسطوري للسلطة الواهية، رغم تمكنها من الجميع، إلا أن رسمها بالظل والنور في حجم من الضخامة يفوق بكثير حجم الممثلين فوق الخشبة، فيدل بجانب جمالياته الشكلية، عن المعنى الكامن في التشكيل البصري للمكان/الخشبة، وهو الإيحاء بدلالات التكوين العام ككل. بينما في العرض المسرحي «مولانا» للفنان «عمرو الأشرف» فيحاول استلهام الحالة الصوفية من خلال الألوان كالأخضر المسيطر على الخلفية، وملابس وحركة الممثل، والتشبه بحركات الرقص الصوفي، وهنا يتعدى الأمر إلى توظيف أيقونات حركية، معروفة سلفاً للمتلقي، حتى يتم الربط بيم ما يُعرض على خشبة المسرح، وبين مدلول الحركات في وعي المتفرج وتراثه البصري، إضافة إلى أدوات ومصادر الإضاءة المُستمدة من الطراز الإسلامي، وصولاً إلى صورة مستوحاة من التراث الديني بكل مفرداته. كما تم عرض مجموعة من الاسكتشات لتصميم ملابس شخصيات العمل الدرامي، مثل تصميم الفنانة «نعيمة عجمي» لملابس إحدى شخصيات العرض المسرحي «أهلاً يا بكوات» للينين الرملي، والفنانة «نرمين سعيد» عن عرض «اللص» المأخوذ عن مسرحية بالاسم نفسه لتوفيق الحكيم. وهنا يبدو التباين في ملابس ينتمي طرازها للعصر المملوكي، من حيث شكل النقوش والزخارف، إضافة إلى مكوناته .. كالجبة والقفطان والعمامة. وبين ملابس تنتمي لوقتنا الحالي، والتي تتميز بالعصرية الشديدة، والفئة الاجتماعية التي تنتمي إليها الشخصية الدرامية في العمل المسرحي.