معرض «قصاقيص وقماش» … ما بين التنوع والتجريب في الأساليب والخامات

حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي» ــ محمد عبد الرحيم: يُقام حالياً بـ «مركز دوم الثقافي» معرض جماعي تحت عنوان «قصاقيص وقماش» يضم عدة فنانين من مدارس وأجيال مختلفة، وهم إبراهيم البريدي، جورج فخري، ماجدة الخولي، محمد حمدي، محمد رضا، محمود أسعد ونوبي بديع.
ويبدو من الأعمال الكثيرة لكل فنان على حدة أننا أمام مدارس واتجاهات فنية مختلفة، فكل فنان يبدو وكأنه يُقيم معرضاً خاصاً، إلا ان الحالة الفنية الجامعة للأعمال رغم كثرتها واختلافها يضمها كيفية التعامل مع الخامات، فالأمر يتعدى اللوحة الزيتية التقليدية، بدخول عناصر أخرى كالاكسسوارات مثلاً، تكنيك (الكولاج) في بعض الأعمال، كقصاصات القماش والمجلات والصحف القديمة، مما يتيح مجالاً أوسع لمتذوقي الفن وعدم الاقتصار على مدرسة واحدة أو أسلوب بعينه. وهذا من أهم مميزات المعارض الجماعية لفنانين مختلفي الاتجاهات والأعمار والخبرة الفنية. الجدير بالذكر أن المعرض سيستمر حتى الأيام الأخيرة من شهر رمضان.

الإيروتيكي والمقدس
المُلاحظ على أعمال الفنان محمود أسعد بخلاف الغنى اللوني، والتفاصيل الخاصة بالشخصيات، خاصة في حالة البورتريه، هو محاولات التقارب والتماس بين كل من الإيروتيكي والمقدس الشعبي، فالمرأة التي تدخن والمرأة التي تمسِك بأحمر الشفاه وتهم بملامسته شفتيها في لقطات كبيرة، يتماس مع النسوة المُنتقبات في مصر الإسلامية، حيث يسرن بين الرجال بنقابهن (اليشمك والبرقع المصري القديم) وخلف الجميع الجامع بمآذنه العالية، والذي يصبح كخلفية للمشهد بمُجمله، في لقطة واسعة تبرز الطراز المعماري وملابس ذلك العصر. ورغم التناقض في زي وإكسسوار البورتريه، حيث القرط (الحَلَق) الحقيقي الرخيص، والذي يُباع هذه الأيام على الأرصفة كإكسسوار لفتيات ونساء الفئة المتوسطة أو الأقل، نجده مُعلّقا بأذن امرأة بدينة، تبدو من هيئتها وكأنها تنتمي لمصر الأربعينات، هذا الاستمرار الزمني وكسر إيهامه أو إيقاعه نجده من خلال قطع الاكسسوار البسيطة هذه، حتى نبتعد عن التماهي مع العمل الفني، ونعيد النظر إليه بطريقة أخرى. فالأمر أشبه بالمُفارقة الدرامية، لكن هنا عن طريق الشكل والحجم وملابس الشخصية. وهو ما يتأكد من خلال الحِس الجمالي للعمارة المقدسة (الجامع) وما بين جمال الخطوط في أجساد النساء المتشحات بالسواد، وتضاده مع نساء البورتريه صاحبات الأجساد البدينة والظاهرة التفاصيل. الحِس الجمالي هذا هو ما جمع بين الإيروتيكي والمقدس في بساطة وعمق شديدين.

تنوع الخامات والمدارس الفنية
واللافت للنظر في التجربة ككل هو مدى التنوع، سواء في المدارس الفنية كالتكعيبية والكلاسيكية، وصولاً إلى ما يُشبه الكاريكاتور من حيث المُغالاة في النِسب والتكوين في اللوحة ككل. من ناحية أخرى نلحظ تداخل الخامات المختلفة في اللوحة الواحدة، ما بين القماش والرسم الزيتي، وإضافة أشياء خارجية عن اللوحة كقصاصات الصحف والمجلات، وهو الأقرب إلى فن الكولاج، هذا كله يخرج بالمعرض عن الشكل التقليدي، ويفتح المجال أمام متذوق الفن إلى مشاهدة التجريب، ولو حتى من خلال الشكل الراسخ للوحة ومفرداتها ــ تكويناتها وألوانها وحجمها ــ فالتجريب هنا يستند إلى قيم متعارف عليها، ليست بعيدة عن عين المُشاهد، من خلال مفردات مجتمعه، وما يراه في العديد من الأماكن والوجوه التي يُقابلها مًصادفة في طريقه. إضافة إلى الحِس الشعبي في أكثر الأعمال المعروضه … خاصة في أعمال الفنان «محمد رضا» لنجد المُهرّج والرجل راكب الحمار. هذا على سبيل المثال دون الحصر.
المعارض الجماعية ومتذوقها الجديد
تكمن أهمية المعرض الجماعي في إتاحة الفرصة للتفاعل مع لوحات وتكنيك تشكيلي مختلف، وبالتالي إثراء التجربة الجمالية لدى المُشاهد من حيث التنوع والاختلاف، سواء بالاتفاق مع بعض هذه التجارب أو الاختلاف والجدل معها، وهو في جميع الأحوال أمر جيد لتفاعل الفن التشكيلي مع الجمهور، خاصة لما هو معروف عن حساسية ما لدى الجمهور العادي من حيث الجو العام لطريقة عرض اللوحات أو حتى الحديث عنها، وكأن الفنان التشكيلي يعيش في عالم منعزل ويقدم عمله في نوع من التعالي على المُشاهد العادي، إلا أن الأمر اختلف الآن ونحن في عصر الصورة بلا جدال، فالثقافة البصرية للمشاهد العادي أصبحت في مستوى يسمح له بالجدل مع الفنان التشكيلي حول عمله، بل ونقده في العديد من الحالات. فالأمر لم يعد يقتصر على نقاد الفن المعروفين، والذين في الأغلب أصدقاء الفنان صاحب المعرض، بل اتسعت دائرة الجمهور بشكل ملحوظ، وهو أدعى وأخصب في حالات المعارض الجماعية، سواء تصوير أو فوتوغرافيا، حتى يحتك الفنان بالجمهور، وليس العكس كما كان يحدث بالسابق، فالفرصة هنا تكون متاحة للتقييم والنقد من خلال الشعور الانفعالي بالعمل الفني، دون التنظيرات الفارغة، والنقد الأكاديمي المغلق، الذي يُساعد على التباعد بين الفنان والمتلقي العادي ــ غير المتخصص ــ للعمل الفني.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية