بعد غياب اثني عشر عاماً عن مشهد الفعاليات الثقافية في سوريا، عادت «دار أطلس للنشر» في دمشق للقاء جمهور قديم وجديد، من خلال فعالية انطلقت في الرابع عشر من آذار/ مارس الجاري، حملت اسم «معرض كتاب ونسيج» وفي طياتها مقاربات ثقافية يرى القائمون على الدار بأنها باتت ضرورة اليوم في بلد يدخل عامه الثاني عشر من الحرب.
بين طاولات ومنصات مختلفة الحجم، موزعة في أرجاء صالة «زوايا» للفنون، يمكن للزوّار التجول والاطلاع على مزيج فريد من كتب ومنشورات دار أطلس العريقة، التي يعود تاريخ تأسيسها لخمسينيات القرن الماضي، ومنسوجات يدوية متنوعة تنتمي لمحافظات سورية مختلفة. كما يمكنهم الاستمتاع بفعاليات مرافقة، منها ما يحتفي بالكتاب، مثل قراءات من كتب نشرتها الدار للكاتب شريف الرفاعي والفنان بطرس المعري، وتوقيع إصدارات جديدة للكاتبتين آنا عكاش ومريم فرح، والحديث عن أسرار الطباعة والتصميم والنشر للكتب والملصقات مع الفنان والخطاط منير الشعراني، وندوات أخرى تحتفي بالنسيج، وتتناول تفاصيل عدد من الحرف السورية القماشية.
ويشارك في المعرض كل من مبادرة «ولفي» المتخصصة بالأقمشة المطبوعة، باستخدام القوالب الخشبية وهي حرفة قديمة من مدينة حماه، ومشروع «سما للأعمال اليدوية» الذي ينتج مشغولات يدوية مستوحاة من الثقافة والتراث السوريين، ومشروع «فجّة خُرق» من السويداء لإعادة تدوير الأقمشة والاستفادة منها في صناعة بسط وأعمال يدوية متنوعة.
«لدينا همّ ثقافي»
في لقاء لـ«القدس العربي» مع صاحبة دار أطلس الناشرة سمر حداد، تشير إلى أن الفكرة الأساسية التي انطلقت منها الفعالية هي «أن نعيد الدار لجمهورها الدمشقي».
تستذكر حداد خلال حديث لا يخلو من الشجون والحنين، الدور المهم الذي لعبته «أطلس» في المشهد الثقافي في سوريا، خاصة في العقد السابق للحرب، مع تنظيم مؤتمرات ومعارض وحفلات توقيع وأمسيات شعرية وموسيقية بشكل دوري. «لم أعتبر نفسي يوماً مجرد ناشرة للكتب، كان لدينا انشغال بالشأن العام الثقافي، وكنا نريد التوجه للسوريين بأنشطة تستفزهم وتحفز عقولهم على التفكير والنقاش، وكان لديّ وعي تام بوجود خلل في المجتمع السوري، لا يمكن سوى للثقافة والكتاب أن يصلحاه» تقول. هدف آخر لطالما حملته دار أطلس، وهو «أن نأخذ الكتاب للناس، لا أن ننتظر قدومهم إلينا» وفق تعبير الناشرة، وتجلى بشكل خاص من خلال نوادي القراءة، والمعارض التي كانت تقام في أماكن غير مألوفة، ولعلّ المعرض الحالي امتداد واضح لهذا الهدف.
ما الذي يجمع الكتاب والنسيج؟ سؤال طرحته«القدس العربي»خلال جولتها في المعرض.

بالنسبة لسمر حداد، فالأمر له أبعاد عدة، فهي رغبت بداية بأن تتولى الدار اليوم مهمة تعريف الناس بمجموعة من المشاريع الثقافية التي تعنى بصون التراث. تقول: «جميع المبادرات المشاركة تهدف إلى إعادة إحياء حرف كادت الحرب أن تسكت صوتها، ويعمل القائمون عليها بكل إصرار لتحقيق ذلك، وأيضاً لتشغيل عدد لا يستهان به من الأيدي العاملة، كل ذلك أشعرني بأهمية بناء شراكات معها وتسليط الضوء عليها، إلى جانب الاحتفاء بمجموعة من المؤلفين الذين نشرت لهم الدار مؤخراً». تضيف سمر بأن «الكتاب له أفق واسع، وليس مجرد صندوق مغلق. الكتاب حياة مفتوحة، ومخيّلة واسعة، ومن هذا المنطلق أرى أننا يمكن أن نحمّل مع الكتاب أي مشروع آخر ما دام يحمل بعداً ثقافياً». هذه العلاقة بدت واضحة في الندوة التي تناولت مشروع «ولفي» الذي انطلق منذ حوالي السنة، بهدف إحياء حرفة الطباعة على القماش في مدينة حماه، واليوم نتحدث عن «طبّاع» واحد فقط ما زال يعمل بشكل مستمر هناك. الثقافة بالنسبة للقائمين على المشروع، سواء كانت كتاباً أو حرفة، هي «إعلان وترويج وتجارة، ولا بد من إتقانها وتنفيذها بكل جودة» والعلاقة بين الكتاب والعمل اليدوي في سوريا اليوم، تكمن في البحث عن أسباب البقاء، وإعادة الاعتبار للكتاب كهدية لها قيمتها، وللحرف اليدوية التي تحمل رموز الثقافة السورية، كمصدر للعيش، وفي الوقت ذاته كحامل للماضي والهوية. وكلٌ من الكتاب والنسيج في البلد المثقل بهموم الحرب، يحتاج للترويج وفتح أسواق جديدة كي ينهض ويعود للحياة، ومن هنا تبرز أهمية الفعاليات الثقافية كهذه.
«نحن ننسج الحكايا»
إلى جانب مجموعة من المشغولات الملوّنة التي تحكي قصصاً محلية بتصاميم مبتكرة ورموز سورية واضحة، تقف علا شيخ حسن، مديرة الإنتاج في مشروع «سما للأعمال اليدوية» وتتحدث لـ»القدس العربي» عن «آفاق جديدة فتحها معرض «كتاب ونسيج» للمشروع، مع وجودنا للمرة الأولى في مكان يمكننا من خلاله الحديث عن الشق الثقافي لمشروعنا، فهنا لا نتعامل مع القطع التي ننتجها على أنها مجرد أعمال يدوية، وإنما نشرح أكثر للزوار عن المفاهيم التي ابتكرناها، مثل التصميم الديراني، المستوحى من العنب الأحمر الذي تشتهر به مدينة داريا، والإدلبي الذي نرى فيه حبات الزيتون الأخضر، والتدمري والقرباطي والشامي، وغيرها من المجموعات التي نعمل عليها منذ سنوات». تشير علا إلى نمط جديد من العلاقات يمكن لهذه الفعاليات أن تساهم في بنائه، «فنحن هنا لسنا شركة وزبائن، وإنما حلقات داعمة تهتم فعلاً بما ننتجه في الأبعاد المرتبطة به كافة، وهنا تكمن جمالية الأمر وأهميته أيضاً».
أما خلود هنيدي القادمة من مشغل «فجّة خُرق» في السويداء، حاملة معها بسطاً ومشغولات مصنوعة من بقايا الأقمشة على طريقة الجدّات والأمهات، فترى أن العلاقة بين الكتاب والنسيج «بديهية للغاية». «ألا نقول بأننا ننسج الحكايا؟ وهذا بالضبط ما نفعله في مشغلنا» تقول في حديثها لـ»القدس العربي». وتتفق خلود مع علا بالإشارة للدعم الكبير الذي يمكن أن تقدمه هذه المعارض ذات الصبغة الثقافية لمشروع مثل «فجّة خُرق» فهي من جهة تساهم في التعريف به ووضعه ضمن الإطار الذي يستحقه، والأمر يكتسب أهمية أكبر بالنسبة للمشاريع والمبادرات المحلية غير المعروفة على نطاق سوريا، ومن جهة أخرى تسمح للعمل بأن يخرج من إطار «المشغولات اليدوية» فقط لمنظور أوسع وأشمل. «يهمنا أن يأتي الناس لشراء منتجاتنا، لكننا نهتم أكثر بالتعريف بحرفتنا وتاريخها وتفاصيلها، وكيف يمكن أن تتطور، فلا قيمة للعمل دون معرفة أصله والحديث عنه».
يمتلئ المكان بالحكايات الجميلة كما تقول خلود، وتتفق معها بقية المشاركات في الفعالية. في كل زاوية من الصالة الكبيرة، واحدة من هذه الحكايات التي تروي للزوار جزءاً من ثقافة سورية، تحرص المتحدثات على حمايتها بكل شغف وحب.
كاتبة سورية
