موفق السواد لغاية السابع من آذار (مارس) يعرض غاليري الهجرة في العاصمة الهولندية أمستردام المعرض الشخصي الأول للشاعر والفنان التشكيلي المغربي عبد الرزاق سبايطي. يتضمن المعرض 29 لوحة فنية نفذت بالباستيل الزيتي، ويعتقد سبايطي أن تجربته هي عبارة عن مغامرة ذاتية تسعى إلى تقديم رؤية تشكيلية للنص الصوفي ‘المؤثر الأساسي الذي أشعل شرارة هذه المغامرة يكمن في ذلك التواصل الروحي والمعرفي مع عيون الأدب الصوفي، مثل مؤلفات ابن عربي والنفري والرومي وعطار نيشابوري وغيرهم من أقطاب المتصوفة’. ولا تتعكز التجربة التشكيلية لدى سبايطي على منجزه الشعري إذ يعتقد أن اللون ليس بحاجة الى وسيط وأن أي تعكز على مقاطع ونصوص شعرية وزجها في اللوحة يعد انتقاصا من التجرية ذاتها، الكلمة لا تؤول اللون إلا ضمن سياق القصيدة وليس ضمن اطار اللوحة، وان كان للمفردات حضور فليس عبر تأويلها الدلالي بل عبر حضورها الفني وغلبتها الحاسمة على أي تكوين أو مؤثر تجريدي آخر’. إن هذه الرؤية الفنية تفصح عن نفسها بشكل جلي في 29 لوحة أنجزت بالباستيل الزيتي. على ان هناك مؤثرات أساسية أخرى في لوحات سبايطي تتمثل بالطفولة والقراءات الفنية للعالم، لفنانين غير شرقيين: ‘ان تجارب فنية لفنانين هولنديين قدموا منجزا فنيا هائلا متأتيا من رحلاتهم وأسفارهم وفي طليعتهم الرسام الهولندي الشهير فينسنت فان غوخ كانت هي الأخرى رافدا أساسيا في أعمالي، فالهجرة لا تتلخص بعنصر المعاناة، لا قيمة لثيمة التأقلم بالنسبة لمن يملك مشروعا إبداعيا إذ أن القلق والدهشة عنصران أساسيان، الهجرة كان لها شقان، هجرتي من بلادي الى هولندا، وتعمقي بمنجز الفنانين الهولنديين وتجاربهم التي تشكلت عبر هجراتهم إلى خارج هولندا، وهو منجز تواصلت معه عبر ما أتاحته لي المتاحف والصالات الفنية الراقية في أمستردام ومدن هولندية أخرى. وأعتقد أن الهجرة كانت غذاء روحيا كبيرا، ليس بما له صلة مجددة بالشرق وإنما بما له علاقة أيضا بمصادر الضوء الذي زود اللون بإيقاعات جديدة. والهجرة ليست انتقالا مكانيا فقط، بل هي انتقال ثقافي هام ومؤثر’. ويعتقد سبايطي أن ‘الطفولة والتصوف أساسيان في إثراء المعنى الإنساني، ولا يمكن التواصل مع عوالمهما إلا بالتجربة، سواء كانت تجربة روحية أو فنية أو كليهما في آن معا، ولم يكن الجهد الذي بذلته في انجاز هذه اللوحات ترجمة لتجربة خضتها بقدر ما كان اللون والحرية المطلقة في تجلياته جزءا من تجربة ذاتية لا تخلو من مكابدة، فاللون خلافا للكلمة، إما أن يحضر في العمل الفني أو لا يحضر، أما الكلمة فيمكنك أن تشطبها أو تغير مكانها في الجملة الشعرية. ويمكن القول أن الطابع التجريدي في لوحات سبايطي لا يضع المشاهد في متاهة من التأويلات، فثمة دفق روحي ومعنوي متأت من تواصل حقيقي مع التراث الصوفي وتراكم معرفي مستمد من التجربة الحياتية، على أن هذا التجاور في الروافد يحضر في عدد من لوحات سبايطي على نحو يربك المشاهد ويشعره بحاجة ماسة الى مساحات تمنحه طمأنينة تضاهي الطمانينة التي يتوفر عليها النص الصوفي المكتوب عبر الصمت والتأمل.
على أن ذلك لا ينفي وجهة النظر القائلة بأن لوحات الشاعر والفنان التشكيلي عبد الرزاق سبايطي تقدم مفارقة خلاقة تتلخص بتجاور الزهو بالوجود والاحتفاء بالقلق، ولعل في ذلك يكمن السعي الدائم للتواصل مع عوالم الطفولة، يقول سبايطي:’ من أجل التعبير عما يعتلج من أشياء باطنية في أعماقي في لحظة الخلق الفني ثمة صلة وإن خفية بعوالم الطفولة، صحيح أنني ولدت في مدينة طنجة، ولكن في منزل يقع في قلب بستان كبير في داخل المدينة’. والأعمال التي يعرضها غاليري الهجرة تقدم تجربة ذاتية وتجربة شاقة مع اللون والشكل، مع فضاء اللوحة بصورة عامة في لحظات خلق فني تملي على الفنان اشتراطاتها.
ويحسب لسبايطي انه قدم تجربة مبنية على العنصر المشترك في الروحانية الصوفية والتجربة الفنية أي عنصر التأمل، وبهذا قدم تجربته بعيدا عن أي تعكز على منجزه الشعري، خلافا لتجارب فنية تقدم اجترارا لنصوص شعرية وتكرارا مباشرا لها.
واخيرا لا بد من التذكير بأن الشاعر والفنان التشكيلي عبد الرزاق سبايطي يشرف على ‘مؤسسة الهجرة الثقافية’ التي أسسها في العام 1987 وما زالت تواصل إسهامها المؤثر في التعريف بالأدب العربي في هولندا من خلال نشر ترجمات هولندية لعشرات المؤلفات من الأدب العربي إضافة الى إقامة مهرجان الأدب العربي وأمسيات لممثلي الحداثة الأدبية العربية.
شاعر عراقي يقيم في هولندا