زهير الخويلدي’ الصحافة الحرة هي أن تقول للحاكم ما يريده الشعب قبل أن تقول للشعب ما يريده الحاكم’ (-مصطفى أمين).تجري الأمور لدينا على أساس بروز صراع قوي وحاد بين الاعلام والسلطة على الصحافة والكلمة المكتوبة والمسموعة والصورة المرئية ويبرز الى عيان معارضة شديدة بينهما وتناقض حاد، وما يعكر الأجواء هو مساندة البعض من الفريق الأول بعض من اعلاميي النظام القديم ونية السلطة بعد اطلاقها حملة إكبس محاسبة رموز الفساد وخاصة رجال السياسة والمال والاعلام الذين انضموا الى خصومها السياسيين في نداء تونس وقادوا حملة شعواء في فضائياتهم من أجل انتزاع الهيبة وخلع الشرعية.المفارقة تطرح حينما يحاول الصحفيون أن يثبتوا استقلالهم المهني ونقل الخبر الصحيح والدفاع على مصداقية العمل الإعلامي وحرية الكلمة والطابع الرسالية للجريدة ووضع السلطة في موقف محرج بالكشف عن التجاوزات لمقتضيات العدالة الانتقالية والتأرجح الكاذب بين المحاسبة والمصالحة من جهة وفي المقابل تحاول السلطة على قدر الامكان تطويعهم وفرض سيطرتها على وسائل الاعلام واستقطاب العديد من الاعلاميين الى جانبها والتشكيك في الماضي النضالي للرافض منهم الدخول الى بيت الطاعة.السلطة تريد من جميع الاعلاميين الامتثال لنظام الأشياء والامثتال الى الأموامر الصادر عن الهياكل الإدارية المعينة للمؤسسات الحكومية والخاصة بينما الصحفيون يصرون على احترام حقوق التعبير وابداء الرأي ويطالبون بالمزيد من التشجيع في اطار الحريات والاستقلالية في عالم القيم والأفكار.ربما شهد قطاع الاعلام في تونس بعد ثورة 14 جانفي وصعود الترويكا الى الحكم بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 للمجلس التأسيسي وقيادة حركة النهضة البلاد في فترة انتقالية العديد من التجاذبات والتقلبات وقد بلغ أوجها في الاعتصام الذي وقع تنظيمه أمام مؤسسة التلفزة الوطنية والمطالبة بتطهيرها من بقايا النظام السابق واستفحل الأمر مع ما عرف بأزمة جريدة الصباح وتعيين مدرين جدد موالين للترويكا ومعارضة أبناء الدار هذا الفعل وايقاف مؤسس فضائية التونسية في قضايا فساد مالي سابقة مع مؤسسة التلفزة الوطنية زمن المخلوع وحسب وجهة النظر الرسمية وفي اشارة من نقابة الصحافيين على أنه بسبب رفضه دخول بيت الطاعة وبرامجه الرمضانية الساخرة من الحكومة وخاصة القلابس. كما شبح القائمة السوداء الذي يخيم على الأجواء والجهة التي يجوز لها من حيث الشرعية الثورية أن تضبطها والجهات التي ستستهدفها والمتراوحة بين مطبلي وملمعي صورة النظام السابق وموالي النظام الحالي.من المفروض أن تترك الحكومة الى أصحاب الكلمة الحرة ادارة شؤون مهنتهم بأنفسهم دون وصاية مالية أو تدخل رقابي وأن تكشف عن ملفات الفساد المالي في جميع المجالات وان تحرص على محاربة هذه الآفة والا تعيد نفس اخطاء النظام السابق في تدجين حرية الصحافة وضرب منظومة الاتصالات، لكن في المقابل ينبغي على الصحفيين أن يخوضوا معركتهم من أجل حرية التعبير بأنفسهم وأن يرتقوا بالخطاب الإعلامي وألا يتركوا المجال المفتوح لكل من هب ودب وأن يطهروا الفضاء التواصلي من الدخلاء والسماسرة والمتاجرين بآلام المضطهدين وقضايا الأمة وأن يلتزموا بآداب المهنة وأخلاق الصحافة وأن يميزوا بين النقد الموضوعي والمحاسبة الفعلية والضغط الايجابي وتثوير الإعلام وبين الشتم والسب ولغة المجاري والمس من الخصوصيات وانتهاك الأعراض والتدخل التخريبي الفوضوي في الشأن العام. علاوة على أن ضبط القائمة السوداء يجب أن يخضع لمستلزمات العدالة الانتقالية وأن يكون محل توافق وطني وأدلة دقيقة وقرائن موثقة ولا يمكن أن تنفرد بها جهة حزبية معينة أو مؤسسة نقابية لوحدها وذلك لتجنب تصفية الحسابات واستعمالها في معركة المواقع والمصالح التي تدور رحاها في تونس الثائرة.ان الصحافة الحقيقية ليست التي تقرب الى الشعب ما يريد أن يقوله الحكام ولا تنقل وجهة نظر السلطة الى الجماهير وانما هي التي تحمل الى المسؤولين مشاكل ومطالب الناس وتصنع رأيا عاما مضادا للدولة. لعل ما قاله الماهاتما غاندي عن الفجوة بين العلم والأخلاق وبين الرأي الحر والتطبيق الاجتماعي هو خير مثال على ذلك لأنه ‘ توجد سبع مبادىء تدمر الانسان: السياسة بلا مبادىء والمتعة بلا ضمير والثروة بلا عمل والمعرفة بلا قيم والتجارة بلا أخلاق والعلم بلا انسانية والعبادة بلا تضحية’ ويمكن أن نضيف اليها صحافة دون شرف ونقل المعلومة دون أمانة وتصوير الواقع والكلمة الحرة دون احترام كرامة الناس. كما يمكن العودة الى رأي الكاتب الصحفي مصطفى أمين الذي يدافع فيه على أخطر مهنة قائلا: ‘ الصحافة الحرة أن يكون من حق كل مواطن أن يصدر صحيفة،حتى لو قرأها قارئ واحد..الصحافة الحرة أن الشعب لو أجمع على رأى واحد،وشذ مواطن واحد عن هذا الرأى،فمن حقه أن يقول رأيه ولو خالف رأى الملايين..الصحافة الحرة هى التى يختار الشعب رؤساء تحريرها..فإذا أقبل الشعب على كاتب يصبح رئيسا للتحرير،وحينما ينفر من جريدة فيجب إغلاقها.. الشعب..لا الحكومة…هذا ما ينبغى أن يكون.’ وآيته في ذلك أن من اعتدى على صحافي واحد فكأنما اعتدى على كل الصحفيين وأهان جميع الناس. غير أن الصراع بين السلطة والمعارضة يتموضع على الأرضية الاعلامية وسيبقى كذلك طالما أن نقابة الصحفيين يملي عليها الواجب المهني الدفاع عن الحريات وسلامة الصحفيين المعارضين للدولة وطالما أن السلطة ستسعى بكل الطرق الشرعية وغير الشرعية وضع حد للشغب الاعلامي وتركيز هيئة رقابة تنهي الانفلات وتضع معايير مهنية تنظم العمل الصحفي بما يخدم مصالحها ويرتقي بالمادة الاعلامية. لكن كيف لا تثير هذه الصراعات الدامية التي تؤدي الى تدني للمستوى الاعلامي والدخول في تفاهات الى نقمة الشارع وامتعاض الشعب قد يسهل استغلالها من قبل بعض قوى الردة قصد الالتفاف على الثورة؟ وأليست الصحافة دون آداب والحرية دون مسؤولية والكتابة دون رسالة هي مجرد مهن دون شرف؟ وألا تحتاج تونس الى النقلة النوعية من حكم شمولي الى حكم ديمقراطي والى قطيعة مع ممارسات التضيق والمصادرة وتأسيس تقاليد صحفية جديدة ترسخ المصداقية والشفافية والموضوعية والولاء للوطن؟كاتب فلسفي