معركة الإنسان المتواصلة مع حياة يتقاذفه فيها استرجاع الزمن واستشرافه

عبد الله مولود
حجم الخط
0

السؤال الكبير: أين ذهب وقتنا وكيف تلاشت أعمارنا؟

نواكشوط ـ«القدس العربي»:  انضغاط الوقت ومروره السريع ظاهرة يعيشها كل واحد منا وواقع يقلق كل واحد منا: من منا يتمكن من تخطيط يومه لإنجاز جميع المهام التي تفرضها عليه حياته؟

نستيقظ باكرا ونبدأ روتيننا السيزيفي اليومي: إفطار سريع جدا، إيصال الأولاد للمدرسة وسط زحمة قاتلة، الصعود للعمل، ثم مهام العمل المتشعبة، ثم إنزال الأولاد من المدرسة في راحة الظهر؛ ثم العودة لتفاصيل العمل المرهق عصرا؛ فإذا بساعة النزول تدق؛ ثم العودة وسط الزحام للبيت، ثم الاندفاع لسرير راحة نغتصبها من الزمن الرافض، ثم سباحة في الليل، لنستيقظ باكرا أيضا ونستأنف أسطوانة حياتنا الدوارة المملة.
ودوران يختلف باختلاف الأعمار، ففي فترة المراهقة لا قيمة للوقت فهو يمر من حولنا من دون أن نتذوق دقائقه، أما بعد البلوغ فيبدأ طرح السؤال الكبير»أين ذهب الوقت؟».
ومن المنظر الإسلامي ينعقد الإجماع حول نزع البركة من الزمن آخر الدنيا، وذلك اعتمادا على قَول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَيَكُونَ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ).
هكذا، كلما تقدم بنا العمر كلما شعرنا بأن الوقت يمر بشكل أسرع، وهو ينتج عنه إحساس بالحسرة والندم.
وتصبح حياتنا كبالغين أكثر رتابة، فنمر بعدد أقل من اللحظات المميزة؛ ومن ثَم، تبدو السنوات المبكرة من عمرنا ذات حضور أكبر نسبيًّا في ذاكرة السيرة الذاتية، وعند تأمُّلها، تبدو وكأنها استمرت زمنًا أطول.
وهذا بالطبع يعني أن بإمكاننا أن نبطئ وتيرة مرور الزمن في وقت متأخر من حياتنا؛ فيمكننا تغيير إدراكنا للزمن من خلال الحفاظ على الدماغ نشطًا، وتعلُّم مهارات وأفكار جديدة باستمرار، واستكشاف أماكن جديدة.
وفي عام 2005 أسفر استقصاء أجراه العالمان النفسيان مارك فيتمان وساندرا لنهوف اللذان يعملان في جامعة لودفيغ ماكس يليان في ميونخ وشمل 499 مشاركًا، تراوحت أعمارهم بين 14 و94 سنة؛ وكان سؤال الاستطلاع هو: ما هو شعورك بمرور الزمن؟
وجاءت الأجوبة مثيرة: فقد استخدم البعض عبارة «أشعر أنه يمر ببطء شديد» والبعض الآخر عكس ذلك وصفه بأنه يمر «بسرعة فائقة».
وقد وجد الباحثان أنه بالنسبة للفترات الزمنية القصيرة مثل الأسبوع والشهر، وحتى السنة لم تظهر الأجوبة أن المشاركين يشعرون بازدياد سرعة مرور الوقت بتقدم العمر، فقد كان معظم المشاركين يشعر بأن عقارب الساعة تجري بسرعة أكبر.
أما بالنسبة للفترات الزمنية الطويلة، كعقد من الزمن مثلًا، فقد برز نمط محدد بين المشاركين؛ إذ كان الأشخاص الأكبر عمرًا أكثر ميلًا إلى الإحساس بأن الوقت يمر أسرع.
وعندما طُلِبَ منهم أن يتأملوا ما مضى من حياتهم، فإن المشاركين الذين تجاوزوا سن الأربعين شعروا بأن الزمن مر ببطء في طفولتهم، لكنه بعد ذلك أخذ في التسارع بانتظام خلال سنوات المراهقة حتى المراحل الأولى من النضج.
ونشأ عن الحاجة لضبط الزمن، تأسيس مراكز للمساعدة على ضبط الوقت، تقدم للعموم نصائح حول إدارة الوقت.
وتنصح هذه المراكز بتخطيط للوقت على مدى أسابيع وشهور قادمة، ويتطلب التخطيط بدوره تقديرات واقعية لمدى ما تستغرقه كل مهمة من وقت .
وترشد هذه المراكز لسلوك منهجية «الأهم فالمهم» خلال تخطيط الوقت بحيث يخصص الشخص الكثير من وقته في أداء المهام ذات الأولوية وترك الأعمال التقليدية للوقت الذي تشعر فيه بالكسل، كما تنصح بتخصيص الوقت الذي يكون فيه الإنسان نشيطا لأداء المهام ذات الأولوية والأكثر أهمية مستعينا بمبدأ الأهم فالمهم فالأقل أقل أهمية .
وترشد هذه المراكز لوضع قائمة بالمهام وتحديد المواعيد النهائية لتحقيقها، وتنصح بوضعها في مكان يستطيع الشخص رؤيتها طوال اليوم وستكون قائمة الأهداف هذه هي الخطة الرئيسية لكل واحد منا حتى نبقى على الطريق الصحيح في النجاح في إدارة وقتنا.
لكن هل سنتمكن عبر كل هذا من السيطرة الفعلية على الزمن المتفلت من حولنا بدقائقه وثوانيه؟
إنها معركتنا السيزيفية مع حياة نسعى للتحكم فيها، ونطمح للإمساك بها كما يحلو لنا لكننا ننسى أو نتغافل عن حقيقة مرة: فالحياة ظرف زمني نعيش داخله، ولا يعقل أن نتحكم فيه فهو السور المحيط بنا، والقيد المتحكم فينا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية