معركة الرئاسيات والانسداد السياسي في هرم السلطة تدفع نواب البرلمان الجزائري نحو البلطجة والتعدي على الدستور

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
2

الجزائر-“القدس العربي”: تعكس أزمة الغرفة السفلى في البرلمان الجزائري، وما رافقها من أعمال “بلطجة” ينفذها نواب الأغلبية، لدفع رئيسهم للاستقالة، حالة التقهقر والانحدار التي تشهدها البلاد، منذ سنوات عدة، وتحديدا مع استلام الرئيس بوتفليقة مقاليد الحكم 1999 ومحاولاته تجاوز مؤسسات الدولة، وسحب صلاحياتها تدريجيا، وتقزيمها، تكريسا لسلطاته، بعيدا عن أي رقابة.

نواب المجلس الشعبي الوطني لم يكونوا ليتمادوا ويمضوا بعيدا في مخططاتهم، لولا الغطاء الذي وفر لهم من قبل هيئات، وشخصيات سيادية، منحتهم الضوء الأخضر.

بداية القصة كانت مع جمع الكتل البرلمانية توقيعات النواب المحسوبين على السلطة وعلى الموالاة، ومن الداعين لتطبيق برنامج رئيس الجمهورية، تدعو السعيد بوحجة الرجل الثالث في الدولة إلى الرحيل.

السبب المباشر لتحركات النواب المغضوب عليهم اجتماعيا، إقالة رئيس الغرفة للأمين العام للمجلس. وخلف الكواليس تفاصيل عديدة، لا يمكن أن تفهم إلا بعد استيعاب المشهد السياسي في الجزائر الذي يدفعه الحراك الحاصل أعلى هرم السلطة لترتيب مسار الانتخابات الرئاسية، وضمان استمرار بوتفليقة، وجماعته في الحكم.

الأمين العام لجبهة التحرير الوطني جمال ولد عباس، صاحب التعليقات والتصريحات المبجلة للرئيس، أطلق صافرة العملية. في اجتماع الرجل المعروف بخرجاته مع عدد من نواب الحزب في مقرهم، صرح إن المسألة لا تتعلق بإقالة، ولكن هي رسائل موجهة إلى هذه الشخصية (بوحجة)، غير المرغوب فيها.

ولد عباس قال حينها علنا: “لن يكون للرجل (رئيس المجلس الشعبي الوطني) مكان داخل مؤسسات الدولة ولا داخل جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم)”.

سريعا يقتحم النواب – يعتبرون في الجزائر من أدوات السلطة- مداخل المجلس الشعبي، وهي يفترض بها الهيئة السيادية المخولة بالتشريع، يقفلون البوابة الرئيسية بسلسلة حديدية، والمداخل الجانبية الخاصة بالعمال والموظفين، وصولا لحظيرة السيارات. وسريعا يمضي النواب من أصحاب الخبرة في العمليات الانقلابية، نحو الطابق الخامس حيث مكتب رئيس الغرفة، ويغيرون الأقفال، لمنع السعيد بوحجة من دخول مكتبه، وممارسة مهامه. النواب في غمرة تنفيذهم لمخططهم لم يكن لديهم أي تفويض رسمي، أو يحوزوا على سند قانوني يرتكزون عليه في تبرير خطواتهم.

شاهد العالم مبنى البرلمان مقفلا بسلسلة حديدية ونوابا يتجمعون أمام المدخل داعين رئيسهم للتنحي بشكل غير دستوري طالما أن مغادرته المنصب تحدد في حالة وفاته أو رحيله طوعا.

انقلابيو المجلس الشعبي الجزائري يمضون في مسعاهم مدججين بغطاء سياسي من لدن الأحزاب الموالية، وتوالت الخطوات تباعا. أنهوا اجتماعهم الطارئ نهاية الأسبوع، وأعلنوا حال شغور منصب رئيس البرلمان السعيد بوحجة، متجاوزين الجدل حول مدى دستورية هذه الخطوة، في ظل تمسك رئيس البرلمان بمنصبه.

بيان “أصحاب القفل” يبرر الخطوة بفتوى تمت صياغتها ومفادها: “أن القرار ينبع من كون 351 نائباً أعلنوا سحب الثقة من بوحجة، واصطدمت برفض الأخير الاستقالة، وهو ما أنتج حالة انسداد، استأنسوا تلافيها بنص المادة 10المقرة في حالة الشغور”.

المكتب المشكل من نواب يدعمون برنامج الرئيس، يشرع في بدء إجراءات إثبات حالة الشغور، ويدعون لعقد جلسة عامة طارئة للبرلمان، في غضون أيام، لانتخاب رئيس جديد للبرلمان.

وتوالت القرارات، فيعلن مكتب البرلمان، الذي يضم نواب رئيس المجلس، ورؤساء الكتل النيابية الخمس المناوئة للرجل “المغضوب عليه” ورؤساء اللجان الدائمة، إسناد رئاسة المجلس للنائب الحاج العايب، بصفته العضو الأكبر سنا، مع إحالة قرار حالة الشغور على لجنة الشؤون القانونية في البرلمان لبدء إجراءات تثبيتها، وتحديد موعد قريب لعقد جلسة عامة لانتخاب رئيس برلمان جديد.

وسط الإجماع الذي سار عليه (الانقلابيون) مثلما تصفهم تعبيرات المواطنين في مختلف منصات التواصل الاجتماعي، تعالت أصوات خافتة لكتل رفضت الإجراء، وتحرزت عليه، كجبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحركة مجتمع السلم، والاتحاد من أجل النهضة، والتنمية والبناء (تحالف إسلامي)، وجبهة المستقبل.

تعترض هذه الكتل على ما تصفه بـ”الانقلاب ضد شرعية رئيس الغرفة السفلى” وتدعو لاحترام القانون ونصوص الدستور واحترام ما تبقى من هيبة الدولة.

خبراء الدستور يعتبرون الإجراء المتخذ بمثابة انقلاب وإجراء غير دستوري، إذ يحصر النظام الداخلي رئاسة اجتماعات مكتب البرلمان برئيس البرلمان، كما أن إخطار المجلس الدستوري بشأن شغور منصب رئيس البرلمان، مرتبط بتحقق حالة من بين أربع حالات للشغور حددها الدستور، وهي الاستقالة أو الوفاة أو التنافي أو العجز، لافتين إلى أن حالة العجز غير متوفرة في وضع بوحجة، ما يمنع دستورياً تحييده من منصبه.

نواب الكتل النيابية الخمس والمحسوبة على الرئيس الجزائري، يستلهمون تحركاتهم من سياسة فرض ما بات يصطلح عليه “شرعية الأمر الواقع” وكان بوتفليقة أول من جسدها.

الحادثة تعود إلى عام 2000، عندما دفع نزيل المرادية في بدايات عهدته، رئيس مجلس الأمة (الغرفة العليا في البرلمان) حينها بشير بومعزة، للرحيل لعدم رغبته في العمل معه واختلاف وجهات نظرهما حيال عدد من القضايا،

تمسك الرجل الذي توفي قهرا وغما فترة قصيرة من بعد بمنصبه، حرك الغرف المظلمة في النظام لتنفذ خطة سريعة استندت على فتوى للمجلس الدستوري يقر فيها بعجز بومعزة عن أداء مهامه، وينتخب عبد القادر بن صالح بدلاً عنه.

تجاوزات الرئيس بوتفليقة تكررت، وتوالت، وتعدى في عدد من المرات على صلاحيات البرلمان، وشرّع قوانين عدة بين دورتي المجلس من دون ضرورة ملحة.

من التشريع بأوامر إلى التأخر في اعتماد قوانين موازنة الدولة في آجالها المحددة، ممارسات تميز بها الرئيس في تعامله مع الهيئة التشريعية التي تحولت بمرور الوقت لمكاتب تسجيل القوانين التي ترسلها الحكومة لتمر جميعها من دون أي استثناء يذكر.

يعتبر كثيرون أن دور البرلمان الجزائري بغرفتيه، لا يزال ضعيفا، وهزيلا جدا، وهذا ناتج عن طبيعة تركيبة المجلس الشعبي الوطني.

وترى المعارضة أن اعتماد السلطة التزوير نهجا قائما في الانتخابات يجعل الأغلبية البرلمانية، عادة ما تكون منبطحة، وفاقدة للسيادة، ولا تضطلع بمهامها في ممارسة الدور الرقابي والتشريعي المنوط بها، انطلاقا من كون الأغلبية في البرلمان هي من الأغلبية نفسها التي تمثل الحكومة.

وتكمن مخاوف المنتقدين لعملية قفل المجلس الشعبي الوطني، المؤسسة السيادية في الدولة، وممارسة “البلطجة” بتلك الصورة التي شاهدها الجميع مباشرة، من أنها ستكرس أكثر مستقبلا نزعة السلطة التنفيذية في التعدي على صلاحيات السلطة التشريعية.

خطورة التجاوزات التي تحدث من قبل النواب المفروض عليهم أصلا حماية وصون القوانين تتعلق أساسا بقدرتهم مستقبلا على تفعيل الأدوات الرقابية المنصوص عليها دستوريا إذا كانوا هم من يقومون بالتعدي على القوانين ويمارسون “بلطجة سياسية علنا”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية