تظهر الصور شكلا جديدا من المواجهات حيث اصطف الشباب الفلسطيني وفي مقابله تجمع عشرات المستوطنين ودخلوا في اشتباكات بالحجارة والعصي فيما حاولت قوات الاحتلال مساعدة المستوطنين.
نابلس ـ «القدس العربي»: قبل طلوع صباح يوم الجمعة الماضي كانت خمسة بيوت متحركة «كرافانات» قد وقفت على تلة قليلة الوعورة بعد أن احتشد عشرات المستوطنين تحت جنح العتمة من أجل تجهيزها لخمس عائلات متطرفة بهدف منع امتداد البناء الفلسطيني في هذه المنطقة، وتخليدًا لذكرى الحاخام حاييم دروكمان الذي توفي أواخر العام الماضي.
وحسب سكان قرية جوريش شرق مدينة نابلس فإنهم تبلغوا في الثالثة فجرا عن وجود مجموعات من المستوطنين تعمل على إنشاء بؤرة استيطانية جديدة.
وتقع التلة المستهدفة بين قرية قصرة وجوريش، في موقع استراتيجي يطل على الطريق الاستيطاني عابر الضفة الغربية، الذي يربط الأغوار وشمالي الضفة الغربية ووسطها.
وما عزز مخاوف سكان القرية الصغيرة (2000 نسمة) تكرار تجربة إقامة مستوطنة مجدوليم (1984) وهو أمر فيما لو نجح فإنه سيعمل على الحد من التواصل الجغرافي الفلسطيني في المنطقة وسيعزز شريطا استيطانيا من القرية وصولا إلى نهر الأردن.
وتقع جُورِيش في شمال الضفة الغربية وتنتمي لمنطقة يستهدفها النشاط الاستيطاني وصولا إلى الأغوار الشمالية. ويمتد المحور من السفوح الشرقية لجبال نابلس الشرقية حتى نهر الأردن ويبدأ الشريط الاستيطاني بمستوطنة مجدوليم المحاذية للقرية المستهدفة، ويمر بمستوطنات معالية أفرايم، وجيتيت، ومخورا، والحمرا، وبقعوت، وروعي، وحمدات، وبلاس، ومسكوت، وروتم، ومحولا، وشيدموت محولا، وبترنوت، وشيلا، وارجمان، ومسواة، ويافيت، وشلومو متصيون، وبتسائيل، وتومر، وجلجال، ونتيف هجدود.
وحسب رئيس مجلس قروي جوريش، رائد أبو جاموس، فإن سكان البلدة توافدوا على شكل أفراد وجماعات، ومشيا وبالسيارات في ساعات الصباح للمكان وتلقوا وعدا من الجهات الإسرائيلية بإزالة البؤرة لكن الساعات مرت من دون أن يتم إزالة المنازل المتنقلة.
وفي مقابل ذلك كانت جماعات المستوطنين تتوافد على المكان «لقد توافد من كل حدب وصوب، كانت برفقتهم سيارات دفع رباعي ودراجات معدة للسير في طرق وعرة وترابية» قال رئيس البلدية.
وأضاف أبو جاموس: «بعد مفاوضات فاشلة تحولت المنطقة المستهدفة لساحة اشتباكات عنيفة، كانت الأرض الفلسطينية ساحة معركة حقيقية».
وتنقل الصور والفيديوهات التي وثقها نشطاء أن الاشتباكات كانت عنيفة وفي مراحل معينة كانت من النقطة صفر.
وتظهر الصور شكلا جديدا من المواجهات حيث اصطف الشباب الفلسطيني وفي مقابله تجمع عشرات المستوطنين ودخلوا في اشتباكات بالحجارة والعصي فيما حاولت قوات الاحتلال مساعدة المستوطنين.
وبلغت جهات فلسطينية عن إصابة مواطنين بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط، وأربعة آخرين بالضرب، فيما تعرضت 15 مركبة للتحطيم وتخريب الإطارات.
الشاب عاكف مثقال كان من الشبان الذين تحطمت سيارتهم على أثر معركة الكر والفر حيث قال: «يعوضنا الله، الشباب بقدموا روحهم وأعمارهم دفاعا عن الوطن والأرض ونحن لم نقدم إلا سياراتنا».
وببساطة يقدم مثقال رؤيته للمطلوب حيث يكمل: «نطلب من المسؤولين أن ينظروا للقرية بحيث يتمعنوا فيما يحدث».
ويكمل: «لا يجب ان تقتصر المقاومة والدفاع عن الأراضي على سكان البلدة، التحرك يجب ان يكون من الجميع، مثلما هجموا على جوريش سيأتي الدور على رام الله وأماكن أخرى».
وختم: «يجب أن يتحرك الجميع، الأمر يتطلب وقفة من الجميع مع بعضهم البعض». وأسهب: «بدورنا سنستمر بالدفاع عن أي شبر من أراضي البلدة».
وقدم نشطاء وسيلة للضغط على المستوطنين عبر استهداف خطوط سير المستوطنين.
وأضاف: «علينا اعتماد سياسة تعكير حركة السير على الشارع العام الذي يربط المستوطنات بالأغوار، فهذا من شأنه ان يقلب الأوراق».
وبعد مغادرة مئات المستوطنين المتطرفين من المكان بعد أن قامت قوات الاحتلال بتفكيك المنازل الخمسة تبعتهم قوات الاحتلال فيما بقي خلفهم بقايا ومخلفات البؤرة الاستيطانية المدمرة وشعور الانتصار الذي صنعه الأهالي هذه المرة، لكنهم يدركون جيدا أن أي رسالة تصدر عنهم وتشي بالخوف سيترتب عليها عودة لإطلاق البؤرة المدمرة.
وحسب أحد النشطاء قال لـ«القدس العربي»: «الشطارة ألا نسمح للبؤرة الاستيطانية أن تثبت قدميها في المكان. يجب كنسهم من اللحظة الأولى. وهذه رسالة جوريش وأهلها».
وفيما حاول مواطنون مساندة آخرين تم الاعتداء على سيارتهم وبقيت العلامات التي تؤشر إلى أن معركة حامية اندلعت في المكان.
معركة أخرى
وبشأن معركة السيطرة على بؤر استيطانية جديد فإن الفلسطينيين أمام معركة قديمة وجديدة مرتبطة بالبؤر الاستيطانية المخلاة، حيث أعلنت جماعات استيطانية عن خطط للعودة إليها.
وكان موقع «زمان يسرائيل» قد كشف قبل أيام عن مخطط استيطاني يقوم على إعادة مئات المستوطنين إلى مستوطنة «افيتار» في جبل صبيح في بلدة بيتا جنوبي نابلس، ومستوطنة «حومش» جنوب جنين، بدءًا من شهر نيسان/ابريل المقبل. وحسب القائمين على الخطة فإنهم نجحوا في تجنيد مئات المستوطنين للمشاركة في تنفيذ المخطط الاستيطاني، ويتوقعون تجنيد المزيد في الأسابيع المقبلة.
وحسب دانييلا فايس، زعيمة حركة «نحالاة» الاستيطانية، التي تشارك في تنفيذ المخطط، إن حوالي ألفي مستوطن سيشاركون في الاحتفالات في بؤرة «افيتار» المقامة في جبل صبيح، مضيفة: «سنعود إلى افيتار ونجدد حياة مستوطنة ضخمة. سنبدأ بإعادة 53 عائلة عاشت هناك حتى الإخلاء الأخير».
يُذكر أن جيش الاحتلال قام بإخلاء بؤرة «افيتار» مؤقتًا في بداية شهر تموز/يوليو 2021 بموجب اتفاقية موقعة بين وزير الجيش، آنذاك، بيني غانتس، والمستوطنين في البؤرة، على أن يتم فحص ملكية الأرض وإن كانت ذات ملكية خاصة لفلسطينيين. وقبل أيام قليلة من مغادرة منصبه في شهر شباط/فبراير 2022 وافق المستشار القانوني لحكومة الاحتلال افيحاي مندلبليت على المخطط، وسمح بإعادة إنشاء مدرسة دينية استيطانية وشرعنة البؤرة الاستيطانية بأكملها.
وتتضمن الاتفاقيات الائتلافية بين حزب الصهيونية الدينية وحزب الليكود بندًا ينص على إعادة المستوطنين إلى بؤرة افيتار الاستيطانية، وإلغاء قانون «فك الارتباط» الذي تم بموجبه إخلاء مستوطنة «حومش» وبالتالي سيكون ممكنًا إعادة المستوطنين للمستوطنة المقامة على أراضي قريتي برقة وسيلة الظهر.
وأثارت خطة الانفصال «قانون فك الارتباط» من جانب واحد (التي أخليت بموجبها مستوطنة حومش والمستوطنات في قطاع غزة) خلافات كبيرة داخل إسرائيل، واتهم معارضوها، ارئيل شارون، رئيس الحكومة حينها، بأنه تنكر لوعود قطعها على نفسه قبل انتخابه رئيسًا للحكومة، وأنه قام بها استجابة لضغوط أمريكية.
قالت دانييلا فايس: «نحن قادمون إلى افيتار وحومش في كل الأحوال، سواءً تم الإعلان عن شرعنتهما أم لا. هذا سيكون الاختبار الأول لهذه الحكومة».
وفي وقت سابق، أعلن أن اتفاق حزبي «الليكود» مع الصهيونية الدينية الذي انضم بموجبه الأخير للائتلاف الحكومي يتضمن بندًا بترخيص جميع البؤر الاستيطانية المقامة بدون ترخيص من جيش الاحتلال في غضون 60 يومًا بعد أداء الحكومة يمينها الدستوري.
الباحث الفلسطيني خلدون محمد يرى أن هناك تحوّلاً جذرياً في سلوك الاحتلال الصهيوني نحو نمطٍ عارٍ متوحش للعنف الاستعماري متخفف من الديباجات الليبرالية.
ويرى أن التدافع السياسي داخل الكيان الصهيوني ما بين «يمين» و«يسار» لا يقتصر على الصراع بين النخب المجتمعية على السلطة الحاكمة في الكيان، وإنّما أيضاً على تحديد نمط إدارة الاحتلال للعنف الاستعماري ضد أهل البلاد.
وقال الباحث خلدون محمد في مقال حمل عنوان «وداعاً للاحتلال الليبرالي» إن «المتمعّن في نمط الاحتلال/ الاستعمار الصهيوني، سيجد أن ميزته الأساسية هي الاستحواذ على الأرض وامتلاكها وعزل أهلها عنها بكل السبل والطرق والحِيَل».
ويضيف: «لا توجد هنا توجهات لتحضير السكان الأصليين، أو التأثير على أفكارهم وعقائدهم ليعتنقوا فكر المحتلّ المستعمِر. فنحن هنا مع حركة استعمارية موغلة في العنصرية، تستمدّ عنصريّتها المثقلة من تعاليمها الدينية، ونصوص توراتها التي تجعل معتنقيها الحصريين السلاليين فوق مستوى البشر، ثمّ من التراث التاريخي الذي سبغ مسار الأقليات اليهودية عبر التاريخ، المسكونة بعقدة الكراهية، فنحن هنا أمام حالة عنصرية مثقلة، لا ترفض الآخرين فحسب، بل تستعلي عليهم وتزدريهم وترى فيهم حيوانات خُلقوا على صورة بشر».
ويرى خلدون محمد أنه مع تولي العنصريين المتطرفين واللّصين الاستعماريين، بن غفير وسموترتش، مناصب حساسة لها تماسّ مباشر بسياسة الاحتلال الرسمية المتعلقة بالفلسطينيين، وهذه السياسة هي مُمَارَسة حاليًّا، ولكن يُراد تعميقها وتكريسها والذهاب بها مراحل متقدمة من القمع والاضطهاد والإجراءات القسرية، والتي تُنذر بأنّ نمط الاحتلال الذي مُورس طيلة العقود الستة السابقة يوشك أن تُطوى صفحته لتنفتح صفحة جديدة لنمط احتلال مختلف، ميزته مزيدا من التوحّش والدموية والعنصرية».
وأضاف: «مع هؤلاء العنصريين الجدد، لم يعُد الاكتفاء بالاستحواذ على الأرض وتحييد ناسها عنها بكافٍ؛ لأنّ لهم حسابات مغرقة في العنصرية ترى في العربي الفلسطيني أيًّا يكن اسمه أو جنسه أو سنّه أو لونه العقائدي أو السياسي (حتى لو كان يشتغل لصالحهم) عدوًّا لدودًا، لهم معه تصفية حساب يعتقدون أنه قد آن أوانها، والأسلوب المقترح هنا لن يتعدّى الإكراه والإرغام والإخضاع وتدفيعه فاتورة دم غالية وباهظة حتى لا يرفع صوته ولا رأسه».