معركة في بيروت بين حرّاس الأخلاق ودعاة المعرفة.. ماذا عن الجنس في ‘أحمر بالخط العريض’؟

حجم الخط
0

زهرة مرعي

فيما المحيط القريب والبعيد عن بيروت يثور طلباً لسلة حريات منها حرية التعبير، وقفت المدينة يوم الأربعاء الفائت على سلاحها في مواجهة حلقة تلفزيونية لبرنامج ‘أحمر بالخط العريض’. وفي مدينة يشاع أنها تنشر الثقافة وتعتنق الحداثة، كاد مدعي عام التمييز أن يتخذ قراراً بمنع حلقة تلفزيونية ارتاب حرّاس الأخلاق والفضيلة في عنوانها. كثر امتشقوا في ذلك اليوم ‘سيف المناعة ضد الجنس’ وراحوا يضربون يميناً ويساراً وهم يصيحون ‘لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى…’ ولكن صبر قناة أل بي سي ممثلة برئيس مجلس إدارتها بيار الضاهر والحوار الذي قاده طوال اليوم مع ‘المراجع الثائرة’ أوصل الحلقة إلى الهواء وجاءت الأمور على خير ما يرام. فليس في الجنس ما يشكل عداءاً للبشر. هو معرفة ضرورية تماماً كما معرفتنا بآلية عمل الجهاز التنفسي، والجهاز الهضمي. فالجنس كما وصفه الطبيب الذي استضافه البرنامج ‘فكرة مقدسة وليس مجرد علاقات جنسية’. كذلك مما قاله ذلك الطبيب بأن ‘التوعية الجنسية تعزز ثقافة الإمتناع’، وهذا ما نريد تسليح أطفالنا به. في التفاصيل، انطلقت ‘ثورة بيروت’ من الإعلان الذي جاء فيه: ماذا عن الدورة الشهرية؟ ماذا عن الأعضاء التناسلية؟ عن الإختبار الأول؟ عن الشعور الأول والقبلة الأولى؟ الجنس.. للأولاد فقط؟ فهذا الإعلان مرّ طبيعياً لدى فئة واسعة من الجمهور، وأثار حساسيات لدى فئة أخرى، أما المنصّبون حراساً على الأخلاق فقد قامت قيامتهم ولم تقعد حتى نهاية ‘أحمر بالخط العريض’ ما بعد العاشرة مساءً. بيار الضاهر إعترف بأن الإعتراض على الجملة الأخيرة من الإعلان الترويجي فيها وجهة نظر، ولهذا صارت خلال ذلك اليوم: ‘التربية الجنسية في المناهج الدراسية للأولاد’. كذلك أسفر ضغط الأمن العام اللبناني عن إلغاء عبارة ‘القبلة الأولى’. تواصل الاشتباك طوال ساعات النهار وحتى بدايات انطلاق الحلقة في حدود الثامنة والنصف، وكأنها مفاوضات بشأن القضايا الكبرى التي تواجه الوطن والأمة العربية. وشكل الأمن العام اللبناني بشخص رئيس مكتب الإعلام والمركز الكاثوليكي للإعلام قطبي هذه المشاورات. أما بيار الضاهر فبقي مصراً على الرقابة الذاتية رافضاً رفضاً قاطعاً للإلغاء. وهو تسلح بأن المعرفة بمواجهة الجهل هي الدافع الأساس للحلقة. كما أنها تجري بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية والجامعة الأميركية في بيروت. ظهرت الحلقة على الهواء مباشرة وربما كان كافة اللبنانيين في تلك الليلة على شاشة أل بي سي يتابعون كيف سيتدبر مالك مكتبي أمر حلقته. كانت البداية مع مجموعة مراهقين بين 12 و16 سنة تناولوا المسألة الجنسية ببساطة متناهية وكذلك بوعي. وهذا إن دلّ على شيء فهو دلّ على أهمية تواصل هؤلاء المراهقين مع ذويهم بانفتاح علمي وبعيداً عن منطق العيب. كما ظهرت في الحلقة مواقف متناقضة جداً للأهل. منهم الرافض قطعاً للمعرفة الجنسية من منطلق ديني وأخلاقي، ومنهم المرحب بالنقاش الصحي والعلمي حول الموضوع الجنسي. وكانت مواجهة بسيطة ومعبره بين الأب الرافض والطبيب الذي قال بأن تقديم المعرفة للطفل تمنعه من البحث عن أفلام جنس تجارية تسيء إليه. لكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود. فهذا الأب رأي في المعرفة الجنسية طريقاً ليأتي ‘الولد بصاحبتو ع غرفتو’. ربما ظن هذا الرجل أن منع المعرفة يؤدي إلى تحصيل حاصل هو وضع المشاعر في ثلاجة بدرجة برودة منخفضة جداً. وهو لم يدخل إلى كنهه أن العارف هو القادر على التحكم بمشاعره، والقادر على إبعاد نفسه عن الهفوات المدمرة في أحيان. المعرفة تؤكد قدسية الجنس المساوية لقدسية الجسد. هذه الحلقة تركت برسم الأمن العام ـ حارس الفضيلة ـ أن يقوم بدوره في منع بيع الأفلام الجنسية للأطفال كما أظهرت الحلقة بالصورة والصوت وخاصة في الأحياء الشعبية. كما على الأمن العام والمجالس الدينية وممثلي الطوائف والجمعيات وحماة حقوق الإنسان أن يتحركوا لموقف ما بشأن زواج حوراء الطفلة في عمر ال11 سنة.

النقاش الصحي حول الجنس يجب أن يتكرر على الشاشات وهو سلاح يجب إشهاره بوجه أعداء المعرفة. غزة محاصرة هل تذكرون؟ شكراً للناشطين الأجانب وشكراً لمراسل تلفزيون الجديد محمد المدهون الذين ذكرونا بأن على الخارطة العربية شعب يعيش معاناة الحصار من قبل العدو والأخ. هم سكان غزة فهل تذكرونهم؟ ففي ظل انشغال الفضائيات العربية بالثورات الانتقائية، تؤججها هنا وتعمل لإخمادها هناك تبعاً للمصالح، يعيش في غزة حوالى مليون ونصف مواطن مأساة يومية، وما من أحد يذكرهم بالخير. هم فقط ناشطون من العالم يستهولون مثل هذا الإجراء الوحشي الذي يقوم به الصهاينة على مرأى ومسمع من العرب، فيأتون إلى غزة تعبيراً عن رفضهم، وإعلاناً لتضامنهم. هذه المرة كان عنوان التضامن صيادي غزة. فهل تعلمون أن سلطات الصهاينة سمحت لهم بالإبحار على مسافة ثلاثة أميال من الشاطئ، ولأنهم لا يعدمون وسيلة تخنق أهل القطاع إلا ومارسوها أصبحت المسافة ميلين عملياً. أما اتفاقيات أوسلو التي تسمى بدولية فتقول بعشرة أميال. ناشطات مسالمات جئن من ألمانيا قررن حماية الصيادين. ركبن القارب أوليفا ومعهن مراسل الجديد. هنّ لسن في وارد التحدي، بل فقط بالوصول مع الصيادين إلى مسافة ثلاثة أميال لا غير. لكن حتى هذه المسافة المسموح بها علناً تواجه حرباً. وهذا ما حصل في البحر. طرادان صهيونيان وجّها مدافعهما المائية الملوثة إلى القارب. وهذا ما صورته كاميرا المدهون ونقله صوته. إنها غزة فهل تذكرونها في نشرات أخباركم؟ أم أصبحت فلسطين قضية باردة؟ تحيا المبادئ عقدت الدكتورة لميس جابر في حضورها على قناة اليوم مقارنة بين ما كتبه صحفيون مصريون قبل الثورة عن النظام، وما كتبوه بعدها. فإذا بهؤلاء الموالين قبل 18 يناير قد استداروا استدارة كاملة بعدها. فهل على الصحافي أن يكون ممالئاً كلياً، أو ماسحاً للجوخ، ومن ثم يناقض ما قاله بين ليلة وضحاها؟ أليس من موقف مبدئي لدى هذا الصحافي؟ وهل كان من أحد يضربه على يده ليمسح جوخاً ويمالئ؟ الدكتورة جابر توقفت عند أحدهم الذي كتب حين عاد حسني مبارك من رحلة علاجه الطويلة إلى ألمانيا عنواناً وبالبونط العريض: عودة الرئيس عودة الروح. وهذا الصحافي نفسه كتب حين أدخل حسني مبارك على حمالة إلى قاعة المحكمة: هو راقد لغرض أم لمرض؟ هم كثر صحافيو التطرف إما هنا وإما هناك. فمن أمعنوا في تقديس ما يسمى الممانعة، قاموا بين ليلة وضحاها بسبها وشتمها ويتواصلون فصولاً. في حين أن القارئ يعرف تماماً الفرق بين قلم وقلم، وبين راكب موجة وصاحب مبدأ. الصحافة كما أوضحت جابر ليست استثارة غرائز. وليس للصحافي إن سلمنا جدلاً أنه مثقف، أن يكون محكوماً لسلطة مهما كان نوعها وعلا شأنها. حينها يفقد حسه النقدي.

في المبادئ أيضاً عرّت الثورات العربية أنظمة وحكاماً، محطات تلفزيونية، مثقفين، صحفيين وسياسيين. فهذه الثورات وضعت المبدأ على المحك. لم يعد المبدأ ساري المفعول هنا، ومصحوباً بلكن هناك. لم تعد النصيحة بجمل من ظالم مستبد ومتسلط لآخر هو بالمقياس نفسه في ممارساته بحق شعبه. كذلك لم تعد الحرية مطلوبة هنا، ونصفها هناك وربعها هنالك. إنها المبادئ. ففي زمن الثورات الانتقائية كان موقف جريء جداً على قناة الجديد لعضو تيار المستقبل وعضو الأمانة العامة لفريق 14 آذار في لبنان مصطفى علّوش حين سئل عن الحرية في السعودية. فقال على الهواء مباشرة: هكذا نظام لا يمكن أن يستمر كما هو حاليا، والدليل الإصلاحات التي شعر الملك بضرورة القيام بها اليوم كمثل دخول المرأة إلى مجلس الشورى. إلى هنا انتهى الحديث مع نانسي السبع. أما التالي فكان اتصالات على أعلى مستوى مع الطبيب مصطفى علوش الذي كان نائباً سابقاً، ومن أبرز تلك الاتصالات من رئيس الحكومة السابق سعد الحريري. من جديد قصد تلفزيون الجديد الطبيب في مستشفاه وتلقفه فراس حاطوم. أكد علوش على مواقفه، ولطّفها مذكراً بالأيادي البيضاء للملكة على لبنان.

إنها ثورة الأرز في لبنان تختار ما تريد من أنظمة ومن ثورات تدافع عنها وتناهضها. فيما هناك همس عن أن علوش الجريء سيدفع ثمن مبادئه عاجلاً أم آجلاً. الثورات معرض، والأنظمة سوبرماركت نختار منها المناسب لنا، ومن الطبيعي حينها أن ندفن المبادئ ونلعن ساعة ولادتها.

صحافية من لبنان[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية