معضلة المواطنين المصريين

حجم الخط
0

تسفي بارئيل

المحكمة التي حكمت بالمؤبد على الرئيس مبارك وعلى وزير الداخلية الاسبق حبيب العادلي، ولكنها برأت ساحة نجلي مبارك علاء وجمال وكذا مساعدي وزير الداخلية فاجأت الخبراء القانونيين المصريين وخيبت أمل الجمهور. أساس خيبة الامل تنبع من الفارق الذي بين إحساس الجمهور الرواية التاريخية التي بنيت على مدى أكثر من 30 سنة عن دور مبارك الرئيس في تدهور مصر الى دولة فساد وقمع، عن ‘اغتصاب الدولة’ وعن ‘المسؤولية عن الجرائم الوطنية، وبين القرار الذي ضمن امور اخرى برأ ساحة نجلي مبارك، رمزي الفساد. أحدهما، جمال، وتطلعه الى خلافة مبارك، اشعلا النار تحت قدر الثورة. اجراءات ديمقراطية، المحاكمة وسلطة القانون هما جزء جوهري منها، من شأنها ان تكون مخيبة جدا للامال. وبالنسبة للجمهور المصري، الذي كان يتعين عليه أن يعاني على مدى الاجيال من طريقة قضاء قمعت بشكل عام حقوقه فان هذه معضلة هائلة. فبين قبول قرار المحكمة كجزء من الثورة التي منحت الجمهور قوته وبين الحساب مع التاريخ الذي ينبغي أن يعتمد الان على ذات القوانين التي سنت في عهود القمع، على قواعد الادلة، على الحجج الفنية وتمنح في نفس الوقت المتهمين الحقوق، فان الاحساس ‘بالعدل’ يضيع. مشكوك أن يكون اي قرار، باستثناء عقوبة الاعدام، سيرضي احساس الثأر الذي يعتور اجزاء واسعة من الجمهور. ولكن لهذه المحاكمة توجد أهمية هائلة تتجاوز معاقبة مبارك والموالين له. فهذه هي المرة الاولى التي يعاقب فيها رئيس مصري من محكمة في اجراء يعتبره الجمهور نقيا من التحيز. فمبارك هو رئيس الدولة الوحيد من بين الزعماء الذين اسقطوا في الثورات لم يهرب من الدولة (مثل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي)، لم يقتل (مثل معمر القذافي)، لم يعقد صفقة لنقل حكمه وانقاذ حياته (مثل الرئيس اليمني علي عبدالله صالح) وبالاساس لم يختر الحرب المضرجة بالدماء ضد المواطنين كي يحافظ على حكمه (مثل بشار الاسد). محاكمة مبارك هي رسالة هامة على نحو خاص لكل رئيس مصري سينتخب بعد نحو اسبوعين. كما أن هذه رسالة هامة، للجمهور الذي استلم في يديه صلاحية الرقابة، الاشراف والعقاب لكل رئيس وكل نظام يحاول أن يعيد مصر الى عهد الحكم المطلق. وفي نفس الوقت، فان هذه المحاكمة وقرار الحكم هما اشارتا تحذير هامتان للزعماء وللجماهير في دول عربية اخرى. قرارات المحكمة لا تنهي بعد الاجراء القضائي. محامو مبارك أعلنوا عن نيتهم الاستئناف، ولكن السابقة تقررت. القرار يمكن أن يستخدمه الجيش، الذي تلقى انتقادا جماهيريا على مواصلته الدفاع عن النظام القديم. يمكن للمجلس العسكري الاعلى الان أن ظهر نقاء اليدين وكونه سندا مناسبا للجمهور في فترة ما بعد الثورة ايضا. في الاشهر الاخيرة طرأ ايضا تآكل في مكانة الجيش الذي كان ‘حليف الثورة’، كما وصفه الثوار. على خلفية صراعه المرتقب ضد البرلمان الاسلامي، كان مهما للجيش أن ينهي محاكمة مبارك بسرعة كي يتمكن من اعادة بناء شرعيته الجماهيرية. هآرتس 4/6/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية