معضلة تركيا الدفاعية.. لا تخلي عن “إس 400” ومساع لاقتناء “باتريوت” وعودة مفاجئة لـ”سامب”

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول- “القدس العربي”: لا تزال تركيا تحاول التغلب على معضلتها الأزلية المتمثلة في حاجتها الماسة لامتلاك منظومات دفاعية متطورة وكافية لحماية أراضيها ومنشآتها الحيوية في حال حصول أي مواجهة عسكرية أو تعرضها لمخاطر خارجية، حيث أعادت الحرب الروسية على أوكرانيا الجدل حول هذا الملف الاستراتيجي إلى الواجهة مجدداً في الأطر السياسية والعسكرية داخل تركيا وعلى الصعيد الدولي أيضاً.
وبينما جددت تركيا رفضها بشكل قطعي التخلي عن منظومة إس 400 الدفاعية التي اشترتها من روسيا، تؤكد أنها ما زالت منفتحة وتسعى للحصول على منظومة باتريوت الأمريكية، بالتزامن مع العودة المفاجئة للحديث عن امتلاك منظومة سامب الأوروبية، بالتوازي مع تسريع جهود تطوير منظومات دفاعية وطنية أبرزها “حصار”.
لا تخلي عن إس 400
في خضم الحرب الروسية على أوكرانيا، وبينما كانت تركيا تبحث عن مزيد من الأنظمة الدفاعية التي تساعدها في الدفاع عن أراضيها في حال وقوع أي هجوم أو وصول ارتدادات الحرب إلى أراضيها، تسربت أنباء غير متوقعة عن طلب أمريكي من أنقرة بالتخلي عن منظومة إس 400 الروسية ومنحها إلى أوكرانيا، مقابل تسهيل بيع تركيا منظومة باتريوت وإعادتها إلى برنامج طائرات إف 35.
هذا المقترح الذي لم يحسم ما إن كان قد قُدم بشكل رسمي أم لا إلا أنه وصف في تركيا بـ”الساخر” بينما اعتبره آخرون “مؤامرة” تهدف إلى الزج بتركيا في أتون الحرب مع روسيا، وعقب أيام من الجدل عبر كبار المسؤولين الأتراك عن رفضهم المطلق للتجاوب مع هكذا طلبات، مشددين على أن بلادهم لن تتخلى تحت أي ظرف من الظروف عن منظومة إس 400 الدفاعية الروسية.
وعقب الرئيس رجب طيب أردوغان على هذه الأنباء بالقول: “في ملف إس 400 كما قلنا في البداية إن هذا الموضوع أغلق، نقول اليوم نفس الشيء.. هذا الموضوع أغلق بالنسبة لنا، هذه ممتلكاتنا الدفاعية الخاصة، انتهى الأمر”. وعلى الرغم من أن تركيا تؤكد احتفاظها بالمنظومة الروسية إلا أنها لم تعلن حتى اليوم عن إدخالها الخدمة بشكل رسمي، لكن تكهنات مختلفة تشير إلى أن المنظومة جاهزة للاستخدام وتشكل إضافة مهمة للنظام الدفاعي التركي دون الإعلان رسمياً عن إدخالها الخدمة لتجنب مزيد من الصدام مع الإدارة الأمريكية.
مساع لاقتناء باتريوت
عدم إدخال تركيا لمنظومة إس 400 الخدمة الفعلية يهدف إلى منع التصعيد مع الإدارة الأمريكية وإبقاء المجال مفتوحاً أمام احتمالات الحصول على منظومة باتريوت الدفاعية التي تؤكد أنقرة أنها منفتحة ومستعدة لاقتنائها إلى جانب منظومة إس 400 وليس بديلاً عنها وذلك لتحقيق تنوع مهم في النظام الدفاعي العام.
وخلال مشاركته في قمة زعماء حلف شمال الأطلسي الناتو، طالب أردوغان دول الحلف وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية بإنهاء كافة العقوبات الدفاعية المفروضة على تركيا، وهو ما اعتبر بمثابة ضغط تركي جديد على واشنطن لبيع تركيا منظومة باتريوت والتي رفضت بيعها لأنقرة طوال السنوات الماضية بمبررات مختلفة. كما لفت أردوغان إلى أن مباحثات شراء بعض الأسلحة من أمريكا “تسير بشكل جيد”.
وعلى الرغم من عدم وجود أفق واضح لإمكانية التوصل إلى حل قريب يمكن أن يتيح لتركيا امتلاك باتريوت، إلا أن حلولا وسط يجري التباحث حولها لأزمة طائرات إف 35 وذلك عبر بيع تركيا طائرات إف 16 وتحديث أسطول تركيا القديم من هذه الطائرات لإنهاء أزمة الأموال التي دفعتها تركيا في برنامج طائرات إف 35 وهو المقترح الذي يتفاءل محللون بإمكانية تطبيقه قريباً والذي في حال نجاحه يمكن أن يمهد لحل آخر مشابه يمكن أن يتيح بيع تركيا منظومة باتريوت.
عودة مفاجئة لـ”سامب”
وفي ظل الأجواء الإيجابية التي عكستها الحرب الروسية على العلاقات التركية الغربية، عاد الحديث مجدداً عن تفعيل منصة التعاون الثلاثي بين تركيا وفرنسا وإيطاليا وبالتالي عاد الحديث عن التصنيع المشترك للدول الثلاث لمنظومة سامب الدفاعية وهو تعاون قديم تجمد بفعل الخلافات التركية الفرنسية في السنوات الماضية.
وخلال قمة الناتو الأخيرة ببروكسل، التقى أردوغان نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي الذي أعلن قرب استئناف العمل بمنصة التعاون الثلاثي. وقال أردوغان إنه ناقش إمكانية شراء منظومة الدفاع الصاروخي سامب-تي من كونسورتيوم يوروسام الفرنسي الإيطالي مع الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء الإيطالي.
من جهته، أعلن وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، أن فرنسا وإيطاليا تفكران بشكل جدي أكثر في تنفيذ التصنيع المشترك لمنظومة الدفاع الجوي “سامب ـ تي” (SAMP/ T) في تركيا، وأوضح في كلمة على هامش منتدى الدوحة أن لقاء أردوغان مع ماكرون ودراغي تركز حول قضية منظومة سامب الدفاعية.
يشار إلى أن وزارات دفاع تركيا وفرنسا وإيطاليا وقعت في 8 يناير/كانون الثاني 2018، اتفاق “إعلان نوايا” حول تعزيز التعاون في مجال تصنيع أنظمة صواريخ دفاعية بين البلدان الثلاثة. وبموجب الاتفاق، ستبدأ شركة “يوروسام” الفرنسية- الإيطالية والشركات التركية المختصة بأعمال البحث عن منظمة تستند إلى نظام الدفاع الجوي الأوروبي “SAMP/T” لتحديد الاحتياجات المشتركة بين الدول الثلاث. ويهدف الاتفاق أيضًا للتعاون في مجال الأنظمة الإلكترونية العسكرية، والبرمجيات ومعدات الاتصالات، وتعزيز التعاون في مجال أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي والتكنولوجي.
منظومة “حصار” الوطنية
وبالتوازي مع مساعيها لامتلاك منظومات دولية مختلفة، تواصل تركيا مساعيها الحثيثة من أجل تطوير منظومة دفاعية وطنية تلبي احتياجاتها الدفاعية المختلفة وتخرجها من دائرة التجاذبات الدولية لا سيما الأمريكية والروسية لتحقيق أعلى مستوى ممكن من الحماية الدفاعية عبر أنظمة وطنية تؤمن لها الاستقلالية في قرار وأماكن وحدود نشرها واستخدامها.
ورغم تحقيقها تقدما لافتا في برنامج منظومات حصار الدفاعية قصيرة ومتوسطة المدى ومساعيها لتطوير نسخة بعيدة المدى، إلا أنها ما زالت بحاجة إلى سنوات من العمل والتطوير للوصول إلى منظومة دفاعية متكاملة قادرة على سد حاجاتها الدفاعية بكفاءة كاملة، وإلى حين ذلك تبقى تركيا بحاجة إلى تأمين منظومة دفاعية متطورة وإدارة التوازنات الدولية في هذا الإطار.
ومنذ سنوات تشرف شركتان كبيرتان تتبعان للصناعات الدفاعية على تطوير منظومة حصار للدفاع الجوي من أجل الوصول إلى منظومة وطنية تركية، حيث تتولى هذه المهمة الشركة التركية للصناعات الإلكترونية العسكرية “أسيلسان” التي تطور الرادار ولوحة التحكم والإطلاق، والشركة التركية للصناعات الدفاعية “روكيتسان” التي تتولى تطوير صواريخ المنظومة، كما تشرف شركات صناعات دفاعية على برامج مختلفة لتطوير أنظمة دفاعية مختلفة لكنها ما زالت في مراحلها الأولى وبحاجة إلى عدة سنوات لترى النور وتدخل الخدمة العسكرية بالفعل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية