معن ابو طالبشعر جميل بقلبه يهبط، وأطرافه تبرد، عندما أدرك أنه يوماً ما، عندما يموت، سيدفن بجانب أخيه عمر.
كان عمر قد مات قبل ثمانية أعوام، ولم يفتقده جميل أبداً، بل لما علم خبر موته، ذاك اليوم عندما كان عمره سبعة عشر عاماً، تذكر بوضوح كيف تنفس الصعداء سراً.
لم يكن عمر وغداً أكثر من جميع الإخوة الكبار. نعم كان متسلطاً، نعم كان يقمع جميل ويحبطه ويسخر منه، ولكنه كان أيضاً يدافع عنه في وجه أولاد الحارة. كان أخاً كبيراً مثل كل الأخوة الكبار.
بغض النظر، بدا بالغاً في الظلم لجميل فكرة أن عليه تحمل سلطة وقمع عمر من لحظة موته وإلى الأبد. عرف جميل عن هذه الجريمة التي سترتكب بحقه عندما سمع ‘الَحاجّة’ تشكو من عدم وجود مقبرة لعائلتها، وكيف أنها ‘ميتة قبل أن تموت’ خوفاً من أن تدفن مع غرباء. ولذا جعلت ‘الحاج’ يشتري 20 متراً مربعاً في مقبرة سحاب لتدفن العائلة كلها معاً. وكانت قد وضعت ترتيب قبورهم واحداً واحداً في رسم متقن. وكان كما يلي:
في شمال العشرين متراً مربعاً كان قبرا الحاج والحاجة متلاصقين. داخل المستطيلين وضعت كلمات (الحاج) و(الحاجة). ثم تحتهما رسمت الزيتونة الموجودة فعلاً في الأرض. على يمين الزيتونة كان قبر عمر، ثم جميل بجانبه. وعلى يسار الزيتونة كان قبرا الأخوة الأصغر، رشا وخالد. ثم كان هناك صف من المستطيلات لم توضع عليها أسماء بعد. *’وهظول لنسوانكو وولادكو’. مر جميل بفترة عصيبة في إثر المعلومات الجديدة. فهو لا يريد أن يدفن أبداً – يفضل حرق جثته أو رميها في البحر الميت – ويخيفه أكثر ما يخيفه أن جسده سيكون تحت تصرف أشخاص، ولن يكون هو أحدهم. ثم هل يتحتم عليه أن يتحمل قرف أخيه إلى الأبد؟ هل سيسمع عن ‘كيف قلب على الدرج يوم الثلجة الكبيرة’ إلى الأبد؟ هل سيضطر إلى أن يشرح – إلى الأبد، أو على الأقل حتى يوم البعث، حيث سيحلق، حاملاً كتابه بيمينه، أبعد ما يكون عن أخيه – كيف سمح لذاك الصبي البائع المتجول بأن ‘يستعير’ دراجته؟ وسيضطر إلى أن يشرح ويشرح ويشرح، بلا نهاية، رافعاً صوته فوق قهقهات أخيه؟
اكتأب عمر. وبدا له أن الطعام فقد طعمه، وأن الموسيٍقى فقدت عذوبتها، وأن الفتيات فقدن أنوثتهن. توقف عن الذهاب إلى الجامعة. ‘ما الفائدة؟’ فمهما فعل، ستكون نهايته في قبر مظلم ضيق، بجوار أخيه عمر.
يا لها من كارثة.* (رسم الحاجة)(بعد 5 سنوات على إدراك الكارثة)ولكن الكوارث تحصل، وتستمر الحياة. أليس كذلك يا جميل؟- نعم، ولكن هذه كارثة أبدية. هل تفهم؟ أبدية! يعني إذا مرت السنون وتفتتنا وتحللنا وباتت عظامنا كلساً في تربة خصبة، ونبتت شجرة فوق قبرينا، سنكون أنا وعمر جزءاً من تلك الشجرة، نوعاً من إعادة الخلق كما يؤمن البوذيون. وهل تريدني عندها، أن أكون ورقة شجر، أو غصناً أو شيئاً من لحاء هذه الشجرة بجانب عمر؟ أن أكون أنا وإياه جزءاً من منظومة واحدة؟- كأنها شجرة عائلة أخرى.- نعم. وأنا لا أريدها. ولا أريد أن أكون قرب عمر. ولا أريد أن أدفن، ولا أريد أن أموت.
فما الحل إذن يا جميل؟ ها هي الحاجة قد ماتت، وأخذت مكانها في خارطة القبور تماماً كما كانت تخطط. وها هو أبوك سيموت قريباً، وأنت تعرف أنه لا يريد أن يدفن هناك، ولكنه على عكسك، يدرك أن هذه معركة خاسرة. وسيتم دفنه بالضبط في المكان الذي عينته الحاجة. ثم أتريد فعلاً أن ترفض طلباً للحاجة؟- لا أعرف لا أعرف لا أعرف. ولا أريد أن أفكر في هذه المواضيع. رجاء لا تفتح معي الموضوع مرة أخرى. لقد فكرت به بما فيه الكفاية. وأضعت الكثير من الوقت مكتئباً.- ستتساقط أنت وإخوانك لا محالة، وستأخذون أمكنتكم واحداً واحداً في التقسيم الذي رسمته الحاجة. سواء رغبت في ذلك أم لم ترغب. وإذا كبّرت عقلك قليلاً، ستجد أن هذه الفكرة ليست بذاك السوء. فستساعدك الحاجة أثناء استجوابك، وسيشهد لك الحاج بالبر والتقوى (حتى لو لم يكن هذا صحيحاً تماماً) ويمكن أن تعيش أنت وعائلتك كما كنتم تعيشون هنا في الحياة الدنيا، بل، وإذا لم تحصل هناك حوادث مبكرة، سيصل أفراد عائلتك إلى العشرين متراً مربعاً واحداً واحداً حسب الترتيب العمري، ومن ثم الزوجات والأحفاد تماماً كما تصل الزوجات والأحفاد في الدنيا؟ وهل تريد أن تحرم الحاجة من حفيد يا جميل؟- وعندها، بعد أن يكتمل النصاب ويلتم الشمل، يأتي يوم البعث، ونرحل كلنا معاً. كما تمنيت أنا دوماً، أن نرحل معاً إلى كندا.- بالضبط. كلكم معاً، إلى كندا.
كثيراً ما تكون أشد الأمور وقعاً علينا هي استنتاج ما غافلنا لسنوات، أو مجرد فكرة. وهكذا كان الأمر مع جميل، فهذه الصورة في ذهنه. هو راقد إلى أبد الآبدين بجوار أخيه عمر، لا عمل ولاتسلية لهما إلى بعضهما بعضاً، كانت كفيلة بأن تجعل حياته اليومية جحيماً. كان لا بد أن يجد حلا ً.
يصفّ جميل سيارته ويترجل منها. يصل إلى العشرين متراً مربعاً ويقف على طرفها الجنوبي. يتأهب كأنه سيدخل بيتاً. ينظر إلى البقعة المهذبة. يرى قبر أمه وأباه، وقبر عمر. باقي الصف خالٍِ والحمد الله سوى قبر واحد في الصف الثالث، قبر ابن أخيه خالد. ضحية حادث مبكر، زيارة ليست بموعدها من ذاك الوغد، الموت.
دخل جميل بيت العائلة الجديد. تذكر أصوات أمه وأبيه وأخيه. تخيل نوع الحديث الذي يدور بينهم الآن. اشتاق إلى الحاجة، وإلى الحاج، وتغاضى عن التفكير بعمر. نظر إلى يده بعروقها النافرة، عصاه، سيارته، ابنه، ونظر إلى شجرة الزيتون، ثم تذكر أنها ليست مصيبة. كل ما عليه فعله هو إحداث تعديل بسيط على مخطط بيت العائلة. تعديل جديد على غرفته. أمر بسيط لا يتعدى طلبه من الحاج قبل سنوات عديدة أن يضع له شباكاً غربياً في غرفته في بيتهم الجديد. لم يعترض الحاج وقتها، ولن تعترض الحاجة الآن. دخل إلى الرقعة ووقف فوق قبر عمر. وضع الضوء الخافت بجانب قبر أخيه وركزه فوق طوب وقف متأهباً. عاد إلى سيارته وأخرج معوله وبدأ يحفر.
كان الجو بارداً وكانت ليلة معتمة ً وحلقت طيور غريبة لم يتمكن من تصنيفها وتطاير وشاحه على وجهه. لم يقف ليفكر أو يحسب بل بدأ بالحفر. حفر بحركات قوية وسريعة وما كانت إلا دقائق حتى أصبح على عمق حوالي نصف متر. انساب على جسمه عرق بارد ولفحته الرياح في جبينه. استمر بالحفر، وهنا، وللمرة الأولى من أعوام عديدة، رأى عمر. هبطت درجة حرارته وشعر أن قلبه قد توقف للحظة ولكنه استمر دون تردد. كان تصميمه عظيماً وإرادته أقوى من كل رادع. فعدم قيامه بمهمته هذه يعني عذاباً أبدياً لا يستحقه. حفر وحفر وبدأ عمر يظهر أكثر شيئاً فشيئاً. استمر بالحفر دون أن ينظر ملياً. كأنه في مكان آخر، وكأن ميكانيكية جسده لا تمت له بصلة. مجرد عظام وعضلات وأربطة وأوتار تلبي زراً ما على لوحة تحكم.
ظهر عمر بأكمله الآن. وقفت آلة العضلات والعظام والأربطة. نظر جميل إلى بقايا عمر أسفله، وشعر بالرعب. فلقد كانت قدم عمر، تداعب قدمه، وكان وجه عمر يضحك.- ليش بتضحك؟- من كل عقلك بدك تنقلني؟- آه. زي ما خليت أبوي يغير غرفنا وإحنا صغار.- بس هالمرة الحاج ما وافقلك. أخذت إذنه؟ إذا أخذت إذنه أنا هسه بحمل حالي وبروح.- خلص اسكت!- هلأ بصحّي الحاج وبسأله.-لأ!- يا حاج!- ولك اسكت، اسكت!- يا حاج! تعا شوف جميل شو بده يسوي.- اسكت!
وهبط جميل على ركبتيه محاولاً أن يصل إلى فم عمر لإسكاته، ولكنه لم يستطع، فمد جذعه ولكنه لم يستطع أيضاً. فما كان منه إلا أن هبط بأكمله على جسد أخيه ووضع يديه على وجهه لإسكاته. هكذا تمدد جميل على عمر كأنهما عشيقان. كان عمر يضحك وجميل يصرخ محاولاً تغطية فم عمر. ضم عمر جميل وأخذ يضحك أكثر ويقول عابثاً – فوق صرخات جميل:
أخوي حبيبي. أخوي حبيبي.
وأخذ جميل يتخبط بين ذراعي عمر العظميتين العاريتين ولم يستطع الهروب. أخذ يتخبط ولكن أخاه الأكبر كان أقوى وكان مسيطراً. ركل ورفس ودفع عمر لكن لا محالة. أحكم عمر القبضة عليه، وتعانق الأخوان وحضنا بعضهما بعضاً. انهار جميل وبدأ بالبكاء. أخذ يشهق بصوت مرتفع ويبكي بمرارة. تغيرت نبرة عمر وقلـّتْ سخرية. وأخذت يده تمهد شعر جميل:
أخوي حبيبي.
طلع الفجر، وجاء العامل في المقبرة ليكمل العمل على بناء صغير فوجد الضوء على الطوب والقبر المنبوش ووجد شاباً ميتاً وفّر عليه من العمل الكثير.