من مراسم وضع حجر أساس الوحدة الثالثة لمحطة "أق قويو" النووية- أرشيف
إسطنبول– “القدس العربي”: على الرغم من وصول الصادرات التركية في النصف الأول من العام الجاري لأعلى مستوى تاريخي لها على الإطلاق إلا أن عجز الميزان التجاري سجل مجدداً اتساعاً بسبب المعضلة التاريخية للاقتصاد التركي والمتمثلة في القيمة الباهظة لفاتورة الطاقة التي تبلغ قرابة 40 مليار دولار سنوياً بالإضافة إلى استيراد الكثير من المواد الخام المستخدمة في الصناعة من الخارج وهو ما يبقي الاقتصاد التركي تحت الضغط الدائم على الرغم من النمو والتوسع المتواصل.
والجمعة، قالت وزارة التجارة إن العجز التجاري التركي اتسع 1.04 بالمئة على أساس سنوي إلى 2.89 مليار دولار في يونيو/حزيران وفقا لنظام التجارة العام، بينما انخفض 11.4 بالمئة إلى 21.16 مليار دولار في النصف الأول وهو ما يعني أن العجز السنوي العام سيكون بحدود 40 مليار دولار وهي القيمة التقديرية لفاتورة استيراد الطاقة وهو ما يظهر أصل المشكلة التي يعاني منها الاقتصاد التركي الذي لو نجح في التخلص مع أعباء فاتورة الطاقة سيمكنه من قلب الميزان التجاري لصالحه بسهولة وهو أمر لا يبدو متاحاً في الأفق المنظور.
كما أدى انخفاض الليرة التركية بشكل كبير وتدريجي طوال السنوات الماضية إلى زيادة عبء فاتورة الطاقة على الاقتصاد التركي بشكل كبير جداً وهو ما ظهر على شكل ارتفاع كبير في نسب التضخم عقب ارتفاع الأسعار حيث تعتمد المصانع على استيراد المواد الخام والطاقة بالدولار من الخارج، وهو ما رفع بدوره من مستوى الديون العامة. وبعد أن كانت الحكومة التركية عام 2010 تحتاج إلى 1.6 ليرة لشراء دولار لدفع فاتورة الطاقة، باتت اليوم بحاجة إلى 8.7 ليرة مقابل كل دولار لسداد فاتورة الطاقة بالخارج.
وإلى جانب معضلة الطاقة، تظهر معضلة أخرى تتعلق باستيراد مواد خام أساسية لازمة للعديد من الصناعات من الخارج وهو ما يدفع نحو وجود ارتفاع في الواردات مع كل ارتفاع جديد في الصادرات. فبينما ارتفعت الصادرات في يونيو 46.9 بالمئة إلى 19.77 مليار دولار، ارتفعت الواردات أيضاً 38.9 بالمئة على أساس سنوي إلى 22.66 مليار دولار في يونيو حزيران.
والجمعة، قال وزير التجارة محمد موش، في مؤتمر صحافي بالعاصمة أنقرة، إن الصادرات زادت 40 بالمئة في الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، وبلغت 105 مليارات دولار، لافتاً إلى أن أرقام الصادرات سواء على أساس شهري أو ربع أو نصف سنوي، تعد الأعلى في تاريخ الجمهورية.
العجز اتسع رغم وصول الصادرات لأعلى مستوى تاريخي
وقال الوزير: “مع خطوات عودة الحياة إلى طبيعتها، نعتقد أننا سنتجاوز هدف عام 2022 البالغ 198 مليارا وننقل صادراتنا إلى ما يتجاوز 200 مليار دولار”، مشيراً إلى أن الصادرات النصفية إلى دول الاتحاد الأوروبي زادت بنسبة 42% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وبلغت 44 مليار دولار، في المقابل ارتفعت الواردات بنسبة 27.5 % في النصف الأول من العام الحالي مقارنة بالفترة ذاتها من 2020، وبلغت 126.1 مليار دولار.
وفي السنوات الأخيرة، تتنامى في تركيا على نطاق واسع دعوات من أجل العمل بكافة الطرق من أجل معالجة معضلة عجز الميزان التجاري التي ترهق الاقتصاد التركي، وسط إجماع من مختصين على أن الحل يبدأ بالتوفير والاستقلالية التدريجية في الطاقة، إلى جانب تعزيز صناعات المواد الخام كونهما أبرز مصدرين لاستنزاف العملة الصعبة من تركيا وبالتالي توسيع العجز في الميزان التجاري.
وفي محاولة للتغلب على معضلة فاتورة استيراد الطاقة من الخارج، لجأت تركيا في السنوات الأخيرة إلى عدة مشاريع لبناء محطات للطاقة النووية السلمية من أجل توليد الكهرباء أبرزها مشروع محطة أق قويو النووية التي يتم بناؤها بالتعاون مع روسيا ويتوقع أن تنتهي مرحلتها الأولى عام 2023، إلى جانب مشروعات كبرى لتوليد الطاقة من الهواء ومشاريع الطاقة الشمسية، إلى جانب مشروع ضخم جداً لبناء عشرات السدود لتوليد الطاقة الكهربائية من قوة دفع المياه.
لكن المشاريع السابقة تبقى بعيدة المدى ولا تستطيع أن توفر الكثير من فاتورة الطاقة الأساسية من البترول والغاز الطبيعي وهو ما دفع الحكومة التركية أكثر للتركيز في السنوات الأخيرة على عمليات التنقيب عن الغاز والنفط في البحرين الأسود والأبيض المتوسط وجرى شراء وبناء عدد من سفن الأبحاث والتنقيب والتي تقوم منذ سنوات بعمليات بحث واسعة في البحر الأسود وحتى شرق المتوسط في محاولة للوصول إلى مصادر الطاقة التي يعتقد أن المنطقة غنية بها، رغم حجم المخاطر السياسية والعسكرية التي رافقت العملية وما وصلت إليه الأمور من إمكانية الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة وواسعة مع اليونان وربما دول أخرى مطلة على المتوسط، قبل أن يبدأ الحديث عن اكتشافات هامة لمصادر الطاقة.
والشهر الماضي، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اكتشاف جديد للغاز الطبيعي في البحر الأسود حيث كثف أسطول البحث والتنقيب التركي عملياته في العام الأخير. وأوضح أردوغان أن سفينة فاتح التركية للتنقيب اكتشفت احتياطيا للغاز يبلغ 135 مليار متر مكعب في حقل “أماسرا 1” قبالة ولاية زونغولداك على البحر الأسود، ليصل بذلك احتياطي الغاز الطبيعي الذي أعلنت تركيا اكتشافه مؤخراً إلى 540 مليار متر مكعب.
هذا الرقم تقول التقديرات التركية إنه مهم ويكفي حاجة البلاد لأكثر من 7 سنوات وتبلغ قيمته عشرات مليارات الدولارات، إلا أن خبراء لا يقللون من أهمية الاكتشاف يؤكدون أن تركيا بحاجة لاكتشافات أكبر بكثير ومتنوعة بين الغاز والنفط وسنوات من العمل لتبدأ في حصد نتائج حقيقية تنعكس على شكل تغير حقيقي في الميزان التجاري لصالح تركيا.
والجمعة جدد أردوغان إصرار بلاده على الاستمرار في عمليات التنقيب في شرق المتوسط رغم التوتر الذي كاد أن يتحول لمواجهة عسكرية مع اليونان، وقال في كلمة له: “سننتزع حقوقنا المشروعة وسنقوم بأعمال التنقيب في كافة بحارنا لا سيما شرقي المتوسط ومحيط قبرص”.