معضلة نائب رئيس الجمهورية في مصر
محمد عبد الحكم ديابمعضلة نائب رئيس الجمهورية في مصر وجه أسامة الباز مستشار حسني مبارك إهانة كبري لكل المصريين، ولا يمكن لأي شخص مهما تردي وضعه أن يمارس عملا مشينا، بهذا المستوي، دون أن يخضع لضغط أو ابتزاز، وملخص التصريح المهين الذي جاء علي لسان المستشار الرئاسي أن حسني مبارك علي استعداد للاعتزال إذا وجد من يخلفه ، وفضلا عما فيه من استخفاف زائد بالعقول، واستهتار يتجاوز أقدار الناس. فإن فيه إهانة بالغة لقائله، ويحمل في ثناياه إهانة أبلغ لحسني مبارك نفسه، لأنه بهذا القول المتهافت يخاطب أحد أعرق الشعوب، ويفترض غيابه وعدم وجوده، وإلا كان قد اختار من بينه من يخلفه!!، ولو أنه شخص طبيعي لعرف أن الشعوب الغنية بقدراتها البشرية لن تعدم الآلاف، إن لم يكن الملايين، القادرة علي الإدارة والحكم، وبها العديد الذين يخلفون من هم أكبر من حسني مبارك منزلة وأكثر قدرة وأوفر ذكاء، فالنساء لم يعقمن بعد عن حمل من هم مثله، ولم تتوقف أرحامهن عن إنجاب من يصلح لحكم مصر. ولم تجف ضروعهن فلم يجد المصريون ما يكفيهم ليقوموا مقام هذا الرئيس.وهذا الذي ليس بغريب علي حسني مبارك، فيه بعض الغرابة من المستشار الرئاسي، ولهذا سألنا بعض من هو علي معرفة به فأكد بأنه لم يكن في حالته الطبيعية، وترك لنا استنتاج الباقي، أكان تحت تأثير مخدر أو عقار أو سائل يتعاطاه، لظرف أو لآخر، أم أن حالته الذهنية تعطلت بسبب وضعه النفسي والصحي المتدهور، وحسني مبارك يصدر منه مثل هذا القول كثيرا. فما زال المصريون في بريطانيا يذكرون رده علي سؤال من أحد الحضور، في لقاء بالسفارة المصرية بلندن، لجماعة منتقاة، في تسعينات القرن الماضي.. وكان السؤال حول عدم وجود نائب له، فرد باستخفاف معهود هات لي اثنين قلبهم علي البلد وأنا أعين واحد منهم . عقب السائل: ما السيد صفوت الشريف موجود ، وكان يجلس بجوار حسني مبارك، فرد بسخرية مستهجنا إبقي عينه أنت !!.وقد نعتبر أن ما ورد علي لسان أسامة الباز نوع من اللغو، لأن القاصي والداني يري الأمور وقد دنت بالكامل لـ النجل ليرث حكم أبيه في حياة عينه ، إلا أن هناك مصادر أخري عزت صدور هذا التصريح، إلي وضع خاص نشأ داخل القوات المسلحة من جراء تدخل الرئيس الموازي في شؤونها، وتمكنه من السيطرة علي الحرس الجمهوري، وهذا الوضع أصبح ضاغطا لدرجة لم يجد معها حسني مبارك إلا إطلاق هذا التصريح، الذي يحمل من التدليس أكثر مما يحمل من الاستقامة، في محاولة لامتصاص غضب يبدو أنه يزيد بين أفراد القوات المسلحة، إلي أن تمر مرحلة الانتقال المطلوبة بسلام، وتكتمل بعدها مراسم تتويج ولي العهد الجمهوري في الوقت المناسب. ومن أجل أن يخفف من التأثير السلبي لصور البذخ الذي ظهر بها حفل الخطوبة الملكية لـ النجل علي خديجة الجمال كريمة أحد حيتان المال والأعمال والمقاولات، باعتبارها خطوة مطلوبة لاعتلاء العرش الجمهوري ، بعد تأجيل انتخابات المحليات لما بعد السنتين المطلوبتين لاستكمال التأهيل، وعندها سوف يكون النجل المرشح الذي لا ينازع، في ظل قيود المادة 67 المصممة علي المقاس. وهنا تشير أوساط مطلعة أن الرئيس الموازي كان قد تخلي عن فكرة الزواج، لأسباب لم يتم الإفصاح عنها بعد. النية في تعيين خليفة أو البحث عنه، خارج العائلة، غير متوفرة أصلا، ولو كانت متوفرة لطبق النص الدستوري الذي يحض علي تعيين نائب أو أكثر للرئيس، وما أتاح لأسرته هذا التمكن من السلطة والمال والنفوذ، دون حق دستوري أو قانوني، والسلطة آلت لـ النجل بالتعيين دون رغبة ولا تزكية من أحد، غير الأب والأم والأخ، ولم يجرؤ علي دخول الانتخابات ليكسب لنفسه درجة من الشرعية.. لم يتعود علي الاحتكام لأحد، لأنه نشأ في مناخ جعل الاستبداد يجري في دمه، وبدا وكأن التعالي في تركيبه الجيني، أما التكويش فهو طبيعة مغروسة فيه من الصغر.. لم يسمع عنه أحد قائدا طلابيا أثناء الدراسة، ولا التميز بين الأقران. وما يعرف عنه أنه يعاني رُهَاب الجموع والخوف المرضي من الانتخابات. وهو ما يمكن تعريفه بـ فوبيا الشعب ، حتي حينما وجد من ينـــصحه بالتغلب علي هذه العــقدة، بحضور مباراة كأس الأمم الإفريقية، لم يجد حلا إلا في إفراغ استاد القاهرة من رواده، جمهور الكرة الحقيقي. واقتصر الحضور علي أبناء الأغنياء ورجال الأعمال وموالي عائلته، لأنه لا يشعر بالأمان خارج هذه الأوساط!!.وقد يكون طبيعيا في حكم طارد للكفاءات والشرفاء والوطنيين والمتميزين، ألا يجد حسني مبارك حوله واحدا من هذا النوع ليخلفه. إنما هو التعمد والإصرار، لتتحول مصر إلي عقار يورث لأولاده وأحفاده من بعده. وأسامة الباز حين يتخذ من هذا التصريح ذريعة لنفي التوريث فإنه يعكس التدليس الذي يغطي التصرفات الرئاسية من رأسها إلي إخمص قدميها. ومن مظاهر هذا التدليس ما ورد علي لسان سوزان مبارك، حين ادعت، الأسبوع الماضي، أن عصرها شهد اختفاء شلل الأطفال من مصر، ولأنها لا تطلع ولا تتابع، اعتمادا علي الكتبة والملقنين، ولو بذلت جهدا بسيطا لاكتشفت أن عصرها أعاد شلل الأطفال إلي مصر مرة اخري، بعد سنوات من الاختفاء، وجعل مصر واحدة من أفقر ست دول استوطن فيها المرض.. ونُسِب هذا التدليس إلي ممثل منظمة الصحة العالمية بالقاهرة، بالضبط مثلما نُسِب موقف مشابه لممثلة منظمة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وضعت اللوم علي اللاجئين السودانيين فيما حدث لهم في قلب القاهرة، وكأن ممثلي الأمم المتحدة يعملون لدي القصر الرئاسي. لكن المشكلة هي أن هذا التدليس لم يغط علي حجم انتشار مرض الكبد الوبائي، ونسبته في مصر الأعلي في العالم، بل ازاح الغطاء عن مجالات التفوق التي تحققت في عصرها .. تفوقت مصر في أمراض السرطان.. تضاعفت ست مرات، واحتلت مصر المركز الأول فيها، وتفوقت علي ما غيرها في عدد المصابين بالفشل الكلوي، ليتجاوز عددهم أكثر من عشرين مليون نسمة من شعب تعداده 72 مليونا.وبماذا نسمي وعد حسني مبارك، الذي لم ينفذ منذ أكثر من سنتين يإلغاء الحبس في قضايا النشر؟ هل نسي الصحافيون أن الذي غلظ الأحكام ضد الصحافيين سنة 1995 كان حسني مبارك؟ لم يكن عبد الناصر الزهيري من صحيفة المصري اليوم أول من وقع تحت طائلة هذا القانون المغلظ، ولن تكون أميرة ملش بصحيفة الفجر المستقلة آخرهم.. التدليس نمط ثابت في حكم مصر. تم توظيفه في حملة التمديد و التوريث ، وبعد استقرار التمديد وضمان التوريث، يحتاج الرئيس الموازي إلي تتويج قبل غياب الوالد، وهذا التتويج الذي من المتوقع أن يتم بـ العافية أصبح في غير حاجة إلي وعود، من ذلك النوع المتضمن في برنامج حسني مبارك الانتخابي، بتعديل الدستور بما يسمح باستقلال القضاة، وحرية إصدار الصحف وتكوين الأحزاب.وذلك لأن الرئيس الموازي انتقل بالتدليس خطوة متقدمة.. يقود فيها هجوما بائسا بمباركة الوالد علي أهم سلطتين في مصر، واحدة جماهيرية.. تشكل الرأي العام وتؤثر فيه، هي سلطة الصحافة. أما السلطة الأخري فهي سلطة دولتية ، إذا جاز التعبير، أي أنها واحدة من السلطات الثلاث، التي تبني عليها الدولة الحديثة.. وهي سلطة القضاء، المنوط بها تطبيق القانون وإقرار العدالة، يصفي فيها كل من تجرأ علي كشف صور تزوير الانتخابات، لكي لا يبقي إلا قضاة وصفتهم المستشارة نهي الزيني، في مذكراتها التي سجلت فيها، كشاهد عيان، وقائع التزوير بـ المنبطحين . وما فات الرئيس الموازي أنه وهو يقوم بهذه التصفية يقرب ما بين الصحافيين والقضاة، ودون أن يدري يأتي اختياره لقضاة، من أمثال الذين أصدروا أحكاما بالسجن علي أيمن نور وعبد الناصر الزهيري وأميرة ملش وغيرهم فيعطي تأثيرا عكسيا، وإن كان باختياره هذا يهدف إلي تشويه القضاة عند الصحافيين، ودق إسفين بينهم وبين القضاة. إلا أن الحسابات الغبية لا تمكنه من رصد التحولات والمتغيرات التي حدثت في الشارع المصري، وبين القوي السياسية، بشكل وضع السلطتين في خندق واحد، فنالتا تعاطف قطاعات عريضة ممثلة للشعب، في النقابات والمنظمات الأهلية وجهاز الدولة وبين عموم الناس.ويبدو أن صفوت الشريف فطن لهذا المأزق فأراد أن يخفف منه لحسابه، وتقربا لحسني مبارك، الذي ما زال مصدر رجاء لإبقائه رئيسا لمجلس الشوري، إذا ما أزاحه الرئيس الموازي في المؤتمر القادم للحزب الحاكم، المقرر في ايلول/ سبتمبر القادم، من منصب الأمين العام، ليفسح لنفسه الطريق لقيادة الحزب الحاكم، فانتصر الشريف لمحمد إبراهيم سليمان، وزير الإسكان السابق، كشخصية مفضلة ومدللة لدي حسني مبارك، وأظهره بمظهر صاحب اليد العليا، المتسامح أمام صلف الصحافيين، المتفضل عليهم بالتنازل عن القضايا التي رفعها ضدهم، وغطي، بهذه التنازلات، علي استمرار قانون الحبس في قضايا النشر.كنا نظن أن هذه العائلة تملك وعيا يمكنها من مراجعة تصرفاتها، وتحذو حذو رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، مارغريت ثاتشر، والتي عندما شعرت بحرج قد يتسبب فيه نشاط ابنها مارك، المالي والتجاري، أبعدته عن بريطانيا، كي لا يصبح نقطة ضعف تمكن المعارضة العمالية منها، بما يطعن في جدارتها للحكم.. وكان قد نسب لها أنها تدخلت لدي السلطان قابوس بن سعيد ليرسي علي ابنها عطاء تشييد الجامعة العمانية، وكانت تكلفتها 350 مليون جنيه استرليني بأسعار الثمانينات، وكم من مرة زار فيها حسني مبارك زعماء خليجيين وغير خليجيين، يطلب منهم إرساء عطاءات وأعمال علي ابنه الأكبر، وهو إذا لم يكن قادرا علي التعلم من تجربته المصرية، فأولي به أن يستفيد من تجربة ثاتشر مع ابنها مارك.ہ كاتب من مصر يقيم في لندن9