معظم الشعب يريد العيش بحرية وسلام: أطباء داخل حدود سورية!

حجم الخط
4

اقتربتْ الطائرة أخيراً من مطار ‘غازي عنتاب’ بعد ثلاث عشرة ساعة طيران من مدينة ديترويت.
سأكون على بعد مائة وثلاثين كيلومتراً من حلب، المسافة بينها وبين مدينة غازي عنتاب التركية القريبة من الحدود، والتي لقرْبها – لجأ إليها الكثير من السوريين منذ بداية الثورة، وأقامت فيها العديد من المنظمات والتجمعات السورية الإغاثية وغير الإغاثية مكاتب دائمة لها.
فكرتُ أنّ مائة وثلاثين كيلومتراً مسافة يمكن أن يقطعها المرء راجلاً إذا أراد المشي لعدّة أيام. المسافة إلى الحدود أقلّ من ذلك بكثير. أحدّ الذين عبروا الحدود حكى لنا كيف عانق ريحَ الأرض التي بكى عليها طويلاً؛ وكيف بصق في وجه الحرب التي ورّمتْ عينَيها، وكيف شمّ رائحة الياسمين التي ما زالت تفوح من شفتَيها. لم يكن في البرنامج هذه المرّة خطّة لعبور الحدود. المهمة الطبّية التي كنتُ في صددها، مع مجموعة من الأطباء السوريين المقيمين في أميركا تحت رعاية ‘جمعية الأطباء السوريين الأميركيين (سامس)’، تدريبيّة فقط: تلقين وتمرين أطباء سوريين سيأتون إلى غازي عنتاب من مناطق متفرّقة في الداخل على طرق التعامل مع إصابات الحروب.
بدَتْ الأرض التي سأهبط عليها من نافذة الطائرة شبيهة بالأرض الممتدة على طرفَي الأوتوستراد بين حلب ودمشق. الألوان نفسها. الوجه البنّي المسفوع بشمس شرقية رقيقة. دعسات التاريخ نفسه على طرفي الحدود.
بعدما وصلتُ إلى المكان الذي خُصّصَ لقضاء الأيام الثلاثة من دورتنا التدريبيّة، توجهتُ إلى صالة الطعام، للقاء بقية الفريق الطبي المشاركين في التدريب والقادمين من ولايات أمريكية متفرّقة. راجعْنا سويّةً برنامج اليوم الأول من الدورة. التحقتُ بعدئذ بطاولة كانتْ تضمّ الدفعة الأولى من أطباء الداخل: ثلاثة أطباء من مدينة الرقة، وآخر من تل أبيض شمال الرقة.
بدتْ لي وجوههم كأنها قادمة للتوّ من ساحات القتال. متعَبة قليلاً، ولكن مليئة بتصميم هادئ. أُلفة عارمة غمرتني. أُلفة كنتُ قد فقدتُها على الأرصفة الأميركية التي عبرتُها. رائحة التراب السوري كانت ما زالت عالقة بثيابهم. رائحة تراب محروق، تذكّركَ بأنّ مرجلاً أتوا منه ينتظر عودتهم. ثلاثة أيام كي تسمعَ حكايات التراب التي عادة ما تذرّها الرياح، لتدفنَها في خزّان الذاكرة الهائل للعابرين. الأشياء التي تحدث ولا يخلّدها أحد، لأنها قليلة الحظ. أن تكتبَ يعني أيضاً أن لا تترك تفاصيل المأساة تسقط في الثقب الأسود للتاريخ، حيث لا يصل شيء، وتضيع بعض سطور الملحمة. هكذا كنتُ أفكّر عندما عرّف كلّ واحد عن نفسه.
كنّا مجموعة سورية: خلطة أفكار ومعتقدات وقناعات ومنابت، لأشخاص يتكلّمون لغة واحدة، ينتمون للأرض نفسها، للتاريخ نفسه، ويملكون الحلم ذاته.
بعد التعارف، بدأ محمود، طبيبٌ شاب من الرقة ذو لحية كثّة طويلة وشارب حليق، يشرح لي الوضع الطبّي في المدينة الـمُحرَّرة:
– لم يعد في الرقة الآن سوى مستشفى وحيد هو ‘المشفى الوطني’. رحلَ معظم الأطباء عنه، ولم يبق فيه غير خمسة أطبّاء مقيمين، نحن منهم، وبضعة ممرّضين، ما أجبرنا على القيام بأعمال التمريض أيضاً. الظروف سيّئة جداً.
سمير وكريم، الطبيبان الرقّاويان الآخران، هزّا رأسَيهما موافقَيْن. سأعرف عنهما بعد ذلك توجهاتهما الليبيراليّة. قال سمير ذو الجسد النحيف:
– صدّقني، تشعر أن الرقة متروكة لمصيرها. كأن كلّ شيء انتهى لحظة التحرير. تنقصنا مواد وأدوية كثيرة. أحياناً ينقصنا حتى الطعام، وأبسط الاحتياجات الطبية من ملاءات نظيفة وغيرها…
تدخّلَ زميلهم الثالث كريم:
– ليس هذا فقط. فنحن لم نقبض فلساً واحداً من أحد منذ عدّة أشهر. لا مانع لديّ من العمل مجاناً أوقات الأزمات. لكن لديّ عائلة أيضاً وأفواه تحتاج سدّ الرمق. لن أستطيع الاستمرار على هذا المنوال طويلاً.
سألتُ:
– ألم تصلكم مساعدات من أحد مجالس المعارضة الداخلية أو من الخارجية؟
أجاب سمير بحنق ظاهر:
– لا. لم يصلنا إلاّ مساعدات بسيطة فقط من بعض المنظمات الطبيّة في المهجر. لكنْ لا شيء من المعارضة الرسميّة. حتى الآن لم يرسل لنا ‘الائتلاف الوطني’ فلساً واحداً، وجودهم الميداني على أيّ حال معدوم في الرقة منذ التحرير. حتى سياسياً لم يجهدوا لملء الفراغ بعد سقوط النظام. مع ذلك، أظنّ أن هذه الفوضى الحاصلة الآن مؤقتة، وعلينا الصبر. ثمة تحسّن تدريجي.
قال محمود ممسّداً لحيته الطويلة:
– تعْلم، عالجْنا في أحيان كثيرة جنود النظام وعناصر أمنه الذين انتهوا إلينا عند إصابتهم. لا نفرّق بينهم وبين عناصر ‘الجيش الحرّ’. الكلّ لدينا سواء. نعتبر عملنا أكثر نبلاً من السياسة.
وافقاه سمير وكريم. تكلّما على حيادية عملهما الطبّي، على الرغم من موقفهما السياسي القاطع مع الثورة. الطبيب من تل أبيض سأل هنا مازحاً:
– ستعالجون الجميع حقاً؟ حتى لو جاءكم الطاغية…
ابتسم الجميع، قبل أن تبدو على وجوهم علامات تفكير جديّة، كأنّ هذا السيناريو لم يخطر على بال أحد من قبل. بعد برهة، قال كريم: ‘أنا طبيب أوّلاً، وسأعالج كلّ من يأتي إليّ. الجميع من دون استثناء’.
أجابه سمير بخليط من التهكّم والاستنكار:
– هل كنت ستقول هذا الكلام لو قُتل أحد من أهلك على يد النظام؟
صمتَ كريم. كأنّه لم يجد جواباً أمام هذه الحجّة الدامغة.
***

مضى اليوم الأول من الدورة التدريبية كما كان مُقرّراً. أثناء المحاضرات، وصلَ خبرٌ عن إصابات بين المدنيّين في سراقب ظهرت عليهم علامات التعرّض لمواد كيميائية. أجرى أحد أعضاء الفريق الطبي المـُنظِّم في ‘سامس’ اتصالاته بأطباء في الداخل لجمع عيّنات من المصابين، وإرسالها إلى تركيا على وجه السرعة، حتى يجري إيصالها بعد ذلك إلى المختبرات الأميركية. أحد الأطباء السوريين الأميركيين أخبرني عن عيّنات مماثلة سابقة، أرسلوها من بلدة خان العسل في ريف حلب وحيّ الشيخ المقصود في حلب إلى المختبرات نفسها، جاءتْ نتائج فحصها إيجابية، تؤكّد استخدام مواد كيميائية في تلك المناطق. أرسلوا صورة عن النتائج إلى ‘الأمم المتحدة’ ووزارة ‘الخارجية’ الأميركية؛ حتى ‘لا يبقى شكّ لدى العالم في تخطّي النظام الخطوط الحمراء والسوداء’، قال لي متهكّماً.
في مساء اليوم الأول، جلستُ مع أطباء من ريف حماه. كان بينهم خالد الذي يعتبر نفسه ‘إسلامياً معتدلاً’. تحدّث عن نفوره الشديد من كلّ ما يتعلّق بــ ‘جبهة النصرة’ وأشباهها. زميله حسين حدّثني عن حدوث بعض الاختراقات الاستخباراتيّة التي نجح النظام من خلالها زرع عناصر له في بعض كتائب ‘الجيش الحرّ’؛ عن الخيانة التي سمحتْ للنظام فكّ الحصار عن معسكر وادي الضيف، من قبل أحد قادة الكتائب، تبيّن أنه كان يعمل مع النظام. قال لي بنوع من الغيظ: ‘على الجيش الحرّ تحسين الكثير من أدائه وتنظيمه إذا أردنا الانتصار’.
أثناء الحديث، سألني خالد فجأة:
– هل لديكم ملقط جراحيٌ لتبعيد الأضلاع؟
استغربتُ سؤاله. أردف قائلاً:
– يلزمنا واحد. من فترة ونحن نعالج إصابات الصدر من دون ملقط نباعد به الأضلاع. الآن، يقوم أحدّنا بالإمساك بالأضلاع وإبعادها يدويّاً أثناء عمليات الصدر، فيما يعمل الآخرون على رتق الإصابة. الأمر بدائي ومجهد كثيراً. مرّة، أثناء إحدى العمليات، اضطرّ زميل لنا على فعل ذلك لست ساعات متتالية، وكدنا نفقد المريض. أدوات وأجهزة كثيرة نعدمها، لكن هذا الملقط له الأولوية الآن. سيحلّ لنا مشاكل كثيرة.
قلتُ لخالد:
– طبعاً سأعمل جهدي على توفيره لكم. اختصاصك جراحة الصدر إذاً؟
ابتسم حسين:
– لا… خالد ليس جرّاحاً صدرياً، ولا أنا. لكن في هذه الظروف، نقوم بأشياء كثيرة ليست من اختصاصنا. اضطررتُ مرّة لفتح صدر أحد المرضى بشكل إسعافي، وانتهيتُ إلى رتْق جرحَيْن وجدتهما في القلب. أحياناً نضطر إلى فتح البطن. في إحدى المرّات، وبينما كنّا نجري، أنا وخالد، عملية في البطن لأحدّ المصابين، سقطتْ قذائف قريباً من المستشفى الذي نعمل فيه. انقطعتْ الأضواء عنّا تماماً، فاضطررنا لإكمال العملية تحت ضوء البيل والموبايل. لا يهمّ ما هو اختصاصكَ الآن. المهم أن تكون جرّاحاً، تعرف كيف تمسك المبضع، ومستعدّاً للعمل هناك.
بعد جملته الأخيرة، كانت ابتسامة حسين قد تحوّلتْ إلى نظرة حزن طويلة.
أخذَني الحوار بعد ذلك مع خالد وحسين وبقيّة المجموعة إلى الكلام على ممارسات النظام المدروسة من أجل زرع التفرقة بين مكوّنات الشعب السوري. حكى لنا حسين عمّا فعله النظام في مدينة محردة:
– كثير من سكان محردة استقبلوا نازخين من قرى مجاورة. لكنّ النظام دخل المدينة، استولى على الدير فيها، وطردَ النازحين. صار يطلب بعد ذلك موافقة أمنية من كلّ عائلة غريبة، حتى لا يبدو سكان محردة متعاطفين بأيّ شكل مع الثورة.
قال خالد:
– صحيح. ممارسات مشابهة تحدث في أماكن كثيرة. يقوم النظام بتحريض مقصود وخبيث لفئات معيّنة ضد أخرى. رأينا ذلك بأعيننا في ريف حماة. انتهاكات وحشيّة مورستْ ضدّ قرى سنيّة في ريف حماة كان القصد منها إخراج الناس عن طورهم. مع ذلك، ظلّتْ ردود الفعل في نطاق محدود وضيّق. معظم الشعب يريد أن يعيش بسلام وحريّة.
فقط في سلام وحرية…

عشر مستشفيات لثلاثة ملايين نسمة

في اليوم الثاني من مهمّتنا الطبيّة التدريبيّة، جاءنا طبيب مصريّ من أحد المستشفيات الميدانية في شمال سوريا، ليشارك في إلقاء المحاضرات. من المنظمّات الطبّية القليلة التي تساهم في العمل الإغاثي الطبّي داخل سوريا، ‘اتحاد الأطباء العرب’، وهيئة الإغاثة في نقابة ‘أطباء مصر’. المنظّمات الدولية نادرة الوجود. حسب الأطباء السوريين الذين أتوا من الداخل، منظمات كــ ‘أطباء بلا حدود’ و’اللجنة الدولية للصليب الأحمر’ لا تواجد لهما، حتى في المناطق الآمنة نسبيّاً. السبب يعود في جزء كبير منه إلى حاجة منظمات دولية كهذه (حسب نظامها الداخلي) لإذْن من حكومات الدول (‘الشرعية’ لدى الأمم المتحدة) لعبور حدود أيّ دولة. حكومة النظام السوري لم تمنح إذناً كهذا لأيّة منظمة طبّية دولية!
استرحنا كالعادة في المساء. بحثتُ عنهم لأسمعهم. أطباء حلب الذين أتوا من جوف عميق ينزف يومياً من قروحه الكثيرة. حلب، المدينة التي يبدو أحياناً كأنها أُرغمتْ على التخلّي عن هدوئها المثير للأعصاب. ظلّت تتفرّج من شاطئها الوديع على العاصفة، ثم دفعة واحدة، ألقتْ بجسدها في عباب النار.
كانوا أربعة أطباء. الأصغر سنّاً، والأكثر حماساً.
جاؤوا من مشافي حلب ‘الشرقية’، حيث كانوا يغنون في مساءات كثيرة للحرية والثورة. هكذا قال لي هاني: ‘كلّ يوم، بعد نهار طويل من الإرهاق والمآسي التي نراها. نجلس في غرفة الأطباء وتصدح أصواتنا بأغانٍ للثورة ونبكي. هذه ثورتنا ولن نترك المدينة حتى تنتصر’. قالها وعيناه تترقرقان. لم أخمّن حزناً أم غبطةً. ‘سنستعيد الأغاني، ونغنّي سويّةً الليلة’، قال. أجبتُه:
– سنفعل، ونغنّي. قل لي هاني، سمعتُ أنّك كنت تنهي اختصاصك في أميركا.
– صحيح. أنهيتُ للتوّ اختصاصي في أميركا، ثم قررتُ العودة إلى حلب. لم أستطع البقاء بعيداً عمّا يحدث. هذه الثورة أغلى شيء في حياتي الآن، وأصْدق حدثٍ مرّ عليّ. لم أكتشف حبّي لسوريا إلاّ بعد الثورة. أريد أن أخدمها بكلّ ما استطعتُ. بعدها، قد أستطيع أن أكمل حياتي كما كانتْ.
لم أجد إلا الصمت أمام كلام هاني. كنتُ أعلم أن أشخاصاً كثيرين مثله في سوريا الآن، يعملون بصمتٍ بعدما تـخلّوا عن أشياء ثمينة لديهم. من أجل قضيّة يؤمنون بعدالتها. أن تلتقي بواحد منهم، يعني أن يلفحكَ وعيٌ إنساني قفزَ فوق الهوّة العميقة التي تفصل بين الكلام والعمل. بين الرواية والسيرة الذاتية.
الشاب الآخر الذي كان يجلس جانبي، بدا عليه الرغبة في الحديث. كان عامر ما زال في مقتبل العمر. ربما في منتصف العشرينيات. تكسو ذقنه لحية ما زالت في بدايتها، وعلى وجهه علامات نضج مبكّر، تمنحه جديّة ورزانة أكبر من عمره بكثير. بدأ يحدّثني عن عملهم في حلب:
– في القسم الشرقي من حلب، الخاضع لسيطرة المعارضة، حوالي ثلاثة ملايين نسمة. بقي فيه لكلّ هؤلاء عشرة مستشفيات فقط! تصوّر، لكل هذا العدد من الناس، لدينا ثلاثة أجهزة فقط لدعم التنفس، وست آلات لغسل الكلى. الكثير من المستشفيات تحوّلَ إلى متاريس عسكرية. منها ما دُمّر من النظام. منذ فترة وصلتْ إلى المدينة سيارات إسعاف تبرّعتْ بها إحدى الجهات الإغاثية. يبدو أن النظام علِم عن طريق مخبرين بوصولها، فقُصفتْ المستشفيات التي تلقّتْ الدعم. هكذا حتى تزداد المعاناة، والأحوال سوءاً.
كان نعيم الطبيب الآخر الجالس قبالتي. ذو ملامح ناعمة، ويتكلم بصوت هادئ. قال:
– معظم الوقت نعمل في حلب مع عشر ساعات كهرباء فقط. المولّدات لا تستطيع أن تغطّي احتياجات المستشفى اليوم كلّه، لذلك نقوم دائماً بتصنيف العمليات حسب أولوية الإصابة والعلاج، ونجري العمليات الأكثر خطورة أولاً، حسب توافر الكهرباء، وهكذا… سأحكي لك هذه القصة: مرّة، جاء أبٌ مع طفله المصاب برصاصة في رجله. كان الطفل يبكي من الألم. ركضنا جميعاً للعناية بالطفل، لكن الأب نسيَ نفسه وبدا مشدوهاً وهو يصرخ: ‘الله… عندكم كهرباء. الله الله على هالضو…’. كان منظر الأب يبعث على البكاء.
خيّم الصمت علينا جميعاً. كان شبح الأب السوري المنكوب بطفله وهو يصرخ فرِحاً بأبسط متطلّبات الحياة يجلس أمامنا على الطاولة. كانت صرخة سوداء قادمة من عمق روحٍ عصرها الثقل الهائل للكارثة. لم نقل شيئاً لدقائق عدّة قبل أن أقطع الصمت ثانية:
– ما أخبار مشفى ‘الكندي؟’.
أجابني عامر:
– المشفى الآن مدمَّر. هل تدربّتَ هناك؟
– قضيتُ فيه بعض الوقت خلال دوراتي التدريبيّة أيام الجامعة.
– لم يبقَ منه شيء. تحوّل إلى ساحة قتال. سيطرت عليه المعارضة بعد قتال عنيف. عدا الطابق الأخير، ما زال جنود من النظام يتمترسون فيه. تأتيهم مؤونة من الجوّ.
– هكذا القتال إذاً؟ من طابق إلى طابق!
– نعم. في مناطق كثيرة، يتحادث المتقاتلون مع بعضهم صراخاً وشتائم أثناء فترات الاستراحة من القتال. لا بدّ أنهم يسمعون أنفاس بعضهم أيضاً. على هذا المنوال، عليك أن تعدّ عدد الطوابق في سوريا قبل أن تنتهي هذه الحرب. يجب أن يحدث تغيير دراماتيكي في موازين القوى لصالح المعارضة حتى تستطيع الانتصار.
هزّ نعيم برأسه موافقاً، ثم قال:
– المهم أن لا نفقد الإيمان. سوريا الحرّة ستنسينا الكثير من التضحيات. كما أنّ ثورة أخرى ستلزمنا بعد انتهاء هذه الثورة.
قال عامر:
– بالتأكيد. لن تستقرّ الأمور فوراً بعد سقوط النظام. سيلزمنا ثورة ثانية نعيد فيها ترسيخ الكثير من القيم التي أطاحها عنف النظام واستبداده الطويل. نحن باقون حتى نشارك في هذه الثورة الثانية. الكثير من الناشطين المدنيّين اُعتقلوا أو تمّت تصفيتهم من النظام. ومن نجا من بطش النظام، اعتكف في بيته بعد تسلّح الثورة، أو تركَ البلد إلى الدول المجاورة. هؤلاء سيعودون متى توقّف العنف، وسيكون لدينا عمل كثير نقوم به.
***

مضى اليوم الثالث والأخير سريعاً. مساءً، درجْنا جميعاً إلى مركز المدينة. كانت سوريا تمشي بيننا. سمعتُ جدالاً احتدم بين طبيبَين حول التاريخ العثماني. أحدّهم كان يهجو دورهم في تخـلّفنا، والآخر يعزو نظرتنا السلبيّة عنهم إلى ‘المناهج البعثية’، حسب قوله.
توقفنا عند أحد المقاهي في غازي عنتاب. كانت اللهجة السورية تحيط بنا من كلّ مكان: طاولات كثيرة تجلس حولها عائلات سورية. العاملون في المقهى. بائع الحلويات. كانت المشاهد مُؤنسة، دون أن تـخفى جروح التشرّد التي تكمن وراءها.
في طريق عودتنا تباطأ هاني في مشيته حتى أمسى جانبي. كان واضحاً أنّ في جعبته أشياء ما زال يريد أن يقولها. كان مُطرِقاً، كأنه لا يدري كيف يبدأ الحديث. سألتُه:
– ألا تشعر أحياناً بالرغبة في العودة إلى حياتك السابقة في أميركا؟
رفع هاني رأسه:
– لا. لم تكتسب حياتي معنى كما الآن. تستطيع دائماً أن تكون على المدرّجات ومرتاحاً، أو في الحلبة ومتعرّقاً، تشارك في صياغة الأحداث. أنا أفضّل الحالة الثانية بالتأكيد، خاصة إذا كانت الحلبة هي بلدي وأهلي وانتمائي.
– أوافقكَ تماماً.
أعاد هاني الإطراق، ثم رفع رأسه ثانية. كانت عيناه تبرقان:
– لكنّي قلق على الثورة.
– حدستُ بهذا. ما الذي يقلِقك؟
– الفراغ. ذاك الذي تركه سقوط النظام في المناطق المحرَّرة، والذي لم يُملأ كما يجب من تنظيمات المعارضة السياسية وكتائب ‘الجيش الحرّ’. فــ’الجيش الحرّ’ في حلب قليل التنظيم وغير مُنضبط، وتسلّلتْ إليه عناصر سيّئة. لا أدري عن الوضع في بقيّة المناطق السورية، أنا أستطيع أن أحكي عن حلب وريفها وما يحيط بهما. هذا تركَ الوضع لسيطرة الكتائب الإسلامية الجيدة التنظيم والعدّة والتمويل. ولكنّي طبعاً لا أثق بنواياها وأهدافها. فهي ستستبدل إيديولوجيا إقصائية بأخرى.
– ما سبب المشكلة برأيك في ‘الجيش الحرّ؟’.
– هذا هو السؤال الذي لا أحيط بكل جوابه. فدعمه متقطّع وغير منتظم. تخيّلْ أنه في كثير من الأوقات، كان ‘الجيش الحرّ’ يأتيه بعض الدعم، فيحرز تقدّماً. ثم فجأة ينقطع الدعم عندما تحين ساعة الحسم. رفاقٌ لنا نعرفهم أرادوا التطوّع لدى ‘الجيش الحرّ’، ولكنهم انتهوا بالالتحاق بالكتائب الإسلامية بسبب تنظيمها الأفضل ورواتبها الأعلى. متى التحقتَ بإحدى هذه الكتائب، يقومون بتحضيركَ بدنياً وقتالياً في دورة مكثفة لمدة ثلاثة أسابيع. ثم يجرون لك دورة عقائدية لمدة أسبوع. هذا ما يقلقني. كلّما طال أمد الثورة، امتلأ الفراغ بمزيد من التشدّد الديني والعقائدي.
– معك حق.
– لذلك أنا هنا. وغيري أيضاً. يجب أن نملأ نحن الفراغ الذي يتركه تآكل النظام. في النهاية لن يستطيع أحدٌّ بعد الآن حكم هذا البلد بالصولجان. انتهى عصر الاستبداد، وسنثور على أي ديكتاتور جديد. ولكن يجب أن نعمل على تشكيل المستقبل منذ الآن.
***

في اليوم التالي، صافحتُ مودّعاً الأيادي الكثيرة التي تخـيط جروح سوريا، وتمسّد قلبها. أيادٍ تعمل في الصمت. تمسح وجه الألم بمعاطفها البيضاء. كان هاني آخر من ودّعتُ. تواعدنا أن نلتقي ثانية.
فقط، لم نحدّد مكان اللقاء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية