معسكر ماكرون يُسجل هزيمة تاريخية في الانتخابات التشريعية تضع مصيره على المحك

حجم الخط
2

باريس- “القدس العربي”:

بعد افتقاره إلى الأغلبية المطلقة في الجمعية الوطنية لمدة عامين، يجد الرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه مضطرا إلى الاستعداد للفرضية القاتمة المتمثلة في دولة لا يمكن حكمها أو التعايش، بعد أن مُني معسكره بهزيمة تاريخية في ختام الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية التاريخية التي دعا إليها، والتي تصدر حزب ”التجمع الوطني” اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان وجوردان بارديلا وحلفاؤه نتائجها بحوالي 33%، فيما حلت “الجبهة الموحدة” لأحزاب اليسار ثانياً بحصولها على حوالي 28 في المئة، تاركين المركز الثالث وبفارق كبير لمعسكر ماكرون.

وتشكل هذه النتائج كابوسا لماكرون، على خلفية نسبة مشاركة قياسية وصلت إلى 66%، وهو مستوى لم يتم الوصول إليه منذ الانتخابات المبكرة عام 1997. ويجد ساكن الإليزيه نفسه مع أحد أضعف المعسكرات الرئاسية مع انتهاء الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية في تاريخ الجمهورية الخامسة. ويخشى معسكره، الذي فوجئ بحله الجمعية  الوطنية، من أن يتحول إلى أقلية برلمانية.

وتشير توقعات معاهد استطلاعات الرأي إلى حصول المعسكر اليميني المتطرف على 240 إلى 270 نائبا من أصل 577، متقدما على اليسار الموحد (180 إلى 200) ، فيما حصل المعسكر الرئاسي على (60 إلى 90)، بعد أن كان لديه 250 نائبا برلمانيا، أي أغلبية نسبية.

أشار ماكرون في رسالة مكتوبة، إلى رغبة الفرنسيين في “توضيح الوضع السياسي” من خلال مشاركتهم القوية، داعيا إلى “تجمع كبير وديمقراطي وجمهوري واضح”، في مواجهة “التجمع الوطني” اليميني المتطرف. وهي رسالة رددها رئيس وزرائه غابرييل أتال، وأعلن أن “الدرس المستفاد هذا المساء هو أن اليمين المتطرف على أبواب السلطة”، مشددا على أنه “لا يجب أن يذهب صوت واحد إلى حزب مارين لوبان”.

وناقش ماكرون الاستراتيجية بين الجولتين مع غابرييل أتال وزعماء أغلبيته: “هل يجب أن ننظم انسحابات ودعوات للتصويت ضد اليمين المتطرف، باسم “الجبهة الجمهورية”، في الجولة الثانية من هذه الانتخابات التشريعية يوم الأحد المقبل؟”.

فبعد أن ظل الرئيس الفرنسي طوال الأيام الأخيرة يروج بشكل خاص لاستراتيجية لا اليمين المتطرف ولا اليسار الراديكالي، إلا أن الأولوية في نهاية المطاف تعطى لمحاولة سد الطريق أمام اليمين المتطرف. فالتحدي الذي يواجهه معسكر الرئيس ماكرون في هذه الجولة الثانية هو حرمان اليمين المتطرف من الأغلبية المطلقة، من خلال بناء جمعية وطنية يكون للمعسكر الرئاسي فيها وزن يسمح له بتمرير بعض إصلاحاته.

في هذا الإطار، وافق المعسكر الرئاسي على التنحي جانباً في الجولة الأولى في حوالي 90 دائرة انتخابية، وفي معظم الحالات لصالح مرشح من حزب الجمهوريين الليبرالي أو مرشح من الحزب الاشتراكي. وقد أمسك الاشتراكيون وأنصار البيئة اليد الممدودة على اليسار.

لكن الانقسامات تظهر في هذه الاستراتيجة الرئاسية. فقد حث رئيس حزب Horizons، إدوارد فيليب، الناخبين على “عدم التصويت” لمرشحي اليميين المتطرف واليسار الراديكالي، واضعا حزبي “التجمع الوطني ” اليميني المتطرف، وحزب “فرنسا الأبية” اليساري في الكفة ذاتها. وكذلك فعلت القيادية في معسكر الرئيس ماكرون أورور بيرجي التي شدد على أنها لن تدعو أبدا للتصويت لحزب “فرنسا الأبية”.

طوال الحملة الانتخابية الخاطفة والصعبة، حاول قادة الأغلبية درء شبح الفشل، خلف غابرييل أتال، الذي تم تقويض منصبه كرئيس للوزراء بعد أقل من ستة أشهر على تعيينه. هذا الأخير حرر نفسه من إيمانويل ماكرون عندما طلب من الفرنسيين “اختياره” للبقاء في منصبه، وركز برنامجه على التدابير لصالح القوة الشرائية.

من جانبه، زاد ماكرون من خطاباته أمام الصحافة والكاميرات، وذهب إلى حد الإشارة إلى خطر ”الحرب الأهلية” في حالة انتصار اليمين المتطرف أو اليسار الراديكالي. لكن الناخبين كان له موقف آخر، حيث تابع ماكرون، مساء الأحد، من الإليزيه، مصير أعضاء حكومته الـ24 المتنافسين في الانتخابات التشريعية. ومن بينهم غابرييل أتال، ووزير الخارجية ستيفان سيجورنيه، ووزير الداخلية جيرار دارمانان.

وجاء الثلاثة في المركز الأول وسيخوضون جولة ثانية. في حين، حل العديد من زملائهم في المركز الثاني، خلف اليمين المتطرف، بمن فيهم رئيسة الوزراء السابقة إليزابيث بورن. ويمكنهم الاستفادة من تعليمات “الجبهة الشعبية الموحدة” لأحزاب اليسار، التي أعلنت الانسحاب عندما يأتي أحد مرشحيها في المركز الثالث خلف حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف.

ومن دروس هذه الانتخاب التشريعية التاريخية أيضا، إغراق إيمانويل ماكرون لشركائه في فوضى كبيرة، لا سيما فرانسوا بايرو، ورئيس وزرائه السابق إدوارد فيليب، اللذين يهدفان إلى خوض الانتخابات الرئاسية في عام 2027.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية