الناصرة- “القدس العربي”:
يحذّر معلق سياسي إسرائيلي بارز من وهم اختفاء القضية الفلسطينية، ويقول إن الاستيطان عبارة حماقة خطيرة وكارثة تدفع نحو واقع ثنائي القومي، تصبح فيه إسرائيل دولة لا يهودية ولا ديمقراطية، مشدداً على أنها في اللحظات الأخيرة قبل الانجراف إلى هاوية “الدولة الواحدة”. وهذه صرخة يطلقها مراقبون ومعلقون ومسؤولون أمنيون إسرائيليون سابقون.
يقول بن درور يميني، في مقال نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، إن “الديمقراطية الإسرائيلية ستنتصر، ولن يكون هناك انقلاب قضائي، لكن هناك أمراً واحداً لا يقلّ أهمية؛ إسرائيل في حالة هزيمة”. ويعلل المعلق الإسرائيلي ذلك بالإشارة للجشع الاستيطاني، ويقول إن البؤرة الاستيطانية حومش انتقلت، يوم الإثنين الماضي، إلى موقعها الجديد، ليس بعيداً عن القديم.
ويضيف: “صحيح أنه لا توجد مصادقة بعد، وصحيح أن الحديث يدور عن فوضويين، وصحيح أن هذه الاستفزازات معادية للصهيونية، لكن لماذا من المهم ذِكر الموضوع؟ لأن لدى الفوضويين بؤرة داخل الحكومة ذاتها. يستطيعون تجاهل المصلحة القومية والصهيونية. كما يوجد يسار غير صهيوني في اليسار، يوجد أيضاً يمين غير صهيوني في اليمين. يمين لا يكتفي بالكتل الاستيطانية، يمين يريد المزيد من البؤر غير القانونية بالأساس، يمين يصرّح بنيّته إقامة دولة كبيرة واحدة هنا، إنه اليمين غير الصهيوني”.
يميني: الديمقراطية الإسرائيلية ستنتصر، ولن يكون هناك انقلاب قضائي، لكن هناك أمراً واحداً لا يقلّ أهمية؛ إسرائيل في حالة هزيمة.
ويرى بن درور يميني أن بؤرة حومش ليست سوى رمز، لا تعزز الأمن، بل على العكس، وأن موقف الأجهزة الأمنية بهذا الخصوص معروف: لا يستطيع قادة الأمن دائماً التعبير عنه بوضوح وبصوت عالٍ، إذ توجد قيود عليهم، ومن الجيد أن تأخذ الأمور هذا المنحى، لكنهم يُرغَمون أحياناً على التعبير عن مواقفهم. ويذكّر بأن جيش الاحتلال اتخذ قراراً سابقاً بشأن قضية “أفيتار”، البؤرة التوأم لحومش، جاء فيه: “إقامة البؤرة غير القانونية ساهم في زعزعة الاستقرار الأمني في المنطقة”. وعن ذلك يضيف: “هذا ينطبق على جميع البؤر، فخلال الأعوام الماضية، اعتدى الفوضويون من التلال على جنود الجيش، المرة تلو الأُخرى. وبالمناسبة، هذا يجري على الرغم من أن عدد الجنود الذين يحمون السكان المستوطنين أكبر من عدد الذين يسكنون البؤرة الاستيطانية. نحن في اللحظات الأخيرة، قبل الانجراف إلى هاوية “الدولة الواحدة”. هذا هو الحل الذي يطالب به اليسار المعادي للصهيونية، والمعادي للسامية، علناً. وهذا هو الحل الذي يُعتبر اليمين المعادي للصهيونية المقاول التنفيذي له”.
وعلى غرار مراقبين إسرائيليين آخرين، يعتقد بن درور يميني أنه لا يزال من الممكن وقف هذا المسار الخطِر الذي سيضع حداً للدولة اليهودية و”الديمقراطية”، لكننا لا نملك الكثير من الوقت، فخلال عشرات الأعوام الأخيرة، كانت الحكومات الإسرائيلية، جميعها، مسؤولة عن حماقة بناء المزيد والمزيد من المستوطنات؛ وتجاهُل المزيد والمزيد من البؤر؛ والعديد العديد من خرق الالتزامات الواضحة من طرف إسرائيل لإخلاء هذه البؤر”.
وينوه بأنه من الواجب القول، في هذا السياق، إن نظام الحكم الثنائي القومية لم يصمد في أي مكان في العالم، ولم يؤدّ إلا إلى العنف. ويقدم أمثلة على ذلك: “كانت هناك أحلام بأن يصمد في يوغسلافيا، وانهارت الأحلام مع مئة ألف حتى ربع مليون قتيل وملايين اللاجئين. الكثير من دول المنطقة، من لبنان، مروراً بسورية، وصولاً إلى اليمن، ليبيا والعراق والصومال، مرّت، أو تمرّ الآن بحروب دامية بسبب الاختلافات الإثنية أو الدينية”. ومضيّاً في تعزيز رؤيته يتساءل بن درور يميني: “كيف ينجح أبناء اليسار غير الصهيوني واليمين غير الصهيوني في الإيمان بفكرة أن هذا سينجح هنا، بعد 100 عام من الصراع، وفي الوقت الذي يدعم كثيرون من الفلسطينيين الإسلام المتطرف؟ من الممكن ألّا يكون لدينا خيار آخر إلّا استمرار السيطرة الأمنية حتى يأتي الوقت الذي سيهتم فيه الفلسطينيون بأنفسهم، بدلاً من إبادة إسرائيل، ولكن “دولة واحدة”؟
ويقول بن درور يميني إنه من غير المهم ما إذا كان سكان هذه الدولة الواحدة سيحصلون على حقوق متساوية كما يريدون، أو إذا كانت هذه الدولة لن تعطي حقوقاً للفلسطينيين، كما يريد اليمين المعادي للصهيونية. ويؤكد أنه في الحالتين، هناك انجرار إلى هاوية دامية، معللاً ذلك بالقول إن الفلسطينيين لن يكونوا ليبراليين من عشاق صهيون، واليهود لن يتحولوا إلى ليبراليين عشاق القومية المزدوجة، وإن الصراع الدامي سيكون النتيجة الوحيدة. ويتساءل مجدداً: “إذاً، لماذا تقوم الحكومة الحالية برسم الطريق الذي يحملنا إلى هذه الكارثة؟”. ويسارع للتوضيح بأن مَن قام بهذا ليست الحكومة الأخيرة، ولكن حكومة “يمين بالكامل”، لأول مرة من دون أي حزب يكبح أو يحفظ التوازن، حكومة مرتبطة كلياً بكتلة غير صهيونية (الحريديم) حينها، الخطر يغدو أكبر، أكبر بكثير”.
يميني: نظام الحكم الثنائي القومية لم يصمد في أي مكان في العالم، ولم يؤدّ إلا إلى العنف.
ويقول إن المثير للاهتمام أن وزير القضاء ياريف ليفين يعبّر عن قلقه عندما يدور الحديث عن احتكاك صغير جداً بين العرب واليهود داخل إسرائيل، إذ قال خلال جلسة الحكومة إن “العرب يشترون المنازل في الجليل وداخل المدن المختلطة ويدفعون اليهود إلى الانتقال من هناك”. مضيفاً: “يجب أن نعمل من أجل أن يكون في المحكمة العليا قضاة يتفهمون هذا”. عن ذلك يعلق بن درور يميني بالقول: “هذا لا يعني أنه لا توجد مشكلات بين العرب واليهود في المدن “المختلطة”، إلّا إن هذه المشكلات ليست سوى جزء ضئيل جداً من تلك الموجودة بين العرب واليهود في الضفة الغربية”. ويتابع: “إذاً، وبحسب ما يقوله ليفين، يجب أن يكون هناك قضاة للحد من استيطان اليمين المتطرف في قلب المجتمع العربي في إسرائيل. وكي تكون الأمور واضحة، فإن أغلبية المواطنين العرب في إسرائيل، حتى لو لم يكونوا صهاينة، هم مواطنون لديهم ولاء. صحيح، هناك أقلية قومية، وهناك أيضاً إجرام، وهناك نقب مجنون ومنفلت وفوضى. ولكن على الرغم من ذلك، فإننا كنا نتمنى أن تكون العلاقات بين اليهود والفلسطينيين في الضفة كالعلاقات بين العرب واليهود في إسرائيل”.
ويخلص بن درور يميني للقول إن “مَن يعتقد أن القضية الفلسطينية اختفت لأننا مشغولون بالاحتجاجات الديموقراطية هو واهم، منبهاً إلى أن الخطر الذي يفرضه اليمين المعادي للصهيونية في مجال الثنائية القومية لا يقل عن الخطر الذي يفرضه في مجال نظام الحكم”. ويضيف: “كي يكون هناك تغيير، لا نحتاج إلى يساريين يرفعون علم فلسطين في التظاهرات. نحن بحاجة إلى معسكر صهيوني واسع، مع جزء من اليمين وآخر من اليسار، يدعم الدولة اليهودية الديمقراطية. ولا وقت للراحة لدى معسكر الاحتجاجات الذي رفع علم إسرائيل. فلا يزال أمامه الكثير من العمل”.