معلمة بالقوة

حجم الخط
0

معلمة بالقوة

معلمة بالقوة لم يدر بخلدها يوما ان مثل هذا الشعور يمكن ان ينتابها وتتخلص ولو للحظة من كلكل الهم الذي رزح علي صدرها. توقفت عن جمع ما تبقي من اشيائها البسيطة وتوجهت نحو النافذة. شاردة كانت تتأمل عمق الوادي والتقاء الجبل بالسماء. كان الفجر يتثاءب مجردا نوره من غمد الظلام، حين انطلقت في رحلتها الاولي باتجاه القرية النائية. كانت تبتعد عن المدينة وعن احلامها معا. ايلول يصب شمسه الخريفية قارا، وحبيبات العرق المالح تتسابق باتجاه محاجر العين. كفكفت دموعا لا تعرف سر تدحرجها. ثم عادت تحدق من جديد في الطريق الطويلة الطويلة كصراط غير مستقيم او كثعبان اسطوري. كانت تقطعها كل عطلة بانفاس مقطعة وعيون متوسلة وكانت لا تكف عن شغل نفسها بتتبع شخير السيارة في ارتفاعها وانخفاضها وصداها يتردد بين الفجاج والجبال وتستطيع تبينه رغم ثرثرة سائقها بالفضول الذي يعرف وحده كيف يراودها ويراود معها الطريق اذا كفنتها الثلوج او حاصرتها الحجارة. الحجارة نفسها التي هدمت بيتها، وها اطلالة شاهدة امام عينيك. فلتشكري العيد الذي غيبك ساعتها. كفكفت دموعها ثانية وعادت تجمع آخر شيء تود حمله معها. حملت حقيبتها. انحدرت نحو الوادي العميق. وفجأة هاجمتها صورة الكلاب وهي تتحرش بها ذات ليلة حين سقطت في الماء ولم يقها من عض محقق الا خشخشة جلبابها البلاستيكي الذي كان يسيل لعاب اهل القرية. التفتت الي الخلف، كل شيء كان معلقا: القرية علي اكتاف الجبل، الحيوانات علي سطوح البيوت، القراد علي آذان الحيوانات، الذباب علي الاطفال، عيون الاطفال علي العصا والمدرسة، عيون الاهالي علي المعلمين والمعلمات، عيون المعلمين علي المعلمات، عيون المعلمين والمعلمات علي الطريق، علي الزاد، علي المدير، علي الوزارة، علي نهاية السنة… وانتهت السنة. سالت عيناها وانفها. مدت يدها الي حقيبتها، لم تجد غير قرار تعيينها لمدة سنة دراسية واحدة. تناولت الورقة، مسحت المخاط عن انفها ثم رمتها علي سطح الماء وراقبتها حتي اختفت. امتطت الشاحنة التي كانت متوقفة عند نهاية الطريق، ولم تستطع ان تنظر باتجاه الاهالي الذين تبعوها مودعين. حين تزحزحت الشاحنة عن مكانها التفتت الي الوراء، كانت القرية تختفي وراء الدموع والغبار والسراب.فاطمة زهرة[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية