من زهير أندراوس:
الناصرة ـ ‘القدس العربي’ كُشف النقاب أمس الأربعاء في تل أبيب عن أن معهد الأبحاث الأمريكي (راند)، الذي يُقدم المشورة المهنية والعلمية لوزارة الدفاع الأمريكية حذر أمس من هجوم إسرائيلي أو أمريكي على المنشآت النووية الإيرانية، وأوصى إدارة الرئيس باراك أوباما بالعمل بهدوء ومن وراء الكواليس للتأثير على الجدال الدائر في الدولة العبرية حول الضربة العسكرية أو عدمها، والتشديد على فوائد ومضار الهجوم.
علاوة على ذلك، أبدى المعهد معارضته الشديدة لموقف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن، إيهود باراك، اللذين يؤيدان الهجوم على البرنامج النووي الإيراني، لافتًا إلى أن باراك سيجتمع في اليومين القريبين في العاصمة الأمريكية، واشنطن، إلى وزير الدفاع الأمريكي، ليئون بانيتا، وعدد من كبار المسؤولين في وزارة الدفاع، علاوة على ذلك، جاء في توصية المعهد تأييده الشديد لموقف كلٍ من رئيس الموساد (الاستخبارات الخارجية) السابق، مئير داغان، ورئيس الشاباك (جهاز الأمن العام) السابق، يوفال ديسكين، القاضي بعدم توجيه الضربة العسكرية.
وقال المحلل للشؤون الأمنية في صحيفة ‘هآرتس’ العبرية، أمير أورن، إن معهد راند، الذي يتخذ من سانتا مونيكا في كاليفورنيا، يُعتبر من أهم المعاهد الأمريكية في قضايا تحديد السياسات، ويؤثر جدًا على دوائر صناعة القرار في المجالين العسكري والسياسي في الولايات المتحدة، كما أنه يمتاز باختصاصه في تحليل الأوضاع ونشر التقديرات لصالح سلاح الجو الأمريكي، بالإضافة إلى هيئات أمريكية رسمية أخرى.
وبحسب الصحيفة العبرية، فقد جاء في التوصية المذكورة للمعهد الأمريكي بأن موقف نتنياهو وباراك يرتكز على الفرضية الخاطئة بأن الشرق الأوسط بعد توجيه الضربة العسكرية لإيران سيكون متحررًا من إيران النووية، ولكن المعهد يقول إن الخطر بعد الهجوم سيكون مضاعفًا، ذلك أن إيران بعد تلقيها الضربة ستتحول إلى أكثر إصرارا وعزما على امتلاك الأسلحة النووية، كما أن الضربة العسكرية ستمنحها الفرصة لاجتياز العقبات الإقليمية والدولية التي تقف أمامها اليوم كسد منيع، كما أنها ستكون متحدية للدولة العبرية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، على حد تعبير المعهد، ومن ناحية أخرى، فإن الضربة العسكرية سيكون لها التأثير الكبير على صناعة الرأي العام في إيران، إذ يتوقع المعهد أن تتزايد شعبية النظام الحاكم في إيران لامتلاك القنبلة النووية، ومن الناحية الأخرى فإن الضربة لن تمنع إيران من مواصلة تخصيب اليورانيوم، خصوصا وأن الشعب الإيراني سيؤيد بأغلبيته العظمى توجه النظام لامتلاك الأسلحة النووية، على حد تعبير معدي التوصية في المعهد الأمريكي.
وجاء أيضا في الدراسة، كما نقلت الصحيفة العبرية، أنه يتحتم على كبار المسؤولين في المخابرات الأمريكية دعم مواقف قادة الأجهزة الأمنية السابقين والحاليين في الدولة العبرية، والذين صرحوا في أكثر من مناسبة بأنهم يُعارضون الضربة العسكرية، بالإضافة إلى ذلك، أوصى معهد (راند) بتنظيم دورات ومؤتمرات برعاية أمريكية بهدف توضيح موقف الإدارة في واشنطن من الضربة العسكرية وما ستجلبه من خسائر، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر جدا على قرار الحكومة الإسرائيلية، ولكن مع ذلك، يؤكد المعهد في توصيته على عدم لجوء الولايات المتحدة إلى ممارسة الضغط العلني والمباشر على إسرائيل، لأن ذلك سيزيد الشعور لدى صناع القرار في تل أبيب بأنهم في عزلة تامة، الأمر الذي سيدفعهم إلى تحدي الموقف الأمريكي. وتابعت الصحيفة العبرية قائلةً إن المعهد يُوصي أيضا بتشجيع القادة والصحافيين الإسرائيليين بإبراز التعاون الأمني بين تل أبيب وواشنطن، كما أن ممارسة ما يُطلق عليها بألعاب الحرب، تؤكد للإسرائيليين ميزان الردع بين الجمهورية الإسلامية وبين الدولة العبرية، كما أن المعهد عينه يُوصي بتشجيع لقاءات بين خبراء عسكريين من إسرائيل ومن إيران بشكل غير رسمي، برعاية أمريكية أو أوروبية، بهدف منع النزاع النووي بين البلدين في حال وصول طهران إلى القنبلة النووية.
ولفت المحلل أورن إلى أن رئيس الطاقم الذي قام بإعداد توصية معهد (راند) هو السفير الأمريكي السابق، جيمس دوبينس، الذي يُدير مركز الدفاع والأمن العالمي في المعهد. وبحسب الدبلوماسي السابق والطاقم الذي يعمل معه، فإن العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية ضد طهران أنجع بكثير من الضربة العسكرية لمنعها من الوصول إلى الأسلحة النووية، مشددين على أن الخدمة الأفضل لأمن إسرائيل هو لجم توجهاتها العسكرية الهجومية، بالإضافة إلى توثيق التعاون العسكري والأمني بين تل أبيب وواشنطن، كما أن الطاقم يُقدر بأن الشعب الإيراني يؤمن بأن بلاده ستكون أكثر أمنًا وأمانًا في المستقبل إذا وافقت على أن تكون صاغية للمصالح الأمريكية.
وتابع المعهد الأمريكي قائلاً في توصيته التي رفعت إلى البنتاغون إنه يُحذر من أن الهجوم العسكري على إيران، إسرائيليًا كان أم أمريكيا، سيزيد من صلابة النظام الحاكم وسيزيد من إصراره على الوصول إلى القنبلة النووية، كما أن الضربة العسكرية ستُبعد إمكانية استيعاب إيران من قبل المجتمع الدولي، لأن الدول القريبة منها تخشى من عمليات تدبير المؤامرات ضدها أكثر من الضربة العسكرية، وكذلك الأمر بالنسبة لإسرائيل، التي ستتعرض لهجمات صاروخية من حزب الله اللبناني ومن حركة حماس في فلسطين، كما أن التوصية تُشدد على أن توجيه ضربة عسكرية لإيران بدون قيام الأخيرة باستفزاز إسرائيل، سيدفعها لإطلاق العنان لكلٍ من حزب الله وحماس بتوجيه الصواريخ نحو إسرائيل، وعندها سيكون من الصعب، إن لم يكن مستحيلاً، ردع إيران، على حد تعبير المعهد الأمريكي، بالإضافة إلى ذلك فإن الانحياز لإيران عقب ضربها سيزداد بشكل غير مسبوق، وفي المقابل ستؤدي الضربة إلى تأثيرات سلبية جدًا على الدول العربية المرتبطة بحلف مع الولايات المتحدة، وفي مقدمتها مصر.
ويخلص المهد إلى القول إنه يتحتم على الولايات المتحدة أن تُبرهن لإيران بأن استمرارها في المحاولات للحصول على القنبلة النووية ستزيد من عزلتها الدولية والعقوبات المفروضة عليها، وستؤدي إلى قيام قوى عديدة من داخل طهران بالعمل على قلب نظام الحكم، ويُوصي المهد بعدم تهديد إيران باللجوء إلى الخيار العسكري، وبطبيعة الحال، التأكيد على أن إخراج هذه التهديدات إلى حيز التنفيذ مرفوض كليا. كما أن المعهد يُوصي أمريكا بمواصلة مساعيها لمنع إسرائيل من توجيه الضربة العسكرية، وبموازاة ذلك، تقوية القدرة العسكرية والمخابراتية الإسرائيلية لتكون حاضرة للعيش والتعايش مع إيران النووية، ورجح المعهد الأمريكي بأنه إذا تحولت إيران إلى ديمقراطية أو أن النظام سيكون معتدلاً فإن ذلك سيُخفض من العدائية الإيرانية للدولة العبرية، ورأى المحلل بأن نشر التوصية قبل أسبوع من جولة المحادثات الثانية في بغداد هدفها التأثر على ممثلي الدول الكبرى الذين سيجتمعون إلى ممثلي إيران ببغداد في الـ23 من الشهر الجاري.