معهد إسرائيلي اعتبرها غلطة إستراتيجية.. بدء تشكيل ميليشيا بن غفير رغم معارضة المؤسسة الأمنية

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”: بعدما صادقت حكومة الاحتلال، أمس الأحد، على إقامة ميليشيات مسلحة تحمل اسم “الحرس الوطني”، من المفترض أن يلتقي المبادر لها، والمعني الأول بها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير مع المفتش العام للشرطة كوبي شبتاي، في محاولة لإيجاد مخرج، أو حل لمعارضة أوساط إسرائيلية واسعة لإخضاع “الحرس الوطني” لإمرة الوزير شخصياً.

وبعدما قررّت حكومة الاحتلال إقامة الميليشيا المسلحّة، واقتطاع ميزانيتها من بقية الوزارات، تم تشكيل لجنة مهنية خاصة، مهمتها فحص السؤال كيف تكون ملامح “الحرس الوطني”، ولمن يخضع، لوزير الأمن القومي، أم للمفتش العام للشرطة، وعليها تقديم توصياتها خلال 90 يوماً.

وكان مفتش الشرطة قد حذّر من خطورة تشكيل ميليشيا مسلحة تخضع لأوامر الوزير، وأوضح موقفه في مذكرة مطولة بعث بها للوزير، قال فيها إن إقامة سلطة منفصلة عن الشرطة بمثابة كارثة، لأنها تنتج ازدواجية في العمل، وستجعل قواتنا تطلق النار على بعضها البعض، ضمن ما يعرف بـ “نيران صديقة”.

وتواصل المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية معارضةَ تشكيل الميليشيا دون دراسة مسبقة في قيادة الشرطة، وهذا ما يرفضه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي اتهمَ المستشارة القضائية بأنها أخذت على عاتقها التخريب على عمل الحكومة”.

ويتفق رئيس المخابرات العامة (الشاباك) رونين بار مع مفتش الشرطة شبتاي بأن تشكيل هذه الميليشيا من شأنه أن يمسّ بأمن المواطنين، وسيأتي بنتائج معاكسة.

وتحذر أوساط المعارضة أيضاً من مغبة تشكيل الميليشيات المسلحة، ومن احتمال استخدامها لقمع الاحتجاجات على “الانقلاب الدستوري”. بيد أن الهدف الحقيقي غير المعلن خلف هذه الميليشيات لا يرتبط بالمتظاهرين الإسرائيليين واحتمال قمعهم، خاصة أن الوزير المدان بالإرهاب إيتمار بن غفير كان قد أعلن نيته بتشكيلها قبيل الانتخابات العامة للكنيست في 01.11.2022.

الهدف الحقيقي المركزي

كان، وما زال، الهدف المعلن ضبط الأمن، ومنع الفوضى في النقب، ومكافحة الجريمة ومظاهر الأتاوات، لكن

الهدف الحقيقي هو محاولة تأديب فلسطينيي الداخل وقمعهم، حيث تعالت الدعوات الإسرائيلية لذلك منذ هبة مايو/أيار 2021، التي انتصر فيها فلسطينيو الداخل للقدس والأقصى، فشهدت المدن الساحلية حالة احتراب بين العرب واليهود فيها، دامت عدة أيام، وقتل فيها عدد من الجانبين وأصيب العشرات.

وعلى خلفية ذلك تحذر الفعاليات السياسية الفلسطينية في إسرائيل، ممثلة بالأحزاب و”لجنة المتابعة العليا”، من خطورة تشكيل هذه الميليشيا، لكنها تكتفي، حتى اليوم، ببيانات ومنشورات معارضة في منتديات التواصل الاجتماعي.

ويوجه مراقبون محليون انتقادات للحكومة الإسرائيلية ويتهمونها بأنها تلعب بالنار، لكنهم يوجهون انتقاداتهم أيضاً للقيادات العربية التي لا ترتقي ردود فعلها لمستوى التهديد المباشر، الذي تجلّى في إعدام ميداني للطبيب محمد العصيبي من بلدة حورة في النقب، وهو داخل الحرم القدسي الشريف قبل أيام.

ويؤكد هؤلاء المراقبون أن مع الاحترام لفيديوهات أحمد الطيبي بالـ “تك توك”، وأيمن عودة في الفيسبوك، وخطابات منصور عباس، وبيانات محمد بركة، فإن مواجهة هذا الخطر الداهم تكون أكثر حقيقية وفاعلية عندما تجسّد الاحتجاج الشعبي وتنظيم صفوف فلسطينيي الداخل وخروجهم مبكراً في مظاهرات سلمية تحّد من محاولة استباحة دمهم، فإسرائيل لا تحترم إلا الأقوياء، ولا تفهم سوى لغة القوة، كما اعتادت على القول الوزيرة الإسرائيلية اليسارية شولميت ألوني. ويؤكدون أنه من الحيوي جداً المبادرة للاحتجاج الشعبي المبكر، وكذلك مخاطبة الإسرائيليين بتحذيرهم من مخططات حكومتهم، علاوة على فضح المخططات أمام العالم، قبل أن يقع “الفأس بالرأس”، كما حصل في مايو/ أيار 2021 عل ذلك يردع المسؤولين الإسرائيليين عن اللعب بالنار مجدداً تحت شعار الأمن والحفاظ عليه.

يؤكد مراقبون أن مواجهة خطر “الحرس الوطني” الداهم تكون أكثر حقيقية وفاعلية عندما تجسّد الاحتجاج الشعبي وتنظيم صفوف فلسطينيي الداخل..

معهد دراسات الأمن القومي:

على خلفية كل ذلك يؤكد عدد من الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي، التابع لجامعة تل أبيب، رفضهم لتشكيل الميليشيا المسلحة، ويعتبرونها “غلطة إستراتيجية”. ويستذكر هؤلاء أنه في أعقاب أحداث مايو/ أيار 2021، اتخذت عدة قرارات مبررة بإقامة “حرس وطني” يكون جزءاً من الشرطة، بينما مبادرة بن غفير اليوم تقضي بأن تكون هذه الميليشيا تحت إمرته. ويحذرّون من أن تشكيل هذه الميليشيا المسلحة سيكون مكلفاً وسيضعف الشرطة، وينتج عراقيل تنظيمية قاسية، ويمس بأجهزة الأمن وتطبيق القانون بما فيها الجيش أيضاً.

 ويرى “المعهد” أن تشكيل “الحرس الوطني” هو خطوة صحيحة، وفي وقتها، لكن فصلها عن قوات الشرطة أمر غير ضروري، ولا يخدم الاحتياجات العملياتية، وعلى الحكومة رفض ذلك، مثلما على الشرطة ومفتشها العام رفع صوتهم المعارض بقوة أكبر.

الطابع السياسي

يشار إلى أن بن غفير توصّلَ، في 27 مارس/ آذار المنقضي، لاتفاقٍ مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يقضي بتشكيل “الحرس الوطني” مقابل موافقة بن غفير على تعليق “الإصلاحات” القضائية، بعدما أعلن رفضه لذلك مهدداً بالخروج هو وحزبه (قوة يهودية) من الائتلاف الحاكم. ويؤكد باحثو معهد دراسات الأمن القومي أن توقيت هذا الإعلان العجول عن هذا الاتفاق بين نتنياهو وبن غفير يدلل على طابعه السياسي. كما يستذكر “المعهد” أن حكومة نتنياهو السابقة اتخذت قراراً، في 2021، بإقامة “الحرس الوطني” كجزء من استخلاصات، وعبر هبة مايو/ أيار 2021، مثلما أن حكومة نفتالي بينيت قررت أيضاً، هي الأخرى، تشكيل هذه الميليشيات، في يونيو/ حزيران 2022. وشرَعَ وزير الأمن الداخلي السابق عومر بارليف بخطوات، وكانت النية وقتها إقامة “حرس وطني” على أساس قوات “حرس الحدود” يخضع للشرطة، لكن الحكومة الحالية تسعى لإقامته تحت إمرة الوزير نفسه.

مواجهة حالات طوارئ مدنية

وكان المعهد قد نشر تقريراً، في 22.02.2023، بعنوان “حرس الحدود.. نحو تغييرات جوهرية في مهام الحرس الوطني”، وفيه تم تسليط الضوء على الدلالات العميقة لإقامته، فتم التشديد على أن تشكيل تنظيم عسكري جديد له صلاحيات شرطوية هو خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن إخضاعه للوزير ينطوي على خطأ فادح، وذلك لعدة أسباب:

إن تشكيل “الحرس الوطني” منفصلاً عن الشرطة سيضعفها بدلاً من العمل على تعزيزها. كما يعلل “المعهد” دعمهم لتشكيل “حرس وطني” بالإشارة لدوره في جعل الشرطة جاهزة لمواجهة حالات طوارئ مدنية، كالحرائق الكبرى، الفيضانات، الهزات الأرضية، وانهيار مبان، وغيره. يشار إلى أن أغلبية الإسرائيليين أيدت في الماضي، بعكس اليوم، تأسيس “الحرس الوطني”، كجزء من ردهم على هبة الكرامة في مايو/ أيار2021، وخوفهم من حالة الاحتراب بين اليهود والعرب في المدن الساحلية، وهذا ما يفسر فوز الحزبين الفاشيين “قوة يهودية” و”الصهيونية الدينية”، اللذين عزفا على أوتار الخوف لدى الإسرائيليين، لكن هؤلاء اليوم يخشون أن يكون “الحرس الوطني” نوعاً من صبّ الزيت على النار بدلاً من الماء، بعدما تبيّن أن زعيمي الحزبين المذكورين يتصرفان بشكل صبياني ومتطرف خطير.

في المقابل، يحذر باحثو “المعهد” من تعقيدات عملياتية مترتبة على إخضاع “الحرس الوطني” لإمرة الوزير، بالقول إن الدولة صغيرة، علاوة على كثرة الأحداث المعقدة، تلزم الشرطة بالتنسيق بمستوى عال لعملها مع بقية الأجهزة الأمنية ومؤسسات تطبيق القانون وغيرها. ويتابع هؤلاء بالتحذير من أن هذا البعد الحيوي سيتضرر بشكل فادح بحال تم فصل “الحرس الوطني” عن الشرطة، لأنه سيخلق ازدواجية زائدة، ويتسبّب بإخفاقات عملياتية في الميدان، وكذلك سيؤدي إلى تبذير ميزانيات وطاقات، منبهين لأهمية وحدة القرار والأوامر في عمل الشرطة. كما يحذّرون من أن تشكيل “حرس وطني” منفصل سيمسّ بالعلاقة المتناغمة بين الشرطة وبين قوات “حرس الحدود”، وهي قوات شبه عسكرية تتبع لإمرة الشرطة.

عدو الأمن

ويرى هؤلاء أن هناك سؤالاً مركزياً آخر؛ هو ما هي وظائف “الحرس الوطني”، ويوضحون أن مهمته التركّز بنشاط ضد “عمليات إرهابية”، وفي مهام أمنية جارية، وفي مواجهة أعمال شغب في الجبهة المدنية، وإدارة حالات طوارئ على أنواعها، لكن الوزير بن غفير أضاف على كل ذلك الانشغال بمواجهة “الجريمة على خلفية قومية”، وتعزيز الحوكمة في الحيز العام، حيثما تقتضي الحاجة.

وينوه “المعهد” بأن هذه المهام التي أضافها بن غفير هي عملياً جزء من مهام الشرطة و”حرس الحدود”. ويتساءلون: هل ستتوقف الشرطة و”حرس الحدود” عن متابعة هذه المهام التي أوكلت لهما طبقاً للقانون؟ أم ستعالج المؤسسات الأمنية الثلاث معاً هذه المهام بالتزامن؟

 ويتابع “المعهد” تحذيراته: “منذ البداية كان من المفترض أن تساهم إقامة الحرس الوطني في تحسين أداء خدمات الشرطة للمواطن، وزيادة الشعور بالأمن الشخصي، وتمكينها في مواجهة بقية التحديات، لكن هذه التحديات لن تلقى جواباً إلا إذا أقيم “الحرس الوطني” كوحدة من وحدات الشرطة وجزء لا يتجزأ منها”.

ويحذّر “المعهد” أيضاً من تدخل الوزير، بالقول إنه حتى لو تمّ تشكيل “الحرس الوطني” خارج الشرطة يحظر على الوزير التدخل في إصدار تعليمات عملياتية تطبيقية، لأن ذلك يعني إقحام اعتبارات وحسابات ومصالح سياسية وشخصية.

 ويتابع “المعهد” محذراً بالتلميح من المساس بأمن المواطنين العرب: “الشرطة ليست جيشاً، وحرس الحدود ليس جيشاً. والحرس الوطني ليس جيشاً. وزارة الأمن القومي ليست وزارة الأمن. كل هذه المؤسسات تنشغل بالأساس، وبشكل مباشر، بأمن المواطنين في إسرائيل ممن لديهم حقوق متساوية قانونياً”.

ولا شك أن ما يحرّك الوزير المنفلت بن غفير هو الرغبة بـ “تأديب” المواطنين العرب، مثلما وَعَدَ زميله وزير المالية والوزير الإضافي في وزارة الأمن باتسلئيل سموتريتش (الصهيوينة الدينية) بحسم الصراع مع الفلسطينيين بشكل عام. وكلاهما أكد ذلك في دعايته الانتخابية، وهما قد انتُخبا على أساسها رافعين شعار الأمن والحفاظ على الأمن. هذه المزاعم الأمنية التي تصدر عن بن غفير وسموتريتش تذكّر بما قاله الشاعر الفلسطيني الشيوعي الراحل ابن غزة الذي أقام ورحل في حيفا علي عاشور: “باسم الأمن فقدنا الأمن، وصار الأمن عدو الأمن”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية