الناصرة- “القدس العربي”: يعتبر معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، ضمن تقديراته الإستراتيجية الخاصة بإسرائيل للعام الجديد 2023، أن الهزّات الجيوسياسية تلتقي تحديات داخلية متفاقمة. وقال تقرير تلخيصي للمعهد المذكور إن العام 2022 تميز بصيرورات في النواحي العالمية، الإقليمية، الإسرائيلية- الفلسطينية والإسرائيلية الداخلية تطرح تحديات أمام الأمن القومي الإسرائيلي تستوجب إعادة تقييم الواقع المتشكّل وصياغة سياسات مناسبة.
وحسب تقرير المعهد، وصل بعض هذه الصيرورات لنقطة تحول واضحة خلال 2022، وبعضها الآخر يواصل التفاعل والتطور تدريجياً، مما يثقل على تفكير متجدد حيال مفاهيم إستراتيجية رائجة رغم المخاطر المنوطة باستمرار الوضع الراهن. ومن بين المسيرات التي بلغت تحولاً واضحاً في العام المنصرم، ولا تتيح بعد التمسك بمفاهيم قائمة بارزة تبرز ثلاث صيرورات:
تفاقم المنافسة بين الصين وبين الولايات المتحدة، التي بدأت في ولاية براك أوباما، ووصلت في العام الفائت لصدام مكشوف ومتعدد الأبعاد بين دولتين عظميين يؤثر على بلورة شكل السياسة العالمية.
والصيرورة الثانية هي الخطوات العنيفة التي اتخذتها روسيا ضد أوكرانيا منذ ضمّ شبه جزيرة القرم، عام 2014، وقد تحولت، في العام الماضي، إلى حرب واسعة على أرض أوكرانيا تزعزع السلام الأوروبي.
والصيرورة الثالثة السعي الإيراني المحموم للتحول لحيازة السلاح النووي، وفيها تحولت عملياً لدولة على حافة النووي، في ظل عدم وجود إطار دولي يقيدها، ورفض واشنطن لطرح تهديد رادع أمامها.
الفراغ السلطوي في الضفة الغربية، وفقدان الأفق السياسي، دفعا موجة من العمليات المتناثرة والمحلية كـ “عرين الأسود”، وزادت احتمالات الاحتكاك والاشتباك.
ويرى المعهد أن هذه الصيرورات متشابكة، وهي تزعزع عدداً من الفرضيات الأساسية التي تقوم عليها السياسات الخارجية والأمنية الإسرائيلية. ويتابع معهد دراسات الأمن القومي، في تقريره الجامع: “هكذا تدفع هذه الصيرورات إسرائيل لاتخاذ موقف مع هذا أو ذاك من الأطراف المتنازعة، بخلاف سياساتها المنتهجة حتى اليوم، فهي أقامت علاقات تعاون واسعة مع الصين ومع روسيا أثمرت نتائج طيبة اقتصادياً ودبلوماسياً. هذه الضغوط التي تتعرض لها إسرائيل اليوم من أجل اتخاذ موقف من الصراع بين هذه الدول تقلل من هامش مناورتها، فيما تبقى إيران بمساعيها نحو النووية التهديد الحقيقي الأخطر عليها”.
في المقابل تحدث مسيرات داخلية لا تقل خطورة في إسرائيل وفي المنطقة المجاورة لم تبلغ بعد نقطة التحول، رغم التسارع نحوها في العام الماضي، وهي تضع تحدياً مزدوجاً أمامها، فالتغيير في الفهم وفي السياسة صعب جداً طالما لا يتم تشخيص تغيير جوهري في أرض الواقع، وفي مستوى التهديدات المترتبة. ويقول “المعهد” هنا إن هذه الصيرورات تحدث في ثلاثة سياقات أساسية، أولها الحلبة الفلسطينية، حيث يستمر ضعف السلطة الفلسطينية وفقدان السيطرة خاصة في شمال الضفة الغربية، تزامناً مع اقتراب نهاية عهد محمود عباس دون إيجاد بديل متفق عليه لنقل الحكم بشكل منظم. ويعتبر المعهد الإسرائيلي أن الفراغ السلطوي في الضفة الغربية، علاوة على فقدان الأفق السياسي، قد دفعا موجة من العمليات المتناثرة والمحلية كـ “عرين الأسود”، مما حثّ جيش الاحتلال لتصعيد عملياته، وبالتالي زادت احتمالات الاحتكاك والاشتباك واندلاع مواجهة أوسع.
وينبه معهد دراسات الأمن القومي، الذي يضع دراسات وخلاصات تؤثر عادة على صناع القرار الإسرائيلي، إلى استمرار توسيع المستوطنات، وسط تقدم فعلي نحو واقع “الدولة الواحدة”، التي تهدد بنفي خيارات مستقبلية للتسوية مع الشعب الفلسطيني، وتهدد هوية إسرائيل كدولة يهودية وديموقراطية. كما يحذّر المعهد من أن المخاطر الكامنة في هذه الصيرورات من شأنها أن تتصاعد في ظل حكومة احتلال جديدة تدعو علانية للضمّ ولتعميق الاستيطان والسيطرة على كل البلاد من البحر إلى النهر. وبرأي المعهد، فإن كل ذلك سيثقل على إسرائيل في الحلبة الدولية، خاصة من ناحية مواجهة التهديد الإيراني.
ويتطرق التقرير للتحديات الداخلية، ويرى أن التوترات بين الأوساط والمعسكرات المختلفة داخل إسرائيل في تصاعد كبير، منذ العام الفائت، وترافقها عملية استقطاب وتطرف في المسار السياسي. ويشير إلى أن حكومة نتنياهو السادسة تطرح أجندة يمينية واضحة يعتبرها جزءٌ هام من الإسرائيليين “متطرفةً، بل تهدد الحلم الإسرائيلي بدولة يهودية وديموقراطية”.
كما يشير إلى حالة التصدع غير المسبوقة التي تفرّق بين الإسرائيليين، في ختام أربع سنوات، من فقدان الاستقرار السياسي، التحريض ونزع الشرعية المتبادلة، ويؤكد أن كل ذلك يثير علامات استفهام مقلقة حيال القدرة على صيانة أسس النظام الديموقراطي واستقلال الجهاز القضائي وتطبيق القانون وصيانة الموازنات في معادلة الدين والدولة، وكذلك في مجال حقوق الفرد.
وطبقاً للمعهد، فإن علامات الاستفهام هذه تشكّل تهديداً لأمن إسرائيل القومي، وذلك عقب وجود احتمال انفجار مواجهات عنيفة على غرار “حارس الأسوار” (سيف القدس)، والذي لا يقل أهمية هو المساس بالشعور بالتكافل الجماعي بين الإسرائيليين الحيوي لمواصلة عملية المشاركة في حمل الأعباء في مواجهة تحديات ثقيلة من الخارج.
كما في تقارير سابقة، ولدى مؤسسات بحثية أخرى يرى “المعهد” أن العلاقات بين دولة الاحتلال وبين الولايات المتحدة ذخر كبير بالنسبة للأولى، لكنها تواجه اليوم تحدياً نتيجة تحولات اجتماعية وسياسية أمريكية داخلية ونتيجة ابتعاد اليهود فيها عن إسرائيل وبالأساس بسبب ما يحدث فيها. ويشير التقرير لتعزّز قوة التيار التقدمي في الحزب الديموقراطي من جهة، وتحدي اليمين للنخب الأمريكية التي ينتمي لها معظم اليهود في الولايات المتحدة من جهة أخرى، وهذا كله يخلخل قواعد الدعم لإسرائيل، ويهدد مكانة اليهود أنفسهم في أمريكا. ويضيف التقرير على ذلك بالقول إن تراجع اهتمام واشنطن في الشرق الأوسط لجانب قيام حكومة يمينية واضحة في إسرائيل، مقابل إدارة أمريكية تتبنى أجندة ليبرالية. كل ذلك يزيد من حالة التباعد ويهدد بتآكل قاعدة الدعم الأمريكي التقليدي الأمني والاقتصادي والدبلوماسي، وبالتالي المساس بمكانة إسرائيل الدولية والإقليمية وبمناعتها الاقتصادية وبقدرتها على مواجهة تهديدات مركزية، أبرزها إيران.
“اتفاقات أبراهام” خلقت واقعاً إقليمياً جديداً تبتعد فيه إسرائيل عن صورة “الفيلا داخل الغابة”.
وينبه التقرير إلى أن التحديات النابعة من مسيرات تغيير داخل الساحة الفلسطينية، وفي إسرائيل، وفي العلاقات مع واشنطن متشابكة: ما يجري في الضفة الغربية ينعكس على الداخل في إسرائيل، ويؤجج التوترات فيها، ويفاقم التطرف السياسي، ويحول دون نقاش موضوعي واقعي حول القضية الفلسطينية، مثلما يؤثّر على العلاقات مع يهود الولايات المتحدة، علماً أن هذا الابتعاد يؤدي لتعميق الاستقطاب الداخلي بين الإسرائيليين. ويضيف: “بخلاف النزاع بين الولايات المتحدة والصين، أو تحول إيران لدولة على حافة النووي، فإن الصيرورات المتعلقة بالحلبة الفلسطينية والساحة الإسرائيلية الداخلية، وفي العلاقات مع واشنطن، لم تبلغ بعد نقطة الحسم أو الأزمة تماماً. هذا التحول التدريجي يتيح فرصة للتنكر لها، ويعزز عدم الاستعداد لمواجهة الأخطار الكبيرة الكامنة فيها. وسيحاول الرافضون للاستنتاجات المنطقية من استمرار هذه الصيرورات التقليل من حجم وحدّة هذه المخاطر، وبالتالي تبرير امتيازات السياسة الحالية كـ “إدارة الصراع” في السياق الفلسطيني، وتبرير فقدان المبادرة الهادفة لفرملة هذه التحولات السلبية”.
ويعتبر التقرير أن “اتفاقات أبراهام” قد خلقت واقعاً إقليمياً جديداً تبتعد فيه إسرائيل عن صورة “الفيلا داخل الغابة”، وتبدو تدريجياً كدولة عظمى إقليمية قادرة على الاندماج في المنطقة في سياقات متنوعة: أمن، اقتصاد، تحديث وابتكار، ماء، الطاقة ومواجهة تغيرات المناخ. ويرى، بالإضافة للمنافع المترتبة على هذا التطبيع مع دول “اتفاقات أبراهام”، أن مسيرة التطبيع تستبطن قدرة هامة بسبب إمكانية انضمام دول أخرى للتطبيع وتعزيز العلاقات مع مصر والأردن. ومع ذلك فإن مستقبل هذا التعاون منوط لحد بعيد بسلوك إسرائيل مقابل الحلبة الفلسطينية، وبجودة علاقاتها مع واشنطن.
ويشير التقرير لمواجهة إسرائيل تشكيلة من التحديات الخارجية والداخلية في العام الجديد، بعضها خطير جداً: تحولات جيوسياسية حادة تقلص هامش مناورة إسرائيل، تفاقم التهديد الإيراني، تدهور متعدد الأبعاد في الأوضاع داخل الضفة الغربية، استقطاب سياسي داخلي يمس بالنسيج الديموقراطي واللحمة الاجتماعية، واتساع الفجوة بين إسرائيل والولايات المتحدة واليهود فيها أيضاً.
ويتابع معهد دراسات الأمن القومي رسم خريطة التحديات في 2023 بالقول إن إيران هي أخطر هذه التحديات لعدم وجود حل بيد إسرائيل لمواجهته، على الأقل بالمنظور القصير، ولعدم وجود تأثير على الدول العظمى المتوخى منها الضغط على طهران. وينبه إلى أن كل الخيارات الممكنة، العسكرية أو الدبلوماسية، لدى إسرائيل تقتضي علاقات حميمية مع واشنطن، داعياً بشدة لمكافحة التوجهات السلبية الضارة بالعلاقات معها، ولتمعيق الحوار السري مع الإدارة ومع الكونغرس. كما يدعو المعهد لتوسيع وتعميق الصلات والتفاهمات مع اليهود في الولايات المتحدة لاعتبارهم مستنداً داعماً ومصدراً هاماً للتأثير على سياسات واشنطن التي تعتبر العامل الأهم بالنسبة لإسرائيل في مواجهة إيران.
إيران هي أخطر التحديات لعدم وجود حل بيد إسرائيل لمواجهته، على الأقل بالمنظور القصير، ولعدم وجود تأثير على الدول العظمى المتوخى منها الضغط على طهران.
ويشكّك التقرير برغبة وقدرة حكومة الاحتلال الحالية بالعمل من أجل كبح التوجهات السلبية التي تحدث، ويزداد التشكيك حيال القدرة على الدفع نحو مبادرات معاكسة. ويحذر معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب من أن طمس الخط الأخضر من النواحي المختلفة: الديموغرافية، الاقتصادية، البنى التحتية، وحتى الدستورية، ينطوي على خطر حقيقي لكون إسرائيل دولة يهودية ديموقراطية، بل يهدد المشروع الصهيوني كله. كما يحذر من تآكل أسس الديموقراطية الإسرائيلية، ويؤكد أنه ينطوي على تهديد لا يقل خطورة.
ويخلص المعهد في تقديراته الإستراتيجية للعام 2023 للإشارة إلى استنتاجين مما ذكر أعلاه: حيوية العلاقات مع الولايات المتحدة وتعزيزها كمبدأ ناظم للسياسة الخارجية والأمنية الإسرائيلية، خاصة مقابل إيران. كما يدعو لضرورة فهم وتذويت الانعكاسات الخطيرة لاستمرار التوجهات الحالية في السياق الفلسطيني وفي السياق الإسرائيلي الداخلي. وينهي بالقول: “من هنا تنبع الحاجة لتغيير الاتجاه. إسرائيل عرفت أن تستيقظ عند بلوغها مفترقات حاسمة في الماضي، ورجاؤنا أن تعرف فعل ذلك هذه المرة أيضاً”.