الناصرة ـ «القدس العربي»:يعتبر رئيس معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب الجنرال في الاحتياط تامير هايمان أن هناك ثلاثة مسارات ممكنة لتحقيق أهداف الحرب على غزة وأحدها مفضل، الأول احتلال القطاع وفرض حكم عسكري، الثاني فرض حصار على القطاع مع إضعاف حماس، والثالث حكم مدني بديل مع بقاء حماس تحت السطح على أساس المبادرة العربية. ويتساءل هايمان في مقال نشره موقع المعهد ما هو الخيار الأفضل (أو الأقل سوءًا) من بين الطرق الثلاث لتحقيق أهداف الحرب في غزة؟ وكيف يمكن مواجهة التحديات الكامنة في كل منها؟ ويرى أيضا أنه من بين هذه الخيارات، يُعد المسار الدبلوماسي-المتمثل في مناقشة المبادرة العربية-الوحيد القادر على دفع أهداف الحرب قُدمًا بأثمان أقل نسبيًا، غير أن هذا المسار لم يُعتمد من قبل حكومة إسرائيل، نظرًا لكونه لا يضمن، بحسب رؤيتها، نزع القدرات العسكرية لحماس بالكامل من القطاع. ويقول تامير هايمان إن استبعاد هذا الخيار الدبلوماسي يُبقي إسرائيل أمام خيارات عسكرية فقط، ويضيف: «في المرحلة الأولى، تمارس إسرائيل ضغطًا عسكريًا على حماس لدفعها إلى الموافقة على تمديد المرحلة الأولى من اتفاق تحرير الأسرى.
وإذا ما فشل هذا المسار أو تعثر، فإن المواجهة العسكرية ستتوسع، وصولًا إلى واقع تفرض فيه إسرائيل سيطرة على معظم أجزاء القطاع، أو تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق، والتي يعدّ لها الجيش الإسرائيلي، وتشمل احتلال مساحات كبيرة من القطاع وتهيئة الظروف لإقامة حكم عسكري».
ويقول هايمان إنه في الوقت الراهن، تمارس إسرائيل بدعم أمريكي، ضغطًا عسكريًا محسوبًا على حماس وقطاع غزة، بهدف تمديد المرحلة الأولى من اتفاق إطلاق سراح الأسرى، ودفع الحركة إلى الإفراج عن مزيد من الأسرى الأحياء، وهو هدف يتصدر سلم أولويات المجتمع الإسرائيلي. في المقابل يقول أيضا إنه مع ذلك، لا يبدو أن ثمة رؤية استراتيجية واضحة تقود هذا المسار، إذ إن حماس ما تزال الجهة السيادية في القطاع، وحتى لو تم الإفراج عن مزيد من الأسرى، من المحتمل أن تحتفظ حماس بأسرى آخرين، إما لضمان بقائها أو بسبب جهلها بمكان دفنهم، وعليه يصبح تركيز الجهد على القدرات العسكرية والحُكمية لحماس هدفًا رئيسيا. ويوضح تامير هايمان الذي شغل منصب رئيس الاستخبارات العسكرية سابقا أنه منذ اندلاع الحرب وحتى وقف إطلاق النار الذي انهار لاحقًا، قررت الحكومة الإسرائيلية عدم إقامة حكم عسكري في القطاع، مثلما رفضت فكرة فرض حصار على غزة، سواء لأسباب قانونية، أو بسبب القيود التي فرضها عليها الإدارة الأمريكية بقيادة بايدن، أو انطلاقًا من الفهم بأن بقاء حماس كسلطة حاكمة أمر مرفوض. ويضيف «بناءً عليه، وُجّه التخطيط الاستراتيجي للحرب نحو تأسيس آلية حكم مدني بديل. لكن إسرائيل لم تحدد من هو هذا الحكم البديل الذي تسعى إلى إنشائه».
وبرأيه تبرز هنا معضلة أخرى: ولاء حركة حماس للفكر المقاوم المستند إلى أيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يجعل اجتثاثها الكامل من خلال عملية عسكرية أمرًا غير ممكن. ويعلل ذلك بالقول إن جماعة الإخوان لم تختفِ من الضفة الغربية، ولا من مصر أو سوريا أو الأردن، ولا حتى من داخل إسرائيل، رغم الضغوط العسكرية. ويستنتج بناء على ذلك بالقول «من هنا، كان من الواضح منذ البداية أنه حتى في ظل وجود حكم مدني بديل، فإن عناصر من حماس والإخوان المسلمين ستظل باقية داخل القطاع. الحل الوحيد هو الإبقاء على المسؤولية الأمنية بيد إسرائيل».
خلاصة وتوصيات
في نهاية تحليله المطول يقول هايمان في فصل الخلاصات إنه قبل تصعيد الضغط العسكري على قطاع غزة، لا بد من تحديد «الوضع النهائي» المنشود: أي من البدائل الثلاثة تمثل الإطار السياسي للعمل العسكري؟ ويضيف «لكل هدف من هذه الأهداف بنية عملياتية خاصة به، ومن هنا فإن القرار يجب أن يُتخذ قبل بدء المناورة وليس خلالها. وكل واحدة من البدائل الثلاثة تحمل في طياتها إشكاليات: من منظور عسكري بحت – الحكم العسكري هو الأفضل ومن منظور الأمن القومي بمفهومه الواسع (الاقتصاد، المجتمع، الجيش، الدبلوماسية) – يُفضل نموذج حكومة التكنوقراط.
وفي كل الأحوال، استمرار حكم حماس هو الخيار الأسوأ الذي ينبغي تجنبه، ولهذا فإن بديل الحصار على غزة ليس جذابًا».
ويتابع في استخلاصاته: «إذا كان الحكم المدني البديل هو الخيار الأقل سوءًا، فيجب التعامل مع الإشكالات الكامنة فيه، والحؤول دون تكرار نموذج حزب الله في القطاع – أي وجود ميليشيا مسلحة ذات تأثير كبير ضمن كيان الدولة، تُشل حركته وتهدد استقراره من الداخل». ويقول في هذا المضمار إنه ينبغي تحديد نظام أمني يسمح لإسرائيل بمواصلة ضرب قدرات حماس ما دامت موجودة، وكذلك التخطيط لضمان بقاء الحكم البديل واستقراره، في ظل المساعي المتوقعة لحماس لإسقاطه، وأيضا بلورة مكونات أمنية إلى جانب النظام الذي يتيح لإسرائيل إحباط التهديدات، بما يشمل استراتيجية دفاع محدثة للبلدات الإسرائيلية في منطقة النقب الغربي. أما المكون الأهم برأي تامير هايمان فهو الأمن الشخصي: يجب تأسيس جهاز شرطة فلسطيني داخل القطاع يعمل بالتنسيق مع إسرائيل، بما يسمح باستمرار العمليات الإسرائيلية على غرار التنسيق الأمني القائم بين الجيش الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.