مؤشرات التحريك الديموغرافي في مخيم جنين وبعض التصرفات على الحدود الأردنية مع أريحا وفي منطقة الأغوار وافتتاح مشاريع إسرائيلية في منطقة حدودية تؤكد مخاوف الأردنيين.
عمان ـ «القدس العربي»: لماذا عادت هواجس الترانسفير أو التهجير القسري في الضفة الغربية قرب نهر الأردن إلى الواقع السياسي الأردني النخبوي والمؤسساتي وبصيغة غير مسبوقة وعلى نحو مباغت؟
لاحظ الجميع بأن النخب مؤخرا مشغولة تماما بالحديث عن التهجير القسري والترانسفير، لا بل تطرقت لهذا الملف ورش عمل وندوات مغلقة تم إعدادها للبحث في خطوات الأردن في اليوم التالي لسيناريو الانهيار في الضفة الغربية المحتلة.
تبدو عودة غير طبيعية.
وأهم ما فيها أن الأردنيين اليوم بخطر ارتفاع نسبة مخاوفهم وهواجسهم السياسية بعد نحو 29 عاما من توقيع اتفاقية وادي عربة التي وصفها الموقع عليها رئيس الوزراء الراحل الدكتور عبد السلام المجالي بأنها اتفاقية دفنت الوطن البديل، والمقصود هنا أنها ضمنت حدود الأردن.
لكن بعد 29 عاما من الاسترخاء والجلوس في ظل اتفاقية وادي عربة يبدو أن هذه الاتفاقية لا تشكل أي ضمانة هذه الأيام خصوصا وأن مصالح الأردن أو البلاد العليا تتأثر بحساسية مطلقة بأي محاولات ترانسفير أو تهجير قسري جديدة بالقرب من منطقة الأغوار أو حدود الأردن مع فلسطين المحتلة.
وقدر حقوقي بارز ومسيس ومطلع هو المحامي سائد كراجة بأنه لا يوجد ما يمنع من تطبيق سيناريوهات التهجير سواء الناعمة أو الخشنة بالنسبة لليمين الإسرائيلي الذي يخطط لحسم الصراع. واعتبر كراجة في مقال نشرته صحيفه «الغد» بأن على الأردنيين ترقب حالة الزعتري 2 ويقصد طبعا هنا الإشارة إلى منطقة الأغوار.
وكان باحث أكاديمي بارز جدا ومختص بالإطلاع على ما تفكر به وتنشره وتتابعه وتتأمله معاهد البحوث والدراسات الإسرائيلية وهو الدكتور وليد عبد الحي قد نقل بوجود «القدس العربي» وعلى هامش جلسة علمية في منزل الوزير الأسبق والأكاديمي الدكتور أمين محمود وجهة النظر التي تقول عند الإسرائيليين إن على الأردن الاستعداد لموجات جديدة قرب خاصرته الجغرافية عمليا من التهجير والترانسفير.
ورغم قناعة العديد من الفعاليات الوطنية الأردنية والفلسطينية بأن الشعب الفلسطيني في مواجهته النضالية مع العدو المحتل تجاوز كل احتمالات وسيناريوهات التهجير إلا أن المعاهد كما قال الدكتور عبد الحي لا تزال تعتقد بان تحريك كتل ديموغرافية من السكان الفلسطينيين باتجاه الحدود مع الأردن من الاحتمالات الواردة جدا بالنسبة لتلك المعاهد.
لكن ذلك يستدعي مقاربة أردنية مختلفة في التنويع السياسي لا تقف عند حدود ترديد «لاءات» والقول إن عهد الترانسفير والتهجير انتهى تماما فكل الاحتمالات واردة في هذا السياق.
وعمليا كان رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري أول من حذر من سنوات ما أسماه مع «القدس العربي» عدة مرات بالتهجير الإسرائيلي الناعم، بمعنى محاصرة الشباب الفلسطينيين والتضييق على معيشتهم ودفعهم نحو البحث عن هجرة أو مغادرة اقتصادية الحافز والطابع.
ويربط مفكرون سياسيون وخبراء عميقون بين الوضع الاقتصادي والمعيشي الصعب الذي يتزامن مع تحويل السلطة الفلسطينية إلى مجرد هيئة تدير شؤون السكان كما قدر وشخص المحامي كراجة، وبين العناصر التي تدفع للاعتقاد بأن الأردن على تماس مباشر مع مخاطر الترانسفير مرة أخرى. وهو أمر كان في الخيال فقط ولا يمكن توقعه في ظل استقرار العمليات العميقة والطبيعية بعد توقيع اتفاقية وادي عربة، لكن مظاهر ومؤشرات التحريك الديموغرافي في مخيم جنين وبعض التصرفات على الحدود الأردنية مع أريحا وفي منطقة الأغوار وافتتاح مشاريع ومطارات إسرائيلية وموانئ برية في منطقة حدودية يفترض انها مشمولة بمفاوضات الوضع النهائي، من العناصر والمؤشرات التي تؤكد مخاوف الأردنيين.
وأبرز تجليات التعبير عن ارتفاع تلك الهواجس من الترانسفير هو ما يمكن التقاطه بنص ومضمون رسالة وقع عليها العشرات من الشخصيات الوطنية.
ومن بين الموقعين أعضاء في مجلسي النواب والأعيان ووزراء سابقون. وتحدثت هذه الرسالة بشكل مباشر عن مخاطر ترانسفير بعد ما حدث في جنين.
لكن الحكومة الأردنية لا تزال تحتفظ بالصمت المطبق إزاء كل تدحرجات وتطورات الملف الفلسطيني علما بانه لا توجد ضمانات من أي نوع لها علاقة باستبعاد مخاطر الترانسفير اليوم في ظل تصرفات وانتهاكات وإجراءات أحادية لحكومة اليمين الإسرائيلي التي لا تبدو مهتمة لا بالرأي العام الإسرائيلي، ولا بموقف الدول العربية أو الأردن ولا حتى بما تردده ببغاويا مقولات مسؤولي البيت الأبيض والإدارة الأمريكية.
في قياسات بعض خبراء الاقتصاد، التهجير يتحول إلى واقع عملي يومي لكنه ناعم وطويل الأمد كما توقع المصري.
وأغلب التقدير في الانطباع والخلاصة النهائية أن مخاطر الترانسفير ارتفعت بالنسبة لبعض الزوايا ودوائر القرار الأردني كما لم يحصل من قبل مؤخرا لا بل سترتفع أكثر إذا ما قرر رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو إعادة تشغيل المسلسل المتطرف من عند آخر لقطة في عهد حكومته السابقة ظهر فيها يحمل معولا في أقرب نقطة حدودية بأغوار الأردن لأنه كان يريد دعم مشروع ضم الأغوار.