تشكل سورية حالة خاصة في الوضع الحالي في المنطقة. فمن بين كل الدول العربية، ربما هي الوحيدة التي عرفت في الآونة الأخيرة مسيرات تأييد بالضخامة التي شهدناها الأسبوع الماضي. ومهما حاولت بعض المحطات التلفزيونية أو الصحف (عربية وأجنبية) التقليل من شأنها فإن عدد المؤيدين للرئيس السوري كان عدداً مليونياً، إن أخذنا بعين الاعتبار مجموع المدن السورية التي قامت فيها هذه المسيرات. وهذا ‘استعراض للعضلات’ واضح، ربما استند عليه الرئيس السوري كي لا يعلن في خطابه الذي جاء في اليوم التالي، عن الإصلاحات التي كان من المنتظر أن يعلن عنها حسب ما صرحت به مستشارته الأقرب بثينة شعبان، وما أوحى به فاروق الشرع قبل الخطاب بيومين عندما تحدث عن أخبار ‘سارة’. لكن أهمية مظاهرات التأييد لا يمكنها أن تخفي أن هناك أصواتاً تزداد جرأة وعدداً، يوماً بعد يوماً، للمطالبة بإصلاحات عميقة وشاملة، وأن من مصلحة الحكومة السورية أن تصغي إليها. وخروج هذه الحشود الكبيرة المؤيدة للنظام، لا يعني أن هذه الحشود نفسها لا تسعى إلى الإصلاح. بل هي، من وجهة نظرنا، رسالة واضحة للرئيس السوري تطالبه بالإصلاح قائلة له بشكل واضح نريدك أنت بالذات أن تقوم بهذا الإصلاح، وبشكل عاجل، قبل أن تفلت الأمور من عقالها ويدخل الشارع السوري في صراعات لا نهاية لها يتخوف منها الجميع. بشار الأسد، كما قلنا، يتمتع حتى الآن بدعم قسم كبير من الشارع السوري، ومن الحكمة أن يستند على هذا الدعم للقيام بالإصلاحات اللازمة، بدل الاستناد عليه للمماطلة في هذه الإصلاحات، أو في اقتراح تحسينات تجميلية لا يمكنها أن تجيب على تطلعات الشعب السوري المشروعة. لكن السؤال الكبير الذي يفرض نفسه هنا بقوة هو التالي: بفرض كان السيد بشار الأسد يريد فعلاً التجاوب مع الشارع السوري والقيام بالإصلاحات الذي قال هو نفسه إنها مشروعة، فهل يستطيع ذلك؟ ويأخذ هذا السؤال مشروعيته بالاستناد إلى تركيبة النظام السوري نفسه. فالتغييرات التي يطالب بها الشعب السوري (رفع قانون الطوارئ، تخلي البعث عن هيمنته على الحياة السياسية وذلك بإقرار قانون أحزاب عصري يسمح بالتعددية الحزبية الحقيقية، محاسبة الفساد السرطاني المنتشر في سورية …) لا يمكنها أن تتم دون أن تقلص إلى حد كبير صلاحيات بعض الشخصيات التي يعتمد عليها النظام بشكل أساسي. ويبدو أن المسألة لم تعد بالنسبة لمتظاهري المعارضة مجرد ‘تقليص صلاحيات’ هذه الشخصيات التي ترددت أسماؤها في مظاهرات درعا وحمص وغيرها بل صارت تطالب بعزلها تماماً (وهي أول خطوة على طريق المحاسبة). ومجرد بقاء هذه الشخصيات في السلطة بات يشكل استفزازاً للشارع السوري (مثلاً في مدينة حمص، إضافة إلى شعارات الحرية والإصلاح، كان المطلب الرئيسي للمتظاهرين هو عزل محافظ حمص الذي يقدم به سكان المدينة منذ سنوات عرائض للسلطات العليا لعزله أو لرفع تسلطه على الناس، لكن دون جدوى). بناء على ذلك يعود السؤال المطروح أعلاه لفرض نفسه: هل بمقدور بشار الأسد التخلي عن شخصيات تشكل عنصراً أساسياً في بنية النظام السوري؟ خاصة أن لهذه الشخصيات، كما في كل نظام يقوم على تركيبة مشابهة، ارتباطات مختلفة ومصالح متشعبة، مما يجعل من الصعب التخلي عن خدماتها دون المساس بأسس النظام نفسه. ولا نعتقد أن هذه الشخصيات ستقبل التخلي عن مراكزها وامتيازاتها مع البقاء مكتوفة الأيدي وهي التي تتمتع بسلطات كبيرة، مما يجعل من المستحيل الإطاحة بها دون الإطاحة بالنظام نفسه. محمد ابن الأثير