يأخذنا سامر حيدر المجالي في كتابه الصادر حديثًا عن «الآن ناشرون وموزعون» في رحلة عبر الحياة، فقد كشف المؤلف من السطور الأولى أنّ نيّته من هذا الطرح تقديم أفكار ورؤى متعددة حول ماهيّة الحياة ودلائلها، والخروج باستقراء يلقي مزيدا من الضوء على دربنا نحو فهم أفضل لحياتنا. ولم يكن من قصدية الكاتب كشف أسرار الحياة التي نقف أمامها صاغرين حائرين، ولا نملك منها إلّا أقلَّ القليل، فارتأى أن يكون كتابه اجتهادا في الإجابة عن أربعة أسئلة: ما هي الحياة علميّا؟ ما هي الحياة فلسفيّا؟ ما هي الحياة قرآنيّا؟ ما هي الحياة عرفانيّا؟ وتلك وجهات نظر متفاوتة يكشف كلٌّ منها جزءا صغيرا من مفهوم الحياة اللامتناهي.
أفرد الكاتب لكل سؤال من الأسئلة الأربعة المشار إليها أعلاه فصلًا من الفصول اللاحقة للإجابة عليه والتّوسع بالشرح والتعليل والمقابلة والاستنتاج. على أن الإحاطة بجميع الفصول في مقالة واحدة هو أمر أعدّه من التّجنّي وسوء التدبير، فرأيت أن النظر في إحدى المقالات دون غيرها أولى وأوجه، واخترت أن أخوض في الحياة كما ظهرت عند الصوفيين، وهو في ترتيب الكتاب الفصل الرابع وحمل عنوان: «كمالات حيوية بين الجيلي وابن عربي».
قُسّم الفصل إلى بابين لعلمين من أعلام الصوفيّة؛ الأول يتحدث عن رأي ورؤية عبد الكريم الجيلي، وتناول الثاني فكر وتأمّلات ابن عربي بالحياة والوجود.
وبحسب نظريّة التّجلّي؛ فإنّ أسماء الله التي لا حصر لها حلّتْ على العالم والكون، فتخلّق بما قُدّر له من جسد وروح بفعل سريان صفات الله وأسمائه في الوجود. يقول الجيلي إنّ هناك صفات نفسيّة ترتبط بأحد أسماء الله «الرحمن»، وهذه الصفات هي: الحياة، العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر والكلام. ويؤكد أيضا أن الحياة أهمها ومصدر باقي الصفات ومحفّزها. يعرض الجيلي معنى الوجود من خلال طرح فكرتين أساسيتين: الثنائيات ومراتب الوجود. وتقوم فكرة الثنائيات على وجود إله ومخلوقات (حق/خلق)، وأنّ الوجود أصل وفرع، قديم ومحدث، خالق ومخلوق. ولمّا كان الإنسان أعلى مراحل الخلق فإنّ أسماء الله تعالى وصفاته تنداح عليه بدرجة ما؛ فالله حي والإنسان حي، الله رب والإنسان رب راعٍ في بيته، ويسري الأمر عينه على باقي الصفات، لكن الله كامل والإنسان ناقص. ثم جاء الجيلي بمراتب الوجود حتى يرسخ معنى الثنائيات، وقال إنّ عددها أربعون، وهي مقسمة إلى مراتب حقّيّة ومراتب خلقيّة، وتأتي مرتبة الإمكان لتفصل بين النوعين. تتدرج هذه المراتب في وجودها من الغيب المطلق في المرتبة الأولى وصولا إلى الإنسان الذي تمّتْ به الحياة وتجلّتْ فيه أسماء الله وصفاته على أصفى درجات التّجلّي وأرقاها في المرتبة الأربعين. قضية الروح عند الجيلي متفاوتة الوضوح في مؤلفاته؛ فتارة تسري الروح في الموجودات جميعها، وتارة هي مقصورة على بعض الكائنات مثل الإنسان والحيوان والجان. أمّا المادة فيرى الجيلي أنّها موجودة في الدنيا والآخرة، وأنّ البعث يكون بالروح والجسد، وقال أيضا إنّ الجسد مجرد حيّز تحتلّه الحياة.
يذهب ابن عربي إلى تنزيه الذات عن أي تشبيه ويقول: «العلم بالله عزيز عن إدراك العقل والنفس إلّا من حيث أنّه موجود تعالى وتقدّس».
الحقيقة المحمدية هي أكمل تجليات الحياة، وهي التي تجعل من كون آلي وظيفي ليس فيه قيم، كونًا أخلاقيًّا ذا غاية. هي حقيقة الحقائق، هي العقل والإدراك والأخلاق التي تحقق مبدأ الخلافة في الأرض.
فالله عليم والإنسان عليم بوجود الله ووجوب عبادته وتوحيده. لولا الخالق ما كان مخلوق، ولولا المخلوق ما عُرف الخالق، وهذا يجعل من المخلوقات ضرورة توحيديّة. لكن ماهي نظرية الخلق عند ابن عربي؟ استخدم ابن عربي مفاهيم مختلفة حتى يؤثث مقولته في الخلق والوجود مثل الأحديّة والألوهيّة، وأعيان الممكنات الثابتة وأعيان الممكنات الفعلية، والعدم المطلق والعدم النسبي، والتّجلّي والفيض الأقدس وغيرها. الأحدية هي مرتبة الذات التي لا يمكن تصورها ولا يمكن لعقل البشر أن يدركها لأنّها مجردة من الأسماء والصفات التي نعرفها. أمّا مرتبة الواحديّة أو الألوهيّة فهي التي تنبثق منها الأسماء والصفات، فتكون الحياة والوجود من خلال تحويل الأفكار، وهي أعيان الممكنات الثابتة الموجودة في العدم النسبي إلى مخلوقات الوجود، وهي أعيان الممكنات الفعليّة؛ أي أنّ كل مخلوق هو صورة عن فكرة صادرة عن الذات. ما هو موقع الإنسان من كل هذا؟ يقول ابن عربي: فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، وإليه يرجع الأمر كله كما ابتدأ منه. فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة. ومعنى هذا أنّ الإنسان هو أبهى صورة من صور التّجلّي بوعيه وإدراكه وارتقائه في التّعقّل والحياة. أمّا مقولة أنّ الكون إنسان أكبر فتتأتّى من فهم الإنسان لهذا الكون، من خلال تطور العلوم، فيصبح الأمر وكأنّه فيض ثانٍ فاض به الإنسان على الكون.
يتحدث ابن عربي عن الأمور الكليّة وهي الموجودة في باطن الكون وغير قابلة للتجسد الفيزيائي، لأنّها أمور معنوية مثل الحياة والعلم والجمال. ثم صنّف الحقائق إلى أربعة أنواع: الحقيقة الأولى هي ذات الله عزّ وجل وهي مطلقة ولا ندرك حدودها، وهناك حقيقة الحقائق وهي الاستدلال على وجود الله من خلال وجود مخلوقاته، إذ تعتمد قوة الصفة على الموصوف؛ فهي في الذات مطلقة وفي المخلوق محدودة. الحقيقة الثالثة هي العالم، والحقيقة الرابعة هي الإنسان الكامل أو الإنسان الخليفة.
الحقيقة المحمدية هي أكمل تجليات الحياة، وهي التي تجعل من كون آلي وظيفي ليس فيه قيم، كونًا أخلاقيًّا ذا غاية. هي حقيقة الحقائق، هي العقل والإدراك والأخلاق التي تحقق مبدأ الخلافة في الأرض. الفرق بين الإنسان الكامل والحقيقة المحمدية أنّ الإنسان يتمتّع بالصفات التي تمكّنه من الجانب الحركي والمهاراتي في الحياة، لكن الحقيقة المحمدية هي التي تعطيه الغاية فيتسق الجسد مع الروح في صورة تتقرب من الذات الإلهيّة ولا تطالها. وبناء على ما تقدم يصبح فهمنا للخلق والوجود في فلسفة ابن عربي بحسب التسلسل التالي: ذات الله المطلقة، أسماء وصفات (أمور كليّة)، أعيان ثابتة (أفكار)، أعيان فعلية (مخلوقات)، معرفة وذكاء (إنسان كامل) ثم حقيقة محمدية (كون أخلاقي).
في الختام نقول إن خيال ابن عربي في تفسير علل الكون والوجود جاء في حالة متقدمة من الصفاء الذهني والسمو والشغف بمعرفة الذات الإلهية. وتلك الحالة نتاج رحلة تأمّل وتفكّر طويلة في هذا الكون الشاسع، وما كان له أن يصل إلى ما وصل، لو لم يشأ الله له الوصول.
كاتب أردني