مع انشغال العالم بكورونا محمد بن سلمان يوجه الأزمة خدمة لأجنداته ويمهد لاعتلاء عرش المملكة

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

الدوحة ـ”القدس العربي”: تناور القيادة السعودية تحت إمرة حاكمها الفعلي، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لتحقيق عدد من النقلات على رقعة الشطرنج، تحسباً للوصول للحركة الأخيرة، في المنافسة الحالية، وهي اعتلاء عرش المملكة.

ويبذل الفريق المقرب من الرجل المتصدر للمشهد في البلاد، مساع حثيثة ومضاعفة، لتحويل مسار الأحداث، بما فيها الظرف الدولي الراهن، وانتشار جائحة كورونا، في اتجاه واحد، يهدف لتحقيق أجندة الوصول إلى السلطة.

بن سلمان يخطط ليصبح ملكاً قبل قمة العشرين

ويسعى بن سلمان لتدارك ما فاته بسبب تعثر الهدف المنشود في الفترة الأخيرة، نتيجة الخيبات التي سببتها قراراته المتهورة، والأخطاء الفادحة المرتكبة.

ويراهن ولي العهد وفريقه، على إعادة تبييض صورة القائد، الذي رسمت عنه منذ اقتحامه المشهد في الرياض، أي صانع التغيير وأبو الإصلاحات الاجتماعية والدينية، مثلما كان يروج عن نفسه. كما يعمل على استعادة ثقة صناع القرار في عدد من العواصم، والتي اهتزت كثيراً مع فضيحة اغتيال جمال خاشقجي، وحملة الاعتقالات التي طالت عدداً من الشخصيات والمعارضين والمنتقدين لسياساته. وسلطت التجاوزات المرتكبة في عهد بن سلمان الأضواء عكس الاتجاه الذي كان يريده، وتحولت الأنظار نحوه، واكتشاف التجاوزات المرتكبة.

وفي سياق المحاولات المضنية للخروج من دوائر الظل، دفعت القيادة السعودية لاستضافة المملكة القمة الاستثنائية الافتراضية لأعمال مجموعة العشرين، للعام الحالي. وجاءت جائحة وباء كوفيد-19 فرصة من السماء، لقفت بسرعة، لإخراج النظام الحالي من أزماته المتعددة.

وروجت آلة الدعاية الرسمية السعودية للقمة، وما اعتبرته الجهود الدولية التي تقودها المملكة، استشعاراً منها “بأهمية تكثيف الجهود الدولية المبذولة لمكافحة فيروس كورونا المستجد، وفي ضوء رئاستها مجموعة العشرين هذا العام”.

وخلف البيانات الرسمية للقيادة السعودية التي تؤكد أن إيمان البلد المضيف، بأن هذه الأزمة الصحية العالمية، وما يترتب عليها من آثار إنسانية واقتصادية واجتماعية، تتطلب “استجابة عالمية” تبرز الخلفيات وراء التحركات التي تسعى لفك العزلة التي فرضت على ولي العهد.

التحركات الأخيرة لاستضافة القمة الافتراضية، جاءت بعد فترة قصيرة من الضجة التي أحدثتها قرارات بن سلمان، واعتقال وسجن عدد من الأمراء والمسؤولين، وتوجيه اتهامات جاهزة لهم بالخيانة العظمى.

وكانت تلك القرارات محل استهجان دولي واسع، واعتبرتها خطوة، ضمن سلسلة المضايقات التي تمارسها القيادة السعودية في حق الأصوات المعارضة.

وشددت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، ضمن هذا السياق، أنه بتنظيم السعودية قمة افتراضية لمجموعة العشرين الأكبر هذا الأسبوع، يستغل نظام محمد بن سلمان “المنبوذ” الفراغ القيادي الذي خلفه ترامب.

وتوالت عدد من الانتقادات للنظام السعودي بسبب سجله في مجال حقوق الإنسان، واتجهت أيضاً نحو حلفائه الغربيين، وتراخي قادته معه.

ورفضا لتبييض صورة نظام بن سلمان

أعلنت منظمة العفو الدولية، عدم المشاركة في فعاليات قمة العشرين مرجعة السبب إلى ما وصفته بـ”السجل القاتم لحقوق الإنسان” في المملكة، على حد تعبيرها.

وقبل انعقاد اللقاء سارعت “الأمنستي” لنشر بيان على صفحتها الرسمية تبرأت فيه صراحة من القمة السعودية. وذهبت المنظمة بعيداً بإعلان أنها اتفقت مع أكثر من 220 منظمة مجتمع مدني من حول العالم، لمقاطعة اللقاء، وقررت “عدم مساعدة الحكومة السعودية في غسل سجلّها القاتم بالنسبة لحقوق الإنسان عن طريق استضافة فعاليات مجموعة العشرين”. واختتمت بيانها بالتأكيد أن هذه المنظمات تعلن جميعًا عدم مشاركتنا في تلك الفعاليات.

ولم يرد اسم منظمة العفو الدولية في بيان المنظمات المشاركة في القمة، وفقا لما نشرته وزارة الخارجية السعودية التي قالت في تغريدة: “سيشارك من المنظمات الدولية منظمة الصحة العالمية، وصندوق النقد الدولي، ومجموعة البنك الدولي، والأمم المتحدة، ومنظمة الأغذية والزراعة، ومجلس الاستقرار المالي، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومنظمة التجارة العالمية”.

وأضافت الخارجية السعودية: “يمثل المنظمات الإقليمية جمهورية فيتنام الاشتراكية بصفتها رئيسا لرابطة دول جنوب شرق آسيا وجمهورية جنوب افريقيا بصفتها رئيسًا للاتحاد الافريقي ودولة الإمارات العربية المتحدة بصفتها رئيسًا لمجلس التعاون لدول الخليج العربية وجمهورية رواندا بصفتها رئيسًا للشراكة الجديدة لتنمية افريقيا”.

رفض منظمات دولية حضور القمة التي راهن عليها ولي العهد السعودي، وتحديد السبب سجل الرياض في مجال حقوق الإنسان، أثار غضب وحنق القيادة التي استاءت من الفضيحة التي سببتها مواقف تلك المنظمات.

وأطلق سعوديون مقربون من دوائر صنع القرار في الرياض، سهامهم ضد المنظمة وشنوا حرباً عليها بسبب موقفها السلبي من القمة.

وسريعاً نعتوها بأشنع الصفات، ووصفوها بالمنظمة التي تقتات على معلومات من جهات مشبوهة وأقلام مأجورة للنيل من بعض الدول.

شماعة لفرض الحصار

واعتبرت بعض المصادر السعودية المعارضة لحكم آل سعود، أن الأمير محمد بن سلمان يتحرك مؤخراً في جميع الاتجاهات من أجل تذليل العقبات التي تحول دون تحقيق حلمه.

ووصفت ردة فعله حيال جائحة كورونا التي تجتاح العالم، بهبة السماء التي جعلته يشعر بسعادة مطلقة، للمرونة التي سيتحرك بها في سبيل التضييق على الأصوات المعارضة.

وفي هذا السياق غرد المعارض السعودي مجتهد، وكشف عن مخططات ينفذها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، لاستغلال أزمة كورونا. وأعلن أن الرجل المتنفذ في الرياض يخطط لحظر التجول، ونزول الحرس للشارع، وينسب إعلانا للملك بأنه (أي الملك) في عزلة بسبب نصيحة الأطباء وأنه خول بن سلمان إدارة البلد خلال الأزمة وبعد بضعة أسابيع من تعود الناس على ذلك ينسب إعلانا آخر للملك أنه تنحى عن السلطة ونصبه ملكا”.

وساندت عدد من المواقع الصحافية ما ذهب إليه مجتهد، واعتبرت أن القيادة السعودية تتجه نحو استغلال حالة انشغال الأسرة الدولية بالفيروس، لاتخاذ عدد من الإجراءات الأمنية المريبة.

وطبقت السعودية إجراءات غير طبيعية؛ كإغلاق المنافذ البرية مع الإمارات، والكويت والبحرين، وإيقاف العملية التعليمية في المدارس والجامعات، وربطتها بالخطوات الصحية الاحترازية لمنع انتشار الفيروس القاتل، في حين يؤكد مراقبون أن تلك الإجراءات لا علاقة للفيروس بها، وإنما تأتي ضمن عمل ما يخطط له ولي العهد محمد بن سلمان.

وخلال تلك الفترة أقدم ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، على تنفيذ حملة اعتقالات جديدة طالت كبار أمراء العائلة الحاكمة، وفي مقدمتهم الأمير أحمد بن عبد العزيز شقيق الملك السعودي، ومحمد بن نايف ولي العهد السابق، وشقيقه نواف بن نايف.

هذه الخطوات والتي كان من أبرزها إغلاق المسجد الحرام وصحن الكعبة، اعتبرها حساب مجتهد، بأنها ضمن إجراءات أخرى لم تعلن، وليس لها علاقة بفيروس كورونا، ومعظمها إجراءات أمنية.

ويضع حساب مجتهد تصوراً بأن بن سلمان يرتب لأمر ما خلال الأيام المقبلة، خاصة بعد الحملة الأخيرة التي قادها ضد الأمراء ووضعهم في السجن والتحقيق معهم حول تهم تتعلق بمحاولة الانقلاب عليه كما كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية.

حلم التتويج

موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، اعتبر أن ولي العهد السعودي، في سباق مع الزمن، للتتويج بعرش المملكة، قريباً.

وتوقع الموقع البريطاني الذي استقى معلوماته من مصادر دبلوماسية، أن بن سلمان يخطط ليصبح ملكاً قبل قمة العشرين المقرر عقدها في المملكة خلال تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

ونقل عن مصادر سعودية، قولها إن “بن سلمان” لن ينتظر وفاة والده الملك سلمان بن عبد العزيز، وسيجبره على التنحي عن العرش.

وتزايدت حدة التكهنات بخصوص تسريع بن سلمان خطوات اعتلاء عرش المملكة، واستباق الأحداث، واقتناص فرصة انشغال الدول بالجائحة للانتقال نحو تنفيذ الخطة.

معارك وهمية

وضمن خطة الإلهاء عن الوضع الحقيقي في البلد، لجأت عدد من الأقلام المقربة من دوائر صنع القرار، إلى تحويل الأنظار عن الوضع الحقيقي في البلد، وافتعال أزمات ثانوية.

ونشرت تغريدات على موقع “تويتر” لأكاديميين وكتّاب من الإمارات والسعودية ادعت أن دولة قطر تقف خلف وباء فيروس كورونا حول العالم.

وتشاركت الكاتبتان الإماراتية نورا المطيري والسعودية نورة شنار وجهة النظر نفسها، التي تقول بأن “فيروس كورونا الجديد هو مؤامرة قطرية لسحق العالم”.

واستفتحت الكاتبة الإماراتية في صحيفة “عكاظ” (سعودية) نورا المطيري، تغريدتها في تويتر قائلة “أعتقد أن تركيبة ونشر فيروس كورونا قطرية بامتياز”.

وتكمل قائلة “الدوحة دفعت مليارات لزراعة هذا الفيروس المخيف في الصين، بهدف ضرب العام 2020 الذي كان معداً له بدء تحقيق رؤية السعودية 2030 ودبي اكسبو 2020 ونهاية الخلافة العثمانية وتحقيق اتفاق الرياض وعودة السلام للشرق الأوسط”.

بدورها، تقول الكاتبة في صحيفة “عكاظ” السعودية نورة شنار “كورونا ليس جرثومة بل مؤامرة إيران وقطر لسحق هذا العالم. كلاهما ينبغي استئصاله”.

حملة ضد قطر

ويأتي هجوم الكتاب الإماراتيين والسعوديين على قطر، في إطار حملة إعلامية مستمرة على الدوحة منذ اندلاع الأزمة الخليجية منتصف عام 2017.

وتصنف تلك التغريدات في سياق محاولات الإلهاء التي تقوم بها القيادة السعودية لإبعاد الأنظار عن مخططاتها، حتى تستكمل تحركاتها.

دفن الرأس في الرمال

تحركات ولي العهد السعودي، وخططه الحالية لتحقيق حلمه بالوصول السريع لعرش المملكة، تتزامن والضغوط التي تواجهها البلاد بسبب تخبط سياساته.

وتواجه السعودية ضغوطا مالية متزايدة، مع تراجع عائدات النفط، وكلفة الحرب في اليمن، والأزمات المستمرة في منطقة الخليج.

وأعلنت وزارة المالية، مؤخراً عن إصدار سندات دولية (أدوات دين) بقيمة خمسة مليارات دولار، في أول عملية اقتراض خلال عام 2020 لسد العجز المتوقع في الميزانية.

وتكثف السعودية منذ عدة سنوات عمليات الاقتراض من السوقين الدولية والمحلية، والسحب من الاحتياطي النقدي بشكل كبير. وبلغ الدين العام للمملكة نحو 678 مليار ريال (181 مليار دولار) حتى نهاية العام الماضي، ما يشكل 24 في المئة من الناتج المحلي. و2019 هو خامس عام على التوالي من العجز في الميزانية السعودية، نتيجة تراجع أسعار النفط عن مستوياتها منتصف 2014.

وفي وقت ينشغل العالم بمستجدات جائحة كورونا، يتوقع المراقبون والمتابعون للشأن السعودي، نقلات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على رقعة الشطرنج.

وستتضح قريباً وفق الدراسات والتقارير المتابعة للشأن السعودي حركة حاكم الرياض الفعلي وهل سيعلن عن سقوط الملك، أم تقلب الأحجار على الرقعة وتعصف بكل شيء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية