حسب السيناريو الرائج، ستستمر الحرب في أوكرانيا أشهراً طويلة أخرى وتصبح حرب استنزاف مثل الحرب العالمية الأولى. سيعتاد الغرب، وبثمن جسيم ومحتمل، العيش دون مواد الطاقة والمواد الخام من روسيا. وسيتعين على الدول الفقيرة أن تتدبر أمرها في ظل توريد ضيق للحبوب من روسيا وأوكرانيا، بسبب شلل النقل البحري في البحر الأسود. ستتسارع ظاهرة “تضخم النقص” وتؤدي إلى ركود في معظم الاقتصادات.
وحسب سيناريو أقل رواجاً ولا يزال واقعياً، وفق أسرة الاستخبارات الوطنية الإسرائيلية– تلك التي توقعت في نهاية شباط هزيمة سريعة وأليمة لأوكرانيا – فإن الزعامة الروسية الحالية لن تتنازل عن القتال بل وستوسع الجبهة إلى جمهوريات سوفياتية سابقة أخرى، ولن تتردد في استخدام أسلحة غير تقليدية. أما العالم فسيتدهور إلى اقتصاد حرب عالمية. يتبلور أمام هذين التقديرين فهم مغاير تتصدره محافل مهنية في الناتو وفي الجيش الأمريكي، والتي توقعت بدقة موعد الغزو الروسي لأوكرانيا، وشدة المقاومة الأوكرانية وضعف الجيش الروسي. انتهاء القتال في أوكرانيا، على أفضل رأيهم المهني، قريب جداً. من تحليل خطاب الرئيس الروسي بوتين في الذكرى السنوية للانتصار في الحرب العالمية الثانية، وبخاصة من قراءة الشفتين في الخطاب الذي أجراه معه قادة الجيش الروسي في أثناء الحدث، استنتج الخبراء بأنه حتى لو كان بوتين مستعداً لمواصلة القتال، فإن كبار ضباطه لم يعودوا مستعدين. فهم يشمون هزيمة ساحقة، نتيجة خليط فتاك من ناحيتهم للتفوق المطلق للأسلحة الغربية إلى جانب قدرة قتالية مفاجئة للأوكرانيين. لقد أوضح هؤلاء الجنرالات لبوتين بأنه ينبغي من أجل الانتصار في ميدان المعركة قبل كل شيء التغلب على تخلف عشرات السنين واستثمار عشرات مليارات الدولارات في تطوير ورفع المستوى التكنولوجي – اللوجستي للجيش الروسي.
ولا ينبغي أن ننسى المشاكل السياسية. فقد تورط سيرجيه لافروف، وزير الخارجية الروسي، مع يهود العالم، بل وفي الموضوع الحساس للاسامية والكارثة. وديمتري ميدفيديف، الذي كان في الماضي رئيس وزراء في روسيا ويعتبر رجل تكنولوجيا عليا ويفهم الأمزجة التجارية، تورط في تهديدات عابثة على شركات غربية تترك بلاده. والمستشارون الذين وعدوا بوتين “بحيادية” السويد وفنلندا أخطأوا خطأ عظيماً. نفوذ روسيا “الرقيق” في العالم تضرر دون صلاح، بخاصة في دول ضعيفة ستعاني من الجوع بسبب نقص الحبوب. لم يحذر أحد في قيادة الكرملين الزعماء والقادة من إمكانية تقديمهم للمحاكمة على جرائم حرب، وهي خطوة تم تحريكها الأسبوع الماضي.
حملة هذه الحقائق تؤدي، برأي المحللين العسكريين الغربيين، وكذا القيادة الأمنية الروسية، إلى الاستنتاج بأن الهدنة والانسحاب من إقليم دونباس هما الأمر الأفضل الذي يمكن لروسيا أن تفعله الآن من أجل مصلحتها القومية الاستراتيجية. بأمر من الرئيس بوتين أم بأمر ممن سيحلون محله.
إن نهاية كهذه للحرب الروسية في أوكرانيا ستستوجب تغييراً مهماً للتوقعات التي طرحت مؤخراً. التضخم المالي العالمي سيتوقف، والنمو سيستأنف بسبب تدافع مكثف للمساعدات لأعمال البنى التحتية الأوكرانية المدمرة وإعادة إسكان اللاجئين والنازحين. وعندما سترفع العقوبات الخطيرة عن الاقتصاد الروسي (بعد التوقيع على اتفاق سلام كامل مع أوكرانيا)، سيضعف الدولار وسيتعزز اليورو. والأساس أن الانتباه العالمي سيصرف عما يجري في شرق أوروبا، عودة إلى مراكز نزاعات أخرى: نعم، نحونا، نحونا بالذات.
بقلم: سيفر بلوتسكر
يديعوت أحرونوت 17/5/2022