يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتحسين العلاقات مع الكثير من دول المنطقة وخاصة الخليجية منها
إسطنبول- “القدس العربي”: عقب أزمة زيادة انتاج النفط في أوبك وقرار السعودية تعديل قواعد الاستيراد من دول الخليج الذي يُجمع مراقبون على أنه يستهدف الإمارات بدرجة أساسية، بات الخلاف السعودي- الإماراتي حقيقة لا يمكن إخفاؤها رغم مساعي البلدين طوال السنوات الماضية لإنكار وجود خلافات تصاعدت تدريجياً وتمحورت حول التنافس الإقليمي السياسي والاقتصادي والعسكري والحرب في اليمن والتطبيع مع إسرائيل والكثير من الملفات التي طفت على السطح وباتت واضحة للعيان.
وبما أن الخلاف بين الجانبين حركته دوافع التنافس السياسي والاقتصادي والعسكري، فإن تركيا كقوة إقليمية استراتيجية لها تأثير سياسي واقتصادي وعسكري كبير في المنطقة، يرى كثيرون أنها يمكن أن تكون خياراً للطرفين لكسبها إلى جانبه خلال المرحلة المقبلة لا سيما وأن أنقرة منفتحة على التقارب مع الجانبين بقوة في الأشهر الأخيرة وستكون أبوابها مفتوحة لأي طرف يبدي رغبة حقيقية في فتح صفحة جديدة بالعلاقات بين البلدين، وذلك في إطار توجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتحسين العلاقات مع الكثير من دول المنطقة وخاصة الخليجية منها.
لكن مسار تحسين العلاقات التركية مع السعودية والإمارات لم يكن سهلاً طوال السنوات والأشهر الماضية، إذ تتراكم الكثير من الخلافات بين الجانبين تعمقت خلال السنوات الأخيرة التي شهدت ذروة التكتلات الإقليمية المتنافسة حيث اصطفت السعودية والإمارات في معسكر الثورات العربية المضادة على النقيض من تركيا التي اعتبرت أكبر داعم للثورات العربية واستهدفت بحملة ضخمة من المحور السعودي الإمارات المصري.
لكن هذا المحور لم يعد اليوم متماسكاً كما كان سابقاً، وباتت تحكمه مصالح مختلفة قد ينتج عنها إحداث ثغرات تتوسع تدريجياً في جدار فيتو التقارب مع تركيا لا سيما في ظل التقدم الذي تشهده مساعي تحسين العلاقات بين تركيا ومصر وإن كانت ما زالت بطيئة حتى الآن، والاتصالات التركية المستمرة مع الإمارات والسعودية وإن كانت أيضاً متعثرة حتى الآن. إلا أن التطورات الأخيرة يمكن أن تسرع مساعي التقارب التركي مع مصر، وتفتح آفاقاً جديدة لمساعي التقارب مع السعودية والإمارات.
في المشهد، ظهر الخلاف التركي الإماراتي على أنه وصل مرحلة العداء الشديد وبدا على أنه أعقد وأعمق بكثير من الخلاف التركي السعودي الذي بقي محكوماً في أطر محددة وساهم في ظل الاتفاق الضمني بين البلدين طوال السنوات الماضية على إبقاء على قناة تواصل أساسية بين أردوغان والملك سلمان منعت انزلاق العلاقات ظاهرياً لمستويات أصعب.
جوهرياً، بقيت الخلافات التركية الإماراتية متعلقة بالتنافس الإقليمي والمواقف الصدامية حول الكثير من الساحات المشتعلة التي كادت أن تصل حد الصدام العسكري غير المباشر كما كان عليه الحال في ليبيا وسوريا وغيرها، إلا أن حدة هذه الخلافات هدأت بدرجة كبيرة جداً مع عودة الهدوء لتلك الساحات بغض النظر عن الطرف الذي حقق مكاسب على حساب الآخر، ليبقى جوهر العلاقات المباشرة بين البلدين غير معقد بحسابات مباشرة تمنع حصول تقارب كما أنه لا توجد خلافات معقدة مباشرة يصعب تفكيكها سوى وجود إرادة حقيقية من الجانين لوضع الخلافات جانباً وفتح صفحة جديدة وما يعزز هذا التوجه الدراماتيكية التي تتمتع بها الإدارة السياسية في الإمارات والتي تتيح لها تبرير وتسويق مكاسب أي تقارب متوقع مع تركيا.
كما يعتقد أن أي تطور متوقع وقريب في مساعي تحسين العلاقات بين مصر وتركيا، سوف ينعكس ايجابياً بدوره على مساعي تحسين العلاقات التركية- الإماراتية، وهو نفس الأمر الذي ينطبق على مساعي تحسين العلاقات بين تركيا وإسرائيل والتي شهدت تقدماً مؤخراً عقب الاتصال الهاتفي الذي جرى بين أردوغان والرئيس الإسرائيلي، وبالتالي فإن أي تحسن متوقع في العلاقات التركية- الإسرائيلية قد يدفع نحو تقدم مواز في العلاقات التركية مع الإمارات التي طبعت لتوها مع إسرائيل وتسعى لتسويق وشرعنة تطبيعها عربياً وإسلامياً بطرق مختلفة ولتحقيق هذا الهدف لن تجد أفضل من أن تطبع تركيا مع إسرائيل وتطبع الإمارات بدورها مع تركيا.
في المقابل، لم تشهد مساعي تحسين العلاقات بين تركيا والسعودية في الأشهر الماضية أي تقدم يذكر، أو كما هو معلن بالحد الأدنى، حيث تبدو العلاقة بين البلدين أكثر تعقيداً من العلاقة التركية- الإماراتية، فإلى جانب ملفات الخلاف الإقليمية المشتركة، فإن الخلافات السعودية- التركية المباشرة تبدو الأكثر تعقيداً خاصة المتعلقة بملفات اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، والحرب في اليمن، والتنافس المباشر كقوتين إقليميتين تسعى كل منهما لتزعم المعسكر السني في المنطقة، وهو العامل المهم والمعقد غير العالق في العلاقات التركية الإماراتية.
لكن حجم الحاجة يمكن أن يدفع البلدين للبحث عن طرق مختلفة لحل الخلافات قدر الإمكان، وإن تعذر وضعها جانباً والبناء على نقاط الاتفاق ومحاور التعاون، لا سيما وأن تركيا ترى في السعودية شريكا سياسيا واقتصاديا أهم من الإمارات، كما أن السعودية تواجه صعوبات متزايدة منذ وصول إدارة بايدن إلى البيت الأبيض وهو ما يدفعها إلى البحث عن شراكات جديدة في المنطقة لأسباب أخرى أيضاً أبرزها اتفاقيات التطبيع العربية مع إسرائيل وما حملته من تغيير في موازين القوى لصالح الإمارات والخلافات التي تصاعدت مؤخراً مع أبوظبي في هذا الإطار.
على الجانب التركي، لا يبدو أن أنقرة ترغب في الدخول كطرف في الأزمة بين الرياض وأبوظبي أو أن تظهر وكأنها اختارت طرفا على حساب الآخر، وإنما ترغب بشكل حقيقي في تحسين العلاقات مع الجانبين في حال توفرت الإرادة الحقيقية من كليهما، ولكن إن تعذر فإن السياسية تفرض أن تستغل أنقرة تحسين العلاقات مع طرف لاستثمار ذلك في تشكل مزيد من الضغط على الطرف الآخر، على أن يبقى السؤال الأكبر من التي ستبدي رغبة أسرع في التقارب مع تركيا السعودية أم الإمارات؟.