الرباط ـ «القدس العربي»: حينما تأجّل اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين المغرب وإسبانيا مرتين، مرة أواخر العام الماضي، ومرة في شباط/فبراير المنصرم، أُعطيتْ مبررات تتعلق بظروف وباء كورونا. لكنّ مراقبين رأوا في ذلك مؤشرًا على منعطف رمادي تمرّ به العلاقات بين البلدين الجارين، خاصة مع توقيع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على وثيقة الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، خلال الأيام الأخيرة من ولايته، وتوالي صفقات التسلح بين البلدين، ومشاركة المغرب في مناورات عسكرية مكثفة، جوية وبرية وبحرية، بجانب الولايات المتحدة الأمريكية.
مياهٌ كثيرة جرت تحت جسر العلاقات المغربية ـ الإسبانية، وبَدَا أن مدريد تنظر بعين الريبة إلى حرص المغرب على التزود بأحدث أنظمة التسلح من واشنطن وبكين وأنقرة، مثلما عبّر عن ذلك صراحة عدد من المحللين في وسائل إعلام إسبانية.
ومن جهة أخرى، كان لقرار المغرب إغلاق الحدود مع سبتة ومليلية، خلال الأيام الأولى من بداية انتشار وباء كورونا العام الماضي، الضرر الكبير على المدينتين المحتلتين اللتين ينبني اقتصادهما على «التهريب المعيشي» بشكل كبير، وأطلقت صحف إسبانية محلية نداء من أجل فك الخناق على السكان، خاصة مع المعاناة المستمرة جرّاء أفواج الهجرة السرية، لا سيما لمواطنين من بلدان جنوب الصحراء؛ علما بأن الرباط ومدريد كانتا لسنوات عديدة تكثّفان تعاونهما الأمني في مجال محاربة تهريب البشر، فضلاً عن التنسيق في ميدان مكافحة الإرهاب والتطرف.
موازاةً مع الحركية الدؤوبة التي أطلقتها السلطات المغربية من أجل ضمان تمثيليات دبلوماسية لأقطار أفريقية وعربية وغيرها في مدن الصحراء، أعطت إسبانيا إشارة في الاتجاه المعاكس، من خلال استضافة زعيم جبهة «البوليساريو» الانفصالية، إبراهيم غالي، بمبرر متابعة الاستشفاء من إصابته بكورونا، وهو ما أغاظ مسؤولي الرباط الذين سرعان ما عثرت استخباراتهم على صيد ثمين استثمروه في الحرب الدبلوماسية مع نظرائهم الإسبان، يتعلق الأمر باكتشاف أن زعيم الانفصاليين الذين ينازعون المغرب في صحرائه، دخل إلى إسبانيا بجواز سفر جزائري مزور وباسم مستعار هو «محمد بن بطوش».
الرد جاء سريعًا من المغرب، حيث غضّ الطرف عن آلاف المهاجرين الذين تدفقوا فجأة في وقت واحد على سبتة المحتلة المجاورة لشقيقاتها من المدن المغربية. وحين احتجّت إسبانيا على ذلك، تلقّت جوابًا حاسمًا، مفاده: «لا يمكننا أن نقوم بدور حارس الحدود لصالحكم؛ احموا حدودكم بأنفسكم!».
وسارع البرلمان الأوروبي إلى إعلان تضامنه مع إسبانيا مُنتقدًا سياسة الرباط في مجال الهجرة السرية، ومعتبرًا سبتة ومليلية مندرجتين ضمن حدود أوروبا. في المقابل، كسب المغرب تضامنًا قويًّا من لدن العديد من بلدان القارة الأفريقية، كما أعلن البرلمان العربي اصطفافه الواضح إلى جانب المغرب، مؤكدًا على أن المدينتين المحتلتين جزء لا يتجزأ من الأراضي المغربية، وبالتالي طالب بفتح ملفهما المُخَلّف من الحقبة الاستعمارية.
وبقدر ما صعّد المغرب من حدّة الخطاب، بقدر ما سعت إسبانيا في الآونة الأخيرة إلى تليين الموقف، من خلال تصريحات بعض سياسييها، لا سيما أمام موجة الانتقادات الحادة التي ووجهت بها حكومة بيدرو سانشيز على المستوى المحلي.
ومن أجل قراءة أبعاد الأزمة الحالية واستشراف آفاقها، التقت «القدس العربي» ثلاثة محللين أكاديميين، توقعوا احتمال حدوث انفراج في العلاقات، على أساس أن تكون متوازنة وقائمة على الاحترام المتبادل بين البلدين.

إدريس لكريني: التذكير بالنقاط الخلافية
في هذا الصدد، يقول الدكتور إدريس لكريني، مدير «مجموعة الدراسات الدولية وتحليل الأزمات» إن الأزمة الحالية هي أولا محطة لتقييم العلاقات بين البلدين وقياس مدى جديتها، وخصوصا من الجانب الإسباني الذي تنكر لمجموعة من المصالح التي تربطه بالمغرب، سواء على المستوى الاقتصادي أو على المستوى الاستراتيجي أو الأمني.
ويرى أن هذه المحطة سمحت للطرف المغربي تحديدا بتقييم هذه العلاقة وإعادة النظر فيها، نحو إرساء شراكة متوازنة مبنية على تبادل المصالح واحترام حسن الجوار، ومبنية أيضا على عدم الإساءة إلى المغرب. وأضاف قائلا «إن إسبانيا، من خلال هذه الأزمة، عبرت بشكل لا جدال فيه، على أنها تنحو نحو إرساء شراكة انتقائية وغير متوازنة بالصورة التي تابعناها في الآونة الأخيرة».
بالنسبة للمستقبل، يعتقد أستاذ القانون والعلاقات الدولية في كلية الحقوق في مراكش، أنه «بالنظر لطبيعة المصالح المتشابكة بين البلدين، وأيضا واقع الجوار الذي يفرض نفسه بقوة على أجندة الطرفين، سوف يدفع ذلك بالتأكيد إسبانيا إلى إعادة النظر في هذه العلاقة على مستوى احترام مصالح المغرب، وعلى مستوى السقوط مرة أخرى في سلوكات غير محسوبة، قد تكلف مدريد مستقبلا الشيء الكثير، لا سيما وأن المغرب عبّر على امتداد العقود الأخيرة عن جديته في إرساء علاقات متينة تستحضر حسن الجوار».
ومن هذا المنطلق، يرى المتحدث نفسه أن ثمة اليوم نخبا سياسية وأكاديمية واقتصادية إسبانية، ترى بأن السلطات الإسبانية الحالية في تدبيرها للأزمة الأخيرة مع المغرب كانت غير مسؤولة ولم تأخذ بعين الاعتبار المصالح الاستراتيجية لإسبانيا.
وتابع تصريحه لـ»القدس العربي» بالقول «لا ننسى كذلك أن السلطات الإسبانية بعثت مجموعة من الرسائل، التي مفادها أنها حريصة على تعزيز علاقاتها وشراكاتها مع المغرب، بغض النظر عما وقع، رغم بعض السلوكيات التي تتنافى مع هذا الشعار، من قبيل محاولة تحويل النقاش من أزمة بين المغرب وإسبانيا إلى الاتحاد الأوربي، وإقحام موضوع الهجرة… الخ. لكن، في الوقت نفسه، المغرب مصرّ على ضرورة إرساء علاقات متينة بين الجانبين، على عدة مستويات، تجارية واقتصادية وأمنية… في إطار رؤية متوازنة تستحضر كذلك مصالح المغرب الاستراتيجية».
ولاحظ إدريس لكريني أنه سبق للبلدين أن مرّا بأزمات صعبة في الماضي، كما هو الشأن بالنسبة لأزمة جزيرة ليلى، ولكن استحضار منطق المصالح ومنطق العقل والحوار سمح بتجاوز هذه المحطات الصعبة. ويعتقد أن في إسبانيا اليوم عقلاء يفكرون بالمستقبل، مما سيجعل البلدين يتجاوزان هذه المحطة، ولكن باستحضار مصالح المغرب ودون أن تكون هناك ضحية لهذه الشراكة أو العلاقة.
من جانب آخر، يرى أن المغرب استطاع أن يرافع في شأن موقفه، وخصوصا بعد إقحام الاتحاد الأوروبي أمام المجتمع الدولي، بالتأكيد على أن ثمة نقاطا خلافية وأن ثمة مشكلة أساسية مرتبطة باستضافة شخص متهم باقتراف جرائم خطيرة ضد الإنسانية ويرفع السلاح ضد المغرب، وكان من اللازم ألا تستقبله إسبانيا بهذه الصورة، أي باسم مستعار وجواز مزيف.
واستطرد قائلا إنه مهم جدا بالنسبة للمغرب دخول عدد من البلدان الأفريقية والعربية على خط رفض المقاربة الإسبانية وقرار البرلمان الأوربي خصوصا في ما يتعلق بقضية الهجرة. وأوضح أن الأمر شكل فرصة للتذكير بمجموعة من النقاط الخلافية مع إسبانيا، كما هو الشأن بالنسبة لمشكلة سبتة ومليلية المحتلتين، على اعتبار أنهما مدينتان يفترض أن تتعامل إسبانيا معهما بقدر من الجدية، في أفق الحسم في هذه المحطة الاستعمارية التي ما زالت تشكل نقطة سواء في العلاقات الإسبانية ـ المغربية.
كما أشار إلى نقاط خلافية أخرى ما زالت اليوم تتردد في كثير من هيئات المجتمع المدني، وتتعلق بجرائم إسبانيا في شمال المغرب، وخصوصا في ما يتعلق بالغازات السامة والتي خلفت أضرارا كثيرة ما زالت تداعياتها مستمرة لحدود الساعة، بحكم أن إسبانيا كانت مستعمرة لتلك المنطقة، واستعملت الغازات السامة سنوات العشرينيات من القرن الماضي، لصد المقاومة المغربية هناك.
محمد بودن: إطار شمولي للعلاقات
في تحليل الأكاديمي محمد بودن، رئيس «مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية والمؤسساتية» فإن العلاقات المغربية – الإسبانية مفتوحة على سيناريوهات أساسية وتحديدا سيناريوهيْن اثنين:
ـ سيناريو معالجة الأسباب المؤدية للأزمة وترميم العلاقات وهذا يتطلب تلبية مطالب وتقديم تنازلات للاستفادة من ثمار التعاون.
ـ سيناريو الجمود ونزول العلاقات لأدنى المستويات في حالة استمرار البطء وعدم اليقين.
وقال «لا شك أن المغرب وإسبانيا يحتاجان إلى بعضهما البعض في أقرب وقت لمتابعة أهدافهما الأمنية، لكن في إطار شمولي لعلاقات مبنية على الموضوعية والإنصاف والندية والحرص على المصالح الاستراتيجية».
وأضاف متحدثًا إلى «القدس العربي» أنه «في القضايا الأمنية استطاع المغرب تقديم القيمة المضافة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة ومكافحة المخدرات وجرائم المعلومات والحد من تدفقات الهجرة غير النظامية والتعاون القضائي، وأصبح طرفا أمنيا فاعلا في محيطه الجيو سياسي بشهادة الأوروبيين، لأن التزامه مع شركائه ظل دائما عاملا أساسيا في تخفيف المخاوف الأمنية داخل أوروبا بشكل أفضل».
وتابع قائلا «في الواقع تحتاج إسبانيا إلى الجهود الأمنية المغربية أكثر مما يحتاج المغرب للمشاركة الأمنية الإسبانية، لأن أغلب التهديدات ترغب في اجتياز المتوسط والتدفق نحو الشمال». ويرى أن تصحيح إسبانيا لتصرفاتها الخاطئة يمكن أن يمنح فرصة لصمود العلاقات بين البلدين في وجه هذا الوضع الحرج، مشيرا إلى أنه «من غير المرجح أن يلبي الطرفان كل المطالب المطروحة، لكن من المؤكد أن ثمة بحثًا عن حلول لتجنيب العلاقات سيناريوهات قاتمة».
ولاحظ وجود تماثل في بعض الجوانب على مستوى أوراق الضغط، وهذا ما تبلور ـ في تقديره ـ مع دعم البرلمان العربي للمغرب وحقوقه السيادية والتاريخية في سبتة ومليلية المحتلتين. وذهب إلى القول إن هذا المعطى قد يبلور مواقف أقوى وأكثر دينامية بشأن الموضوع في المستقبل، ويضع الملف المحكوم بالأمر الواقع على الأجندات الإقليمية والدولية بصيغة مشابهة لما حصل في ملفي استرجاع الصين لماكاو وهونغ كونغ.
إدريس الكنبوري: «تعريب» الأزمة مع إسبانيا
ويقول الباحث والمفكر إدريس الكنبوري إن الأزمة المغربية الإسبانية ليست أزمة دائمة، لأن البلدين بينهما شراكة وجوار وملفات مشتركة، وتوقع احتمال أن يحصل الانفراج قريبا، خصوصا مع بروز أصوات في إسبانيا، مثل رئيس الحكومة الاشتراكي الأسبق رودريغيث زباثيرو، تنادي بالمصالحة وتجاوز الأزمة الحالية. وقد مرت أزمة مثل هذه وربما أكبر عام 2002 مع جزيرة بيريخيل أو جزيرة المعدنوس كادت تودي إلى أزمة عسكرية، وكان وقتها في إسبانيا حزب يميني في الحكم هو الحزب الشعبي، ومع ذلك حصل الانفراج.
وأردف قائلا «صحيح أن الظروف مختلفة اليوم لأن الملك الحالي محمد السادس، وقتها كان قد تولى الحكم فقط قبل ثلاث سنوات، عام 1999 لكن هذا لا يمس بطبيعة العلاقات التاريخية بين البلدين المبنية على الصراع الصامت ومحاولة تجاوز المشكلات التاريخية العالقة للحفاظ على علاقات مستقرة رغم الكثير من الشك والتوجس، خصوصا من طرف إسبانيا».
أما بالنسبة لقضية سبتة ومليلية، فلا يعتقد الكنبوري أن المغرب اليوم معني بهما، لأن ما يشغل الملك الحالي هو قضية الصحراء، وفي هذا الأفق استثمر المغرب كثيرا في الأقاليم الصحراوية، ووضع مشروع الحكم الذاتي عام 2007 وفتح مفاوضات مع جبهة البوليساريو في مرحلة من المراحل، وطبع علاقاته مع إسرائيل، مقابل اعتراف أمريكي بمغربية الصحراء، لذلك فهو يسعى إلى الحل النهائي لهذا النزاع، ولن يفكر في فتح جبهات أخرى، خصوصا مع إسبانيا.
لكن الإشكال ـ كما يصرح المتحدث نفسه لـ»القدس العربي» ـ هو أن إسبانيا، ومعها الجزائر، تدرك أن استعادة الصحراء سوف تقوي المغرب، وتعطيه القدرة على الاستدارة نحو سبتة ومليلية والصحراء الشرقية، ولذلك هناك مساع إسبانية وجزائرية لعرقلة أي حل في الصحراء.
أما عن موقف البرلمان العربي فأوضح أنه «جاء في وقته كرد على موقف البرلمان الأوروبي الذي ساند إسبانيا ودعم احتلال المدينتين، وحاولت إسبانيا حشر الاتحاد الأوروبي بإدخال سبتة ومليلية في إطار منظومة شينغن حول الحدود الأوروبية». لذلك، يستطرد الباحث المغربي، فإن موقف البرلمان العربي عبر عن مساندته لعضو أساسي في الاتحاد البرلماني العربي، وبذلك نجح المغرب بدوره في «تعريب» الأزمة مع إسبانيا. وختم تصريحه بالأمل في أن تكون هذه بداية جيدة نحو دخول اتحاد البرلمانات العربية على الخط في نزاع الصحراء المغربية، لأن كثيرا من الأزمات العربية سببها الجمود الذي تعيشه المؤسسات العربية الإقليمية وعدم القدرة على اتخاذ موقف في النزاعات العربية، حسب تعبيره.