مع سعيد يقطين في علم السرد

أتابع قارئا متعلما مقاربات صديقنا سعيد يقطين في علم السرد. ومما استوقفني في بعضها إشارته إلى أن السارد هو (المؤلف). وقد استغربت ذلك بداية، ثم خف استغرابي وزال؛ وأنا أستعيد التمييز الدقيق الذي يجريه المعاصرون بين القصة أو الحكاية من جهة، والقص والسرد من جهة أخرى. فالملفوظ السردي ينهض برواية قصة أو مغامرة تنتظمها حبكة، يقوم بها شخوص يتحركون في فضاء وزمان مخصوصيْن. وهم يؤدون القصة في ضوء الممكنات السردية وما يتعلق منها بالتغييرات الزمنية وإدارة فن الدخول إلى العالم المحكي، سواء أقيدته وجهة نظر داخلية أم لم تقيده. فليس ثمة ملفوظات سردية دون سرد، أو دون تلفظ سردي بعبارة أدق. والسؤال الذي ينشأ دائما: من هو المتكلم في النص عندما يكون الكلام مسندا إلى ذوات غير الذات المتلفظة؟ وأي وضع يشغله هذا الصوت الذي يستوقفنا في كل حوار في الرواية؟ ومن هذا الذي تعود إليه كل الملفوظات السردية؟ وكيف نميز في سياق كهذا بين ذات متلفظة وذات ملفوظة؟
فإذا سلمنا بأن الذات المتلفظة هي الذات المنشئة، أو أن السارد يحكي كلام الشخصيات أو هو يخبر عن قولها، فقد لا يكون لذلك من معنى سوى أن السارد يترجم كلام الشخصية أو لعل هذا السارد هو الذي يوضحه أو يفسره بلسانه أو ينقله أو يصفه. أما إذا سلمنا بأن الشخصية هي الذات المتلفظة، وأن السارد لا يُدخل رأيه ولا يحشر حكمه، في كلامها؛ فلا مناص من الإقرار بأن النص الروائي جمع وليس فردا، أو هو «محاورات» بين ذوات شتى. وهذه ميزة الرواية التي تجد سندها الروائي في كثير من نصوصنا العربية القديمة، بما في ذلك النص القرآني.
بل قد يستتبع ذلك «استبعاد» الذات المنشئة من نصها، أو القول بـ»إقصائها»وما قد يمنح القارئ ذلك من متعة له أو لذة وهو يتتبع ـ متحررا من سلطة صاحب النص ـ هيئات الدال وتقلباته إذ يراوغ مدلوله، وما استقر من ثوابته ومسلماته، أم نحمل قول الشخصية على وجه اعتزالي قديم فنقول ما كانت المعتزلة تقوله من أن الله هو فاعل الكلام وليس القائم به، أو هو يخلقه ويبثه في مخلوقاته؟
وهذا وغيره مما لا تتسع له مقاربتنا، قد يفيدنا في فهم الفرق بين الكلام والوحي، وبين القديم والمحدث، ونفي تجسيم الذات الإلهية المنزهة؛ لكنه يجعلنا نقف مدفوعين مصدودين إزاء الإشكال الذي نطرحه، بل هو لا يفيدنا في فهم الخطاب الروائي المنقول الذي يراوح بين هيئة الأسلوب المباشر وغير المباشر. فالمباشر قول أمين أو هو»طبق الأصل» يُتمثل به، أو يتلفظ به شخص ثالث، فيما غير المباشر دمج خطاب هذا الثالث في نظم الخطاب الرئيس أي خطاب السارد.
وفي هذا ما يُسوغ سؤالنا: هل هذا الكلام الملفوظ هو كلام هذا الغير بنظمه وتأليفه، حتى لو بلّغته لنا ذات أخرى سمعته منه سماعا مطلقا بغير واسطة، وسمعناه نحن سماعا مقيدا بواسطة التبليغ؟ أم هل هو حكاية كلامه أي هو كلام يشبه كلام هذا «الغير» على نحو ما نقول: هذا يحاكي هذا أو يحكيه أي شابهه وأتى بمثله، أم هو حكاية كلامه عنه، على نحو ما نقول: حكى عنه الكلام أي رواه عنه، وبلّغه عنه، ونقله عنه، وحدّث به عنه؟
أتساءل وأنا أدرك مثل أي قارئ أن الشخصية الروائية ليست سوى مجموع كلمات، أو هي براعة أدبية أو هي وسيط، لكن لها من القوة ما لا يخفى، خاصة عند الكتاب القديرين المتمكنين من أدوات فنهم. ولعل هذا ما يجعلهم يدون لنا  وكأنهم شخوص من لحم ودم. ومرد ذلك ليس إلى أنهم يمكن أن يشبهوا أيا منا وإنما لأنهم «حقيقيون» وكل ما في الرواية حقيقة ما عدا الرواية أو السرد. والشخصيات الروائية هي أبدا شخصيات روائية، أو هي من ورق بعبارة رولان بارت، لكنها تحيل على شيء آخر؛ وتتيح لنا نحن القراء أن نتعرف إلى أصناف من الناس، الذين وُجدوا ويوجدون، أو أن نفهمهم ونفهم سلوكهم ومشاعرهم وعاداتهم وما يتعلق بملامحهم الجسدية أو طاقاتهم الإنسانية.
تقول فرانسواز فن روسيم، إن ما يُحكى لنا أو يروى في أي رواية هو دائما عمل أحد ما يقص علينا ويخبرنا بقدر ما يخبر عن نفسه أو يحكيها. غير أن آصرة القربى بين الذات وخطابها، تقتضي التمييز بين الذات والشخصية. لكن دون أن يستتبع ذلك الفصل بينهما كل الفصل. والبحث المتجرد من السمعيات المقررة دون سند من نص، مسوق في جوانب منه، إلى الاستئناس بسيرة الكاتب، والوقوف على مختلف التأثرات التي ألمت به والإلمام بأحوال عصره، إذ لا مفر من وجود علاقة زمنية مكانية بينه وبين خطابه، رغم أن لا أحد منا، بميسوره أن يستنبط من هذا الخطاب، ما كان يدور بخلد المنشئ، ويضطرب في نفسه.

التلفظ (القول) عمل لغوي يؤديه فرد، لإنتاج ملفوظ (مقول) موجه إلى مرسل، في ظروف أو ملابسات مخصوصة. وفي السياق الذي نحن به فالملفوظ هو النص الروائي المكتوب لا الأحداث المروية أو المسموعة، فيما التلفظ هو الفعل اللغوي الذي يقوم به المتلفظ، وتصبح العناصر اللغوية بواسطته دالة.

وهذا ما يؤكد أن وظيفة اللغة لا تنحصر في وصف العالم وتسمية أشيائه، لكن في القيام بأفعال، والتأثير في الواقع، أو لنقل إن الملفوظات يمكن أن تكون تقريرية تصف العالم في مرحلة تاريخية مخصوصة، وهي إما صحيحة مصدرها التاريخ الرسمي أو متخيلة، مثلما يمكن أن تكون «إنجازية» أي تنجز فعلا؛ فتـتحدد بمفعولها أو صوابها وموافقتها لمراد المتلفظ من عدمه، والملفوظ الناجح مسعًى هو الذي يتوجه إلى شخص ما، ويفهمه المتلقي، بحيث يكون هناك تجاوب بين القول والفعل.
إن التلفظ (القول) عمل لغوي يؤديه فرد، لإنتاج ملفوظ (مقول) موجه إلى مرسل، في ظروف أو ملابسات مخصوصة. وفي السياق الذي نحن به فالملفوظ هو النص الروائي المكتوب لا الأحداث المروية أو المسموعة، فيما التلفظ هو الفعل اللغوي الذي يقوم به المتلفظ، وتصبح العناصر اللغوية بواسطته دالة. إن الملفوظ إذن مادي بطبعه، سواء أدركناه بالأذن في حال السماع، أو بالعين في حال القراءة. أما التلفظ فأمره مختلف، ومن الصعوبة بمكان محاصرته، ناهيك من تسجيله وتقييده؛ فهو ليس ماديا بالمعنى الدقيق للكلمة، ولا هو بالظاهر للعيان. فإذا كان للملفوظ من الملامح والسمات، ما يهدينا في سهولة حينا أو في صعوبة حينا، إلى معرفته؛ فإن في التلفظ سرا خفي الشأن، يجعله يراوغنا ويفلت منا، فهو عمل فردي/فريد. وهو من ثمة مفارق» أو«متعالٍ» بطبعه؛ يتعذر إحداثه أو إنتاجه من جديد، حتى على صاحبه. ومع ذلك يظل التلفظ أساسا في وصف قواعد تأليف الكلمات والتراكيب والجمل. وقد يتعذر ذلك بمنأى عن «مقام التلفظ» الذي يحد إجمالا المتكلم والمخاطب، والظروف والملابسات التي تحفهما.
يعقد ج . جينيت تحت مصطلح «صوت» سلسلة من الأسئلة، عُراها العلاقات القائمة بين«سلطات» ثلاث هي المؤلف والسارد والشخصية، وما يميز إحداها عن الأخرى من فروق دقيقة وظلال خفية، وإذ نشدد على هذين النعتين: «دقيقة» و»خفية» فمرد ذلك إلى سؤال لا يمكن تلافيه في أي نص سردي وهو: أعلينا دائما إجراء هذا التمييز بين المؤلف والسارد، خاصة كلما كان السارد نفسه شخصية في القصة التي يرويها؟ وما إلى ذلك من أسئلة مثل: كيف نحد العلاقات ونرسم الحدود بين «الداخل» في العالم المحكي و«الخارج»؟ أو كيف نضبط الزمنية، ونحن نقيس الفارق الكبير تقريبا بين زمن الفعل السردي وزمن القصة؟ ثمة في كل نص سردي ما يغري القارئ بإدماج الصوت السارد بمؤلف النص، خاصة كلما توسطت أنا السارد بين القارئ والقصة. فحضور ضمير المتكلم في نظام النص، سواء أداره المؤلف بصيغة «أنا» أو على مقتضى أسلوب «الالتفات» من انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، وعن المخاطبة إلى الإخبار، إنما هو من مقومات قراءة الألفة، إذ يمكن أن يدل حدسا أو ظنا على تجربة عند القارئ هي تجربة « التقبل الذاتي». وهي ليست متجانسة عند جميع القراء، لكنهم يتقاسمونها بنسبة أو بأخرى.
و»أنا» هي بمثابة واصل أو رابط بين القارئ والنص. والقراء جميعهم يتوفرون على هذه الملـَكة في إسناد الكلام إلى النفس، والرجوع إلى الذاكرة من حيث هي قوة نفسية تحفظ الأشياء وتستحضرها؛ وواسطتهم في ذلك ضمير التكلم في النص إذ يحيلهم على تجربة جسدية ونفسية لهم علم بها وخبرة. وما نلاحظه في استعمال الضمير «أنا» أن المرجع هو سريرة المتكلم الخاصة أو دخيلته. ولعل في هذا ما يسوق إلى القول إن إدراك الملفوظ يفترض اختزال الفردية لكي يتيح فهم الأمور المتعلقة باستعمال «أنا» في هذا النمط من تجربة القراءة القائمة على إيلاف النص والأنس به.

كاتب وشاعر تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية