لندن-“وكالات-“القدس العربي”: دعا برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة إلى العمل عالميًا لتحسين نظم إنتاج وتوزيع الأغذية التي نتناولها بحيث تتحمل الصدمات بشكل أفضل بما في ذلك جائحة فيروس كورونا، كوفيد-19 التي يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع ينذر بالقلق في مستويات الجوع في العالم.
وأشارت تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن عدد الذين يعانون من الجوع الحاد في العالم قد يزداد بأكثر من 100 مليون شخص مع نهاية 2020 ليصل لأكثر من 270 مليون إنسان، بعد أن كان 149 مليون شخص قبل تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد، وما ترتب عنه من فقدان الإيرادات والتحويلات، إضافة إلى زيادة التهديدات الحالية المرتبطة بالنزاعات وتغير المناخ، أما بالنسبة للبلدان الهشة بشكل خاص، فإن تعرضها للانزلاق نحو المجاعة يمثل خطرا حقيقياً.
ومن هذا المعنى ترى مؤسسة بلومبرغ غرين، أن العالم يتجه نحو أوقات عصيبة في ضوء زيادة معدلات الجوع مع التأثيرات السلبية لظاهرة التغير المناخي والزيادة المطردة لعدد سكان كوكب الأرض.
ووفقا لتوقعات الأمم المتحدة، فإن عدد سكان العالم سيصل إلى 9.7 مليار نسمة بحلول عام 2050 وهو العام الذي يفترض أن يصل فيه عدد متزايد من دول العالم إلى معدل صفر انبعاثات غازية لمواجهة ظاهرة التغير المناخي. وسيتجاوز عدد السكان حاجز الـ 11 مليار نسمة بحلول 2100.
وتدفع الضغوط من أجل زيادة إنتاج الغذاء أو حتى لتحقيق مكاسب أكبر من الزراعة، العديد من الدول إلى إزالة مساحات واسعة من الغابات والمستنقعات لإقامة المزارع، وتحويل المياه العذبة الشحيحة إلى الصحراء لاستخدامها في زراعتها. فهل هذه الإجراءات ضرورية؟ وهل يمكن زيادة إمدادات الغذاء، مع حماية الموارد البرية النادرة؟
من ناحيتها نفذت خدمة “بلومبرغ غرين” المتخصصة في موضوعات البيئة والمناخ، تجربة فكرية، ففي ضوء عدد سكان الأرض والكمية التي يستهلكها كل شخص في المتوسط، هل يمكن تغذية كل السكان باستخدام نفس البنية التحتية الزراعية الموجودة؟ كانت الإجابة هي نعم. ومن الناحية النظرية يمكن القول إنه يمكن توفير الغذاء لضعف سكان الأرض دون الحاجة إلى إزالة فدان واحد من الغابات.
وحسب تقرير بلومبرغ غرين فإن عدد سكان الأرض حاليا يبلغ 7.8 مليار نسمة وكل إنسان يأكل يوميا حوالي 1.4 كيلوغرام من الأغذية في المتوسط دون حساب المياه. وهذا يعني أننا نحتاج إلى حوالي 3.7 مليار طن من الأغذية سنويا لإطعام كل البشر. في الوقت نفسه ينتج العالم في اللحظة الراهنة حوالي 4 مليارات طن من الغذاء سنويا، لكن يتم إهدار حوالي 1.3 مليار طن منها كمخلفات، بحسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “فاو”.
وأشارت دراسة دولية أجراها باحثون من جامعة أدنبرة البريطانية، إلى أن كمية المهدر من الغذاء في العالم تزيد عن 1.4 مليار طن وهو ما يعني أن حوالي 44 في المئة من الإنتاج الزراعي للعالم لا يستهلك.
وتهدر الدول النامية كميات من الغذاء تعادل تلك التي تهدرها الدول المتقدمة، مع اختلاف طريقة الإهدار. في الدول الغنية يحدث أكثر من 40 في المئة من الإهدار في متاجر التجزئة وعلى مستوى المستهلكين. ورغم أن البعض يحاول تقليل الهدر من خلال تحويل مواد البقالة التي اقتربت نهاية صلاحيتها إلى الفقراء، فإن قواعد السلامة لا تترك أمام المطاعم خيارات كثيرة غير التخلص من الأغذية المشكوك في صلاحيتها.
ولكن في الدول الأفقر، حيث يكون المهدر من جانب المستهلكين أقل، تقدر الأمم المتحدة نسبة المحصول المهدر خلال عمليات النقل من الحقول إلى المتاجر بنحو 40 في المئة. وفي الهند على سبيل المثال يحدث الجزء الأكبر من الهدر أثناء عملية الحصاد نفسها، كما أن الخضروات الطازجة تتلف أثناء نقلها من الحقول، إلى السوق بسبب تأخير عملية النقل ونقص وسائل النقل المبرد.
وتقول دراسة لمؤسسة “إيسري” للمعلومات الجغرافية، إنه إذا وضعنا في الحساب الهدر المحتمل نتيجة سوء استخدام الأراضي الزراعية فإن ما بين 30 و50 في المئة فقط من الإنتاج الزراعي في العالم هو ما يصل إلى معدة الناس.
والحقيقة أنه يمكن زيادة إنتاج العالم من الغذاء من خلال تحسين كفاءة استخدام الأراضي الزراعية المتاحة بالفعل دون الحاجة إلى إضافة مساحات جديدة إلى القطاع الزراعي، وذلك من خلال التوسع في استخدام الميكنة الزراعية وتحسين سلالات المحاصيل وتطوير أنظمة الري. في الوقت نفسه فإنه لا يمكن تجنب بعض الهدر ونقص الكفاءة وبخاصة الناجمة عن ضعف المحاصيل، والحشرات والطقس والصعوبات اللوجيستية وهي مجرد وظائف في نظام غير كفء. لكن في العالم المثالي، ومع استخدام تقديرات إيسري إلى جانب تقديرات الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات بشأن الهدر الغذائي، فإنه يمكن توفير 9 مليارات طن من الغذاء للعالم سنويا، بما يعادل2.4 مرة ما يحتاجه العالم سنويا لإطعام كل سكان الكوكب حاليا.
كما يمكن زيادة الإمدادات الغذائية في العالم دون الاعتماد على تحسين الكفاءة أو تقليل المهدر. ووفقًا لبحث أشارت إليه الأمم المتحدة، يمكن استعادة خصوبة 2.2 مليار فدان من الأراضي الزراعية المتدهورة من خلال الاستخدام الرشيد للأسمدة والري. كما يمكن استخدام بعض هذه الأراضي لإعادة نمو الأحراش، والبيئة الطبيعية، ومع ذلك فإن المساحة المتبقية ستكفي لإنتاج نحو 500 مليون طن من الغذاء سنويا.
ويمكن أن يساعد تحسين عادات الأكل في توفير الغذاء للجوعى في العالم. ففي إيطاليا أشارت الأبحاث إلى أنه يتم استهلاك ما يصل إلى 140 مليون طن من الطعام دون حاجة إليه، وهي كمية تكفي لإطعام أكثر من 270 ألف شخص سنويا. وبالطبع فإن توجيه هذه الكميات من الطعام إلى الذين يعانون من نقصه سيكون عملية معقدة للغاية.
أخيرا، فإن أي مزيج من كل هذه الأفكار والخطوات التي تناولتها التقارير يمكن أن تحقق للعالم إنتاجا من الغذاء يزيد على 7.4مليار طن سنويا بما يكفي لإطعام حوالي 16 مليار نسمة أي نحو ضعف عدد سكان الأرض الآن، دون الحاجة إلى أي تعديات جديدة على الطبيعة.
إذا ما أردنا معالجة الأعباء المتعددة للجوع وسوء التغذية، لا بد من تحويل التركيز إلى النظم الزراعية والغذائية التي لا تُنتج مزيدًا من الأغذية فحسب لسكان العالم الذين يزداد عددهم بسرعة، بل تتيح أيضًا إمكانية الحصول على نظم صحية ومغذية ميسورة الكلفة وأغذية للجميع. هذه كانت الرسالة الرئيسية المنبثقة عن الندوة الإلكترونية التي عقدتها منظمة الأغذية والزراعة اليوم عن “النهوض بمستويات التغذية”.
وقال شو دونيو المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة “لقد تمت معالجة مشكلة الجوع لعقود من خلال سياسات سعت إلى زيادة إنتاج الأغذية، لا سيما المحاصيل الأساسية مع التركيز بقدر أقلّ على إنتاج هذه الأغذية المغذية” مسلطًا الضوء على الحاجة أكثر فأكثر إلى زيادة الإنتاج والاستثمار بقدر أكبر في إنتاج أغذية مغذية أكثر ورسم سياسات تجعلها متاحة وميسورة الكلفة على نحو أكبر.