أحمد عبد الرازقفي المسرحية المضحكة المبكية للسماح للنشطاء الأمريكيين في ماعرف بقضية منظمات المجتمع المدني في مصر علامات فجة تجبر حتى غير المكترث على التفكير الذي قد يفضي إلى الاكتئاب إذ أنها تقدم دليلا فجا وصارخا على أن المجلس العسكري يدير البلاد بنفس طريقة مبارك إن لم يكن مبارك هو الملهم لهذا المجلس في كل مايصدر عنه من افعال ثم انها تضع أيضا علامات استفهام حول مايقال عن استقلال القضاء المصري وحول ماأفرط فيه المخدوعون بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير من أن القضاء المصري لم يعد يخضع لأية ضغوط بعد الثورة وانه في مرحلة جديدة تكفل له أن يكون فوق الجميع.. ويكفي التفكير بهاتين النقطتين أن يقتل حتى أكثر المتفائلين بمستقبل مصر هما وحزنا بعد ثورة سالت فيها دماء خيرة شباب مصر وتآمرت وماتزال تتآمر قوى كثيرة على سرقتها من اصحابها الحقيقيين.
على أن ماحدث في قضية النشطاء الأمريكيين ربما يكون منة من رب السماء فتصرفات من هذا القبيل هي الكفيلة بكشف مايخفى على الناس وهي الكفيلة بافاقتهم من بيانات التخدير بعبارات الحب التي يغدقها المجلس العسكري على شعب مصر إذ أنها تسهم بصورة إيجابية في إظهار مدى الهوة المتسعة بين بيانات الحب والوعود وبين مايحدث على أرض الواقع.. والواقع هو أن ماخفي من هذه القضية هو أضعاف أضعاف ماأعلن منها حتى الآن إذ أن أحدا لايدري من الذي أمر بإخراج هؤلاء بكفالة بعد ان تنحت المحكمة التي كانت تنظر قضيتهم عن نظرها ثم لماذا تنحت المحكمة عن نظر القضية؟ وهل حاول المجلس العسكري أن يتصل بالمحكمة ليبلغها بحرج موقفه فرفضت وتنحت حفاظا على كرامة القضاء المصري؟ أسئلة كثيرة ماتزال تنتظر الإجابة وفي عهد المجلس العسكري كما في عهد مبارك لاأحد يتحدث ولاأحد يحترم رغبة الناس في معرفة الحقيقة حتى بعد أن عاد الأمريكيون إلى بلدهم وربما يتعين على المصريين أن يبحثوا عن المعلومات حول القضية في واشنطن حيث تقول مجلة ‘فورين بوليسي’ الأمريكية المختصة بالسياسة الخارجية والمعروفة برصانتها ومصداقيتها إن قيادتين مصريتين كانتا وراء الصفقة ‘إن صح تعبير الصفقة’ أما القيادتين فهما كما تقول ‘فورين بوليسي’ المشير محمد حسين طنطاوي ووزير العدل المصري محمد عبد العزيز إبراهيم وتشير المجلة إلى أن مضمون الإتفاق بين الجانبين الأمريكي والمصري كان أن يتدخل وزير العدل المصري لدى هيئة المحكمة التي كانت تنظر القضية كي تصدر حكما بإلغاء حظر السفر على النشطاء الأمريكيين مع أول جلسة تنظر فيها القضية في السادس والعشرين من فبراير الماضي لكن وعندما رفض القاضي ذلك تدخل وزير العدل المصري لينحيه عن القضية ثم ليتدخل شخصيا ليصدر قرار الغاء حظر سفر الأمريكيين بعد أن وافق الجانب الأمريكي على دفع كفالة قدرها خمسة ملايين دولار.. هذه هي رواية الفورين بوليسي وأعتقد ان على القيادة المصرية إن كانت تحترم شعبها وإن أرادت أن تقرن القول بالفعل في مجال مايحكى عن إختلاف الوضع في مصر بعد الثورة عليها أن تقدم روايتها بدلا من أن يتخبط الناس ويضربون اخماسا في أسداس.. فكيف ينتقل المجلس العسكري من النقيض إلى النقيض وكيف يصعد من خطابه ويبدي تشددا كبيرا في القضية ثم إذ فجأة يلغى حظر سفر المتهمين حتى قبل ان تنعقد الجلسة الأولى لمحاكمتهم وأين فعلا مايقال عن أن القضاء في مصر هو فوق الجميع بعد الثورة.. هل فعلا صار القضاء فوق الجميع بعد الثورة؟ أجدني كما يجد كثيرمن المصريين أنفسهم غير مصدقين لذلك الاستنتاج فهذه الحادثة لاتبشر بخير لو فسرت على أي وجه من الوجوه فحتى لو فسر تنحي المحكمة عن نظر القضية على أنه حرص من القضاة الذين كانوا ينظرون القضية على إستقلالهم فإنه يفجر أيضا تساؤلات حول سبب التنحي وشبهات تعرض المحكمة للضغوط لكن الخوف الأكبر الذي تفجره هذه القضية يتعدى أهميتها في حد ذاتها ليتسع إلى إسقاطاتها وإيحاءاتها التي تتركها على المحاكمة الكبرى للرئيس المخلوع وأبنائه وزبانيته إذ مادام المبدأ موجودا فما المانع من تكراره؟ بعيدا عن القضية ذاتها وفي مجال تفسير العلاقة بين المجلس العسكري والولايات المتحدة ربما يفيد القول بأن ماحدث في تلك القضية هو انعكاس حقيقي لطبيعة العلاقة بين المجلس العسكري وواشنطون فبعيدا عن لغة الاستهلاك المحلي التي يتحدثها المجلس والتي بدت عالية النبرة على وجه الخصوص خصيصا في قضية الأمريكيين من قبيل ‘لن نركع ابدا ‘ إلى غير ذلك يعرف المتابعون للشأن المصري أنه وبحكم تسليح الجيش المصري وتدريبه فإن علاقة واشنطون بقيادات الجيش المصري وبقيادات المجلس العسكري بالتبعية هي أوثق علاقة تملكها الولايات المتحدة مع طرف سياسي في مصر وبتعبير اكثر بساطة فإن الأمريكيين كونوا خبرات كبيرة من خلال تعاملهم مع القيادات العسكرية المصرية مكنتهم من معرفة اسلوب التعامل معها ويدرك الأمريكيون من خلال تلك الخبرات كيف يمارسون ضغوطهم وإلى أي مدى يمكن للمجلس العسكري في مصر أن يستجيب لتلك الضغوط وبعبارة اخرى ورغم تشدق الأمريكيين بالديمقراطية فإنهم لو اتيحت لهم فرصة الاختيار الكامل لمن يقود مصر لاختاروا المجلس العسكري لأنه وببساطة اكثر من يثقون بابقائه على مصالحهم كما أنهم غير متأكدين حتى الآن كيف يمكن أن يكون تعامل أي قوة سياسية أخرى مثل الإخوان المسلمين عندما يتعلق الأمر بمصالحهم.. وهكذا فإنه ومع إدراك أبعاد تلك العلاقة ربما يتبدد التشوش الحاصل فيما يتعلق بإلغاء حظر سفر النشطاء الامريكيين والسماح لهم بمغادرة مصر بل ربما يتهيأ الناس لقبول صفقات اخرى من هذا القبيل عندما يتعلق الأمر بمصالح الامريكيين.’ كاتب مصري