الرباط – “القدس العربي”:
حديث الساعة في مواقع التواصل الاجتماعي والمقاهي وحتى في بعض المنابر الإعلامية المغربية يدور حول ما سمي “التهافت” على شراء “الدوارة” (تعني أحشاء الخروف التي منها تأتي أهم الوجبات التقليدية في عيد الأضحى)، بالإضافة إلى الكبد الذي منه يأتي “بولفاف” (الكبد ملفوف في الشحم) وهي أول أكلة مباشرة بعد ذبح الأضحية صباح العيد.
الأسعار بلغت مداها وحلقت عاليا جدا لتبلغ 700 درهم (ما يناهز 70 دولارا) بعدما كانت لا تتجاوز 150 درهما (15 دولارا)، مما فتح الباب على مصراعيه أمام المضاربين ومستغلي الفرص والمناسبات لكسب أموال طائلة من بيع أجزاء كانت تعتبر من الزوائد في الأيام العادية.
https://www.facebook.com/soussehadara/posts/pfbid02KXyapDF5WWfph7XK6poykatPYoZoQmyJZuwGMDoFP6E6iVuekeyXSh76c3Ej8xRCl?__tn__=%2CO*F
عدد من المتخصصين دقوا ناقوس الخطر أمام هذا الاقبال الغريب على أحشاء الخروف من طرف مواطنين يريدون الحفاظ على بعض طقوس عيد الأضحى الذي كان العاهل المغربي قد أهاب بعدم إقامة شعيرة الذبح من أجل حماية القطيع الذي تعرض للاستنزاف جراء موجة الغلاء في المواسم الماضية واضطرار عدد كبير من الأسر إلى اقتناء النعاج أو صغار الخراف.
بالنسبة للمتخصصين، فإن الهدف من عدم إقامة شعيرة الذبح لن يجدي نفعا في ظل “تهافت” المغاربة على شراء الاحشاء، بل هناك من قرر اقتناء الخروف أيام قبل عيد الأضحى وذبحه وتخزينه في الثلاجة، وكل واحد منهم يبرر ذلك بمناسبة ما “عقيقة” أو “عرس” أو “نجاح ابن في الدراسة”.
السلطات من جهتها لم توجه بأي منع، لأن مسألة عدم إقامة شعيرة الذبح وفق رسالة العاهل المغربي هي اختيار من أجل حماية القطيع وليست منعا، وهو ما أكده خبراء القانون من أنه لا منع يأتي دون نص، والملك خاطب وعي الشعب ولم يقرر تجريم كل من يقوم بالذبح يوم عيد الأضحى.
وعاب مدونون على الكثير من المواطنين الاقبال والتهافت على شراء اللحم والاحشاء، واتهموهم بالتسبب في الغلاء، خاصة أن ثمن الخروف كان قد عاد إلى تلك الأسعار السابقة قبل مواسم خلت.
وقال مدون إن من يشتري اللحم والاحشاء ويخزنهما، “عليه أن يتقي الله لأنه تسبب في زيادة الأسعار”، وزاد موضحا أن الملك طلب من المغاربة عدم ذبح الأضحية للحفاظ على القطيع أولا، ومن أجل ردع المضاربين الذين ألهبوا الأسواق في السنوات الماضية، وفوق كل ذلك لا يجب أن نعطي فرصة لهؤلاء حتى ينهبوا جيوب الناس”.
وفي رأي صاحب تدوينة أخرى، فإن المضاربين ليسوا وحدهم الذين يجب أن يلاموا، بل حتى المواطن يساهم في الغلاء بمثل هذه “اللهطة” (تعني الجشع والطمع والتهافت)، حيث تشهد الأسواق المغربية مع اقتراب العيد حالة هيجان في أسعار اللحوم وخاصة الأحشاء التي تشكل أهم التقاليد الخاصة بالمغاربة في العيد.
ويقول مراقبون إن نسبة كبيرة جدا من المغاربة تجاوبت مع رسالة العاهل المغربي، لكن فئة محدودة قررت إقامة عيد الأضحى بكل تفاصيله وحتى تخزين اللحوم قبل حلول اليوم الموعود كأن شيئا لم يتغير سوى عملية الذبح في الصبيحة.
ويبدو من حجم التدوينات أن الاستياء يعم المواطنين الذين قرروا الحفاظ على العيد في طقوسه العقائدية والاحتفالية مثل الحلوى وباقي المأكولات المعتادة في عيد الفطر مثلا، لكن بدل اللحم سيكون الدجاج سيد الموائد من خلال وجبات “المشوي” و”المحمر” و”المعمر”، كما أن هناك من قرر أن يكون اللحم حاضرا لكن في الحد الأدنى مع اختيار لحم العجل عوض لحم الخروف.
بعض الكتاب خصصوا تدوينات مطولة لهذا الموضوع، ومنهم عبده حقي الذي وصف الامر بكونه “سابقة لم يشهدها المغاربة منذ عقود”، بعد أن “أصدرت السلطات هذا العام قراراً يُعفي المواطنين من ذبح الأضاحي بمناسبة عيد الأضحى، في خطوة استثنائية فرضتها ندرة قطيع الأغنام وارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق”.
https://www.facebook.com/abdouainouhakki/posts/pfbid0psubuow2erxxx1qZ3vJAcFEJHjQLCSw2pgNpGp42HLxtMwHiYXFve3MTCwXfp2Wul?__tn__=%2CO*F
وحسب الكاتب فقد “استُقبل القرار بارتياح عام لدى فئات واسعة من المواطنين، الذين رأوا فيه رفعاً لعبء مالي ثقيل كانت تفرضه التقاليد الاجتماعية أكثر من مقتضيات الدين”. ويضيف “لقد تحرر كثيرون، ولو مؤقتاً، من الشعور بالحرج أمام أسرهم وأقاربهم بسبب العجز عن اقتناء الأضحية”.
لكن، يستطرد عبده حقي “وكما في كل مجتمعات تُربكها القرارات الصادمة، لم يخلُ المشهد من مقاومة صامتة. فقد أصر بعض المواطنين على اقتناء الأضاحي في الخفاء، متحدّين تعليمات السلطات، ومعتبرين أن العيد بلا أضحية لا يكتمل، ولو كان الثمن مضاعفاً”.
وفي مفارقة لافتة، يوضح الكاتب “لم تكن الأضاحي وحدها التي اشتعلت أسعارها، بل امتدت النيران إلى تجارة أحشاء العيد، وطرح سؤالا وصفه بـ “الجوهري”: “هل نحن بصدد بداية تحول ثقافي حقيقي في نظرة المغاربة إلى الشعائر الاجتماعية والدينية، أم أن ما جرى لا يتعدى كونه ظرفاً استثنائياً سرعان ما يعود فيه كل شيء إلى سابق عهده، وربما بشكل أعنف؟”.
وفي رأيه فـ “الأكيد أن قرار هذا العام كشف هشاشة العلاقة بين الدين والعادة، بين الواجب والمظهر، وعرّى اقتصاداً غير مهيكل يتغذى على المواسم”، كما أن “عيد بلا أضحية” فتح “باباً للتأمل الجماعي فيما نستهلكه باسم الطقوس، وفيما ندفعه من أثمان نفسية ومالية لنظل داخل (السرب)، ولو كلّفنا الأمر الاستدانة أو التناقض مع قناعاتنا”. ويبرز صاحي التدوينة أن “بين من تنفسوا الصعداء ومن خالفوا القرار عناداً أو شغفاً بالتقليد، يبقى السؤال الأهم: هل نملك فعلاً حرية الاختيار حين يتعلق الأمر بالمقدس الاجتماعي؟”.
الأكاديمي يحيى اليحياوي كتب بدروه تدوينة قال فيها “لن أحدثكم هنا لا عن (فراقشية) (لصوص) المواشي ولا عن (فراقشية) الشهادات العليا، لا عن (فراقشية) المغرب الأخضر والمغرب الرقمي، ولا عن (فراقشية) برامج التعليم الاستعجالية وسراق الصناديق، هؤلاء هم ممن تمد لهم يدك للسلام، وتضطر لعد أصابعك في توه”.
وأضاف اليحياوي “لن أحدثكم عنهم، سأحدثكم هنا عن (الدوارة) أي عن أحشاء الذبائح، بقرا كانت أم أغناما أم جمالا أم ماعزا، لقد التهبت أسعارها مؤخرا، بسبب الإقبال الشديد عليها جراء إلغاء شعيرة عيد الأضحى، عرضها قليل والطلب عليها وفير”.
وتساءل الأكاديمي: “هل نحن مطالبون بإحياء شعيرة (الدوارة)، في تعذر إحياء شعيرة العيد؟ ما الداعي كي نتدافع كالقطعان، للحصول على أحشاء ترمى في الأزبال والمجاري في بلدان قريبة منا؟ أتستحق هذه الأحشاء العفنة أن نقيم الدنيا ولا نقعدها، كي نحصل عليها، لنحيي طقوسا لا علاقة لها بمقاصد الدين؟ أهي سنة مؤكدة هي الأخرى؟ ما الذي جرى لنا حتى نصبح عبيد بطوننا كالبهائم؟ أي فصيلة من البشر نحن، حتى نتخذ من الاستهلاك الرخيص هما دوننا ودونه الهوس؟”، وختم داعيا “اللهم لا تؤاخذنا بما بتنا وأصبحنا عليه”.
https://www.facebook.com/yahya.elyahyaoui.7/posts/pfbid02NUTFNaPGhJi2vUqdnuyhtbgPjG3mJTpZrmeXjzh4CiZhL26qsxFU57jzykon1ymjl?__cft__[0]=AZWhmkglBd6-EdkAnBZwr6pNSRItPViC-2P5ZAehULzAH7Smz4tZI7H9UYdKycOWHRjdYUmUi23Ax9ak_N5D8tcIl4CfwypcOBBL4oLLK6id3ZplWLWKBTPP4hjFqGZFVIQ&__tn__=%2CO%2CP-R