«مغربي في ألاسكا» عبارة عن رحلة من المغرب إلى الجنوب الغربي لكندا، ثم إلى ألاسكا بمناسبة زيارة الكاتب المغربي إدريس اعفارة لأبنائه المقيمين في الديار الكندية وثق فيها كل ما صادفه من مشاهدات تشمل الناس والحيوانات والأمكنة والمواقف. سرد أحداثها بضمير الغائب، حيث أعطى لبطل الرحلة اسم «أبو العيال» الذي انطلق من مطار محمد الخامس في الدار البيضاء، مرورا بعدة محطات وصولا إلى ألاسكا الأمريكية، محافظاعلى كرونولوجية الأحداث، ووقف بنا عند كل مشهد مدهش، تاريخي أو غير مألوف، حتى وهو على متن الطائرة. سافر بنا في رحلات تاريخية وحضارية، وأحيانا أسطورية، ونقل لنا ما خلفته الحضارات المستعمرة السابقة من بصمة على مستوى الطرق والبناء، وهو ما يفسر تردد سرده بين ما هو معرفي وما هو مشاهد، وما هو متوقع، وما هو حقيقي، واتسم بلغة بسيطة فيها لمسة مغربية تجلت في حضور اللغة الدارجة، وأحيانا لغة عربية موسومة بالسجع المقاماتي، أضفت في كثير من الأحيان على خطابه روحا مرحة وفكاهية.
لكتابة هذه الرحلة استعان الكاتب بمذكراته وآلة تصويره وذاكرته، واصفا أدق التفاصيل من استعدادات للرحلة والأدوات، مقدما تفاصيل عن مساحة الأراضي وعدد السكان، وطرق المواصلات، وعدد السياح، وجيولوجية وجغرافية المناطق، وأثمنة السلع، وأنواع الوحوش.
عبّر الكاتب عن إعجابه بكندا التي وصفها بالجمال والنظافة، وبمناظرها الخلابة ومستراحاتها وتجهيزاتها الراقية المجانية. كما عبر عن اندهاشه من الرقي الأخلاقي والإنساني، وما يعيشه الإنسان الكندي من أمن لا يخاف سوى الوحوش، كما أن الناس يتعاملون بثقة وأمان تامين. فالتعامل النقدي لا يحتاج إلى أشخاص أو مرافقين، يكفي وضع المال في صندوق لقضاء الحاجة. وتطرق إلى احترام الجوار باتسام الناس بالهدوء، الذي أصبح يطبع حتى حيواناتهم الأليفة، كما نقل إلينا تعايش الديانات، وكيفية احتفال الجالية المسلمة بأعيادها الدينية. وناقش مفهوم المناصفة والمساواة بين الرجل والمرأة في كندا، وكيفية عمل المرأة جنبا إلى جنب مع الرجل في الأشغال الشاقة، كترميم الطرقات وسياقة الشاحنات والسيارات ذات الدفع الرباعي وتقاسم الجنسين للمسؤوليات. وانبهر بالتكنولوجيا المتقدمة للسيارات وغيرها، واحترام الناس للقانون بما فيه قانون السير، والحفاظ على الحيوانات، حيث توجد جسور مخصصة لحمايتها من خطر الطريق، كما يوجد قانون الصيد الذي يحمي هذه الحيوانات من الانقراض، حيث يمنع صيد بعض الحيوانات، إلا على بعض السكان الأصليين لكندا، الذين يحظون ببعض الامتيازات، تعويضا لهم عما عانوه من البيض الباحثين عن الذهب.
تعرفنا في هذا الكتاب على طرق عيش بعض الحيوانات، من دببة وأرانب وقطط وطريقة تعامل الناس معها. لقد تطرّق الكاتب إلى رمز الحمار الذي اتخذه الحزب الديمقراطي الأمريكي رمزا له «اعترافا منهم بإرشاداته المصيبة».
«مغربي في ألاسكا»عبارة عن رحلة توثيقية، تنقل لنا حضارات أخرى لدول متقدمة أثارت دهشة الكاتب، الذي نقلها لنا وقارنها في كثير من المواقف ببلده الأم، لتوضيح أكثر المفارقات بين هذه العوالم.
تعتبر مدينة ألاسكا الأمريكية في رحلة إدريس اعفارة محطة وصوله، أخذ وصفها 25 %من الكتاب، نقلها لنا الكاتب كمدينة سياحية تجذب عشاق الماء والخضرة والجليد، والجو الصيفي المنعش والوحوش والسلمون. وتتصف بسياحة السفن العملاقة، ولها خاصيات كندا نفسها في التعامل النقدي، فمثلا يمكن للشخص أن يأخذ كفايته من البنزين بنفسه، ودون مراقب من محطة الوقود، وبعدها يدفع المال إلى صاحب المقهى، بعد تحديد الثمن من العداد. كما ذكر بعض المناجم التي كانت تستقطب الباحثين عن الذهب.
على الرغم من انبهار الكاتب بمدى تقدم كندا وألاسكا الأمريكية، على جميع المستويات التي سبق ذكرها، إلا أنه في مجموعة من المواقف عبّر عن خيبة أمله مما كان متوقعا؛ حيث ظن أن بعض السلوكات تكون حكرا أكثر على الدول النامية فقط، لكن صادفته في دول تعد أكثر تقدما في العالم، كعدم احترام وقت الطيران وتأخر حقائبه عند وصوله إلى كندا، كذلك وجود لصوص في بعض الملاعب وافتقاد الأمان أحيانا في ألاسكا، يدفع الناس إلى استعمال الأسلحة المرخصة للدفاع عن أنفسهم من الوحوش، وعن ممتلكاتهم من المعتدين. كذلك عبّر عدة مرات عن شعوره بالملل وهبوط المعنويات في الطريق الذي كان سببه الخوف من المجهول فعبر عن ذلك بقوله: «ها هي الطبيعة العذراء تكشف عن مفاتنها، لكن الخوف من المفاجآت يلقي ظلاله على التمتع برحلتنا». لمسنا حنين الكاتب إلى الوطن عند وصفه للمغرب ببلد الشمس والطقس الدافئ، الذي يمتاز بضجيج الناس على عكس بعض المدن الكئيبة المهجورة كمدينة «كاسيار» التي وصفها بمدينة البوم والأشباح. ووصف بعض الليالي بالدامسة بلا نجوم، ورأى أن أزهار كندا تفتقر إلى الرائحة، مقارنة مع نباتات المغرب التي تفوح عطرا، بل شبه نعنانهم بسبانخ المغرب. واستحضر أساطير مغربية كلما صادف مشهدا ذكره بذلك كبحيرة تسلين وقصة العاشقين «إيسلي وتيسلي» قرب قرية إملشيل المغربية، وقصة الملكين «غرغير وديرسا» في تطوان، وقصة استبانيكو الزموري الذي حارب مع الهنود الحمر ضد المستعمرين البيض.
ختاما، «مغربي في ألاسكا»عبارة عن رحلة توثيقية، تنقل لنا حضارات أخرى لدول متقدمة أثارت دهشة الكاتب، الذي نقلها لنا وقارنها في كثير من المواقف ببلده الأم، لتوضيح أكثر المفارقات بين هذه العوالم. لقد صور لنا الآخر كمثل يُحتذى، سواء في العلاقات الإنسانية، أو في التقدم التقني، واحترام القوانين لحماية الناس والحيوانات، لكن مع ذلك عبّر عن ميزات بلده التي تفتقر إليها هذه الدول رغم تقدّمها، وتتجلى في الدفء الإنساني والمناخي، الذي يعطي لبلد المغرب جمالا وطابعا خاصين.
كاتبة مغربية